خطبة الجمعة الأولى لسماحة الدكتور الشيخ محمد علي نجل المقدس الشيخ منصور الستري التي ألقاها 25 محرم الحرام 1424هـ الموافق 28 مارس 2003م في جامع سترة الكبير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الهدى والفلاح في خشيته وتقاه، ورفع درجات المسلمين لأمره والصابرين على قدره وقضاه، وحقق لكل تقيٍ في الأولى والآخرة مراده ومناه، واستدرج الظالمين فازدادوا قهراً وظلما لمن والاه، وأردى كل جائرٍ عن قصد السبيل في نار تكبره وهواه، فسبحان مَن لا إله غيرُهُ وتعالى مَن لا معبود سواه، والحمد لله الذي يعود بعد فناء الدنيا وحده ولا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، والذي يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، والله يحكم لا مُعَقب لحكمه وهو سريع الحساب، اللهم إنا لا نعلم كُنه عظمتك، إلا إنا نعلم إنك حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يُدركك بصر، بل أنت الذي أدركت الأبصار وأحصيت الأعمال، وأخذت بالنواصي والأقدام، يقول إمامنا علي (ع): وما الذي نرى من خلقك، ونعجبُ له من قدرتك، ونصفه من عظيم سلطانك، وما تغيب عنا منه، وقصرت أبصارنا عنه، وانتهت عقولنا دونه، وحالت ستور الغيوم بيننا وبينه أعظم، كل ما نقوله فيه من التعظيم والتمجيد فما لا نعرفه عنه أعظم وأعظم.
و أشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به، ولا مشكوك فيه، ولا مكفور دينه، ولا مجحود تكوينه، لم يقرب سبحانه من الأشياء بالتصاق، ولم يبعد عنها بافتراق، وليس شيء في الدنيا يقدر عليه بامتناع، ولا له في طاعة أحد أو شيء انتفاع، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله نجيبه وصفوته، وبعيثه وخيرته، فهو النبي الذي قضى الله به الرسل وختم به الوحي، فجاهد في الله المدبرين عنه والعادلين به، وقام بتبليغ الدعوة الربانية والناس كما قال مولانا علي (ع): "والناس يستحلون الحريم، ويستذلون الحكيم، ويحيون على فترة ويموتون على كفرة، بلغ صلى الله عليه وآله الرسالة، غير وانٍ ولا مُقَصّر، وجاهد أعداء الله غير واهنٍ ولا معسر، وأضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية". اللهم صلي عليه وآله الأبرار، المُصْطفين الأخيار، ووفقنا اللهم في هذه الحياة للسير على طريقتهم، وارزقنا في الآخرة الفوز بشفاعتهم.
عباد الله المؤمنين… أوصيكم ونفسي قبلكم بتقوى رب العالمين الذي جعلكم في هذه الحياة الدنيا غَرَضاً تنتطلُ فيه المنايا، والذي أراكم أنّ الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، لا يعود ما قد ولى منه، ولا يبقى سرمدا ما فيه، وها أنتم ترون بأنفسكم حقيقة ما قاله سيدكم أمير المؤمنين (ع) في هذه الدنيا: "فإنها تحببت بالعاجلة وراقت بالقليل وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها". وها أنتم قد رأيتم أنها قد فجعتنا في هذا الأسبوع بآخر القادة العظام، وخاتمة المحدثين والرواة الكرام، أجل كما قال علي (ع): "هذه الدنيا غرّارة ضرّارة، حائلةٌ زائلة، نافذة بائدة، ثكّالةٌ غوّالة، لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يَلقَ في سرّائها بطناً إلا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تطل له فيها ديمة رخاء، إلا هتنت عليه مزنة بلاء". وأي بلاء أوقعتنا فيه هذه الدنيا أعظم من اختطافها أعمدة الهدى في بلادنا، اسمحوا لي أيها الأخوة – أنا الدنيا عندي كحلم – فبالأمس القريب اختطفت منا الماجد الشيخ محمد، وبعده بقليل اختطفت منا المقدس الشيخ منصور، وما هي إلا أشهر حتى اختطفت منا أبا المكارم الشيخ عبد المجيد، واليوم تعدو علينا فتصيبنا في المجاهد الأكبر الشيخ سليمان. إنني لفي حيرة من أمري، من أين أبدأ الكلام؟ وكيف أوجه الخطاب؟ عن أي جانب أتحدث عن هذا الفقيه العالم المجاهد الصابر؟ وهو مجموعة فضائلٍ علماً وديناً وخلقاً، ومجموعة جوانب فقهاً ورئاسةً وجهاداً.
أنا لا أتحدث عنه كأب أو خال أو أستاذ، وإن كان يحق لي كذلك، ولكني أتحدث عنه اليوم عن شيخ طائفة، وقائد أمة، وعالم كلمة، ورجل المواقف الصعبة. كان العالم الذي شهد له الكل، شهد له خصومه قبل أصدقائه، وإني لأتذكر حينما يذهب إلى النجف الأشرف وأنا أتكلم قبل ثلاثين عاماً، وجدتُ هناك الأوساط العلمية والحوزات الدينية تتحدث عنه عالما فقيهاً متفوقاً مقدماً على أقرانه، وإذا كانت الظروف قد اضطرته للعودة للبحرين من ذلك الوسط العلمي. فإن فقيها كبيراً عظيماً كالشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني وكلكم تعرفونه، حينما عرف عن عودته للبحرين قال: "كيف ترجع للبحرين وبقاؤك في النجف يجعلك فقيها للطائفة"، لأنه كان يرى فيه ويتوسم ذلك النبوغ المبكر، ومع الأسف حينما يعود عالم في مثل علمه يضيع في مجتمعاتنا.
أتحدث عنه قائداً فذاً ثاقب البصيرة، كان يقرأ الأحداث والأمور ويحللها لنا ويضعها بين أيدينا قبل حدوثها، أنا لا أتحدثُ عن قيلٍ وقال، وإنما أتحدث عن مشاهدة شخصية قريبة لصيقة، ولقد أحياناً نعجبُ ونحن القريبين منه من التفاتات له، ونخرج من عنده ربما غير مسلمين تماماً بأن هذا سيحدث، ونجده بعد حين يحدث ويصدق، لأنه جمع إلى جانب العلم الغزير الذكاء الحاد، والقدرة على قراءة الواقع من كل جوانبه، ولهذا وأنتم تعلمون ما خابت توجيهاته وما أخطأت كلماته، ووجدنا أنّ ما كان قد حذّر الأمة منه وحذر المواطنين منه قد حدث.
أتحدث عنه مجاهداً جريئاً صاحب كلمة وموقف ثابت، فقد رأيتم كيف أن الدنيا كلها – أقول كلها – قد وقفت في وجهه وبقي ثابتاً صابراً واضح الرؤية لا يتزحزح عن موقف الشرع وما كان يفهمه ويستنبطه من الكتاب والسنة، كان يتكلم عن علم وأهلية، بينما كان غيره يتكلم من واقع أوضاع خاصة ونظرات ضيقة ومواقف فئوية وعلم قليل.
و لقد صبر على أمض من الصبر كما علمتم، والحمد لله أنّه أرّث هذا الصبر والثبات في مريديه وفي كل طلابه وفي كل من اهتدى بكلماته وتوجيهاته، كان حرباً على الإلحاد بكل أشكاله وصوره، ولقد عانى في هذه الحرب، لأن الإلحاد جمع كل استعداداته لمحاربة نهج محمد (ص) والأئمة الطاهرين فيه، فالإلحاد يحارب الإسلام ولكنه لا يستطيع في بلداننا أن يقول بأنه يحارب الإسلام مباشرة، فيتجه إلى حرب دعاة الإسلام وعلماء الإسلام، وحيث أنه رحمه الله كان في بلادنا المقدم فيهم، وكان قائد هذه الحرب ضد الإلحاد، ومن هنا استهدفوه، ووجهوا له جميع الطعون والسهام، ولكنه خرج من هذه المعركة قوياً، وانتصر الإسلام على الكفر. لقد كان حربا على الفئوية والحزبية، كانت دعوته إلى الإصلاح العام ولمّ الشمل العام هو المنطلق، فكلكم تعرفون أنه كان عدواً للحزبية، وأنا أستغرب ممن يقول بأنه هو الذي أدخل الحزبية في البحرين، عالم الشريعة لا يتحزّب، وهو الذي يعرف ذلك، لأن عالم الشريعة عالم الجميع وليس عالم فئة، وليس عالم حزب فقط، كان موقفه هذا ينطلق من رؤية شرعية ربانيةٍ واضحةٍ لها أدلتها من الكتاب والسنة.
أنا لا أستطيع أن أطيل اكثر، ولساني عاجزٌ عن استيعاب هذه الشخصية الكبيرة، ولكنكم رأيتم كيف أن البحرين كلها قد فُجِعت به، وخرجت ملِكاً وحكومةً وعلماء وسياسيين ومؤمنين وجماهير كلها لتعبر عن عرفانها وتقديرها وإحساسها بالخسارة العظيمة التي منيت بها البحرين ومنيت بها الأمة الإسلامية برحيله، حملته على الأعناق بعد موته، وقد كان طيلة وجوده يحملها على عنقه. وهذا هو شأن العالم في كل وقت وفي كل حين وفي كل زمن، وهذا هو شأن العالم الملتزم برسالته، هذا هو شأنه، وهذا شأنه مع الدنيا، أكثر الناس لا يعرفون أي شخص من العظماء إلا بعد أن يترك مكانه، وسترون كيف أن البحرين ستدرك عظمة هذا الرجل بعد أن ترك مكانه، (أخيراً قد ترجّل الفارس وهدأت تلك الشقشقة التي كانت هادرة في محاربة الباطل).
أيها الأخوة المؤمنون "موت العالم مصيبة لا تنجبر وثلمة لا تُسد وهو نجمٌ ساطع" هكذا قال رسول الله (ص). وقال أيضاً (ص): "موت قبيلة أيسر من موت عالم".
و لكن يا للأسف، الناس موكلون بمعاداة العلماء، يقول إمامنا الرضا (ع): "ثلاثة موكل بهم ثلاثة: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعاداة العوام على أهل المعرفة".
ولكني أوصيكم أيها المؤمنون بتقوى الله والتعزي بعزاء الله. وأستعير هنا كلام علي (ع) في الراحلين من عظمائنا وفي حقكم أنتم الذين تسيرون على نهجهم حيث قال: "قومٌ والله ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، متاريك للبغي، مضوا قِدْماً على الطريقة، وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة"، أيها العظيم الراحل عنا، نحن على يقين أنك ظفرت بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة. ولكن هذه هي حال الدنيا وحريٌ بنا إذا وقفنا على سيرة عظيمٍ من عظمائنا يجب أن لا ننسى أنفسنا وماذا يجب علينا، ونتذكر دائما أن الدنيا إذا أصبحت لأحد منتصرة أن تمسي له متنكرة، وإن جانبا منها اعذوذب واحلولل أمر منها جانب فأورق، قال مولانا أمير المؤمنين (ع): "لا ينال امرؤ من غضارتها رغباً، إلا أرهقته من نوائبها تعبا، ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف، غرّارة غرورٌ ما فيها، فانية فانٍ من عليها، لا خير من أزوادها إلا التقوى".
فاتقوا الله عباد الله وتعزوا بعزاء الله وأفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر وارغبوا فيما وعد المتقين الصابرين، فأنتم، وهنا أستعير كلام علي (ع): "فأنتم أيها المؤمنون الأنصار على الحق والإخوان في الدين، والجند في يوم البأس، والبطانة دون الناس".
أيها الأخوة الأعزاء، علينا أن نتخذ من هذه المناسبة الأليمة منطلقاً للوحدة فيما بيننا، وأنا هنا أرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لكل الذين شاركوا في المواساة والتعزية والتشييع المهيب وفي مقدمتهم علماء الدين وأتوجه لكل من شارك وواسى بالشكر وأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم وأعمالهم، لأن الفقيد فقيد الجميع، وفقيد الأمة الإسلامية، وأنتم أيها الأخوة دعاة لهذا النهج، وأنتم الأمناء عليه، وأنتم البطانة التي زرع فيكم الفقيد حب الدين والتضحية في سبيل الإسلام، فكونوا في هذا الطريق أيها الأخوة المؤمنون وارغبوا فيما وعد الله المتقين الصابرين، واستمعوا لخطاب الله في الذكر المبين فإنه تنزيل من عزيز حكيم.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
"و العصرِ إنّ الإنسانَ لفي خُسرٍ إلّا الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصبرِ"
صدق الله العلي العظيم
اللهم إنا نسألك أن تمنحنا الصبر وتنصرنا على القوم الكافرين وتغفر لنا خطايانا يوم الدين آمين رب العالمين.