| يا دهرُ ما زلت على ما مضى |
خصماً لدوداً آه لم تُقلعِ |
| يا دهر قد أورثتنا لوعةً |
قد ورّثتنا قلق المضجعِ |
| يا دهر لم تترك لنا فرصةً |
فعلك هذا فعل من لا يعي |
| يا دهر قد أثقلنا همُّنا |
أنت على الرأفة لم تُطبعِ |
| يا دهر لا تعرف معنى الجوى |
كمثل من في هذه الأَرْبُعِ |
| ثوبَ الأسى يا دهرُ ألبستنا |
يا دهرنا إنيَ لا أدعي |
| لو كنتَ ذا حسِ وذا فطنةٍ |
لكُنت مثل الكيِّس المُسْمِعِ |
| شكاتنُا منك على حالها |
باقيةٌ فأنت لم تسمعِ |
| أنت كما قد كنت في ما مضى |
قد فُقت فعل المُوْغِلِ المُولَعِ |
| ها أنت مثل الأمسِ جارٍ بنا |
كأنّنا يا دهرُ في بلقعِ |
| أمرُك أمرٌ دونه أمرنا |
أواهُ عنه أنت لم ترجعِ |
| حُكمك فينا نافذٌ أمرهُ |
آلامه تنخر في الأضلعِ |
| استضعفتنا منذ بداياتنا |
كم لك في الساحات من مرتعِ |
| سيفك سيفٌ حدُّهُ باترٌ |
صَريرهُ يفضي إلى المصرعِ |
| ها نحن مثل من مضى قبلنا |
نمشي معاً في غَابنا المُسْبِعِ |
| غلَّفتنا بالهمَّ يا دهرنا |
وحولنا كلُّ القنا الشرعِ |
| في كل يومٍ لك أحدوثةٌ |
نهارها كليلها الأسفعِ |
| كلُّ أحابيلك معروفةٌ |
لأنها يا دهرُ في مهيعِ |
| أرقامها من دونها عدُّنا |
لم يدَّعيها أبداً مُدَّعِ |
| الناسُ كل الناس قالوا معاً |
ليس لهم في العدِّ من مطمعِ |
| كم قد قرأنا وسمعنا هنا |
ما فاق ما قد قيل في المجمعِ |
| لم يُحصها مُحصٍ سوى ربِّنا |
سبحانه من قادرٍ مُبدعِ |
| يا دهرُ نارُ الحزن لن تنطفي |
هذا مقال الناس طُرّاً معي |
| شكاك من قد رحلوا قبلنا |
فقد شكى المُوجَعُ للموجَعِ |
| ها نحن من بعدهم في أسىً |
شِفرته أواهُ لم تُنزَعِ |
| في كل يومٍ خبرٌ مفجعٌ |
يطوف بين العينِ والمسمعِ |
| وإن هذا اليوم يا دهرنا |
فيه ذوات الطَّوقِ لم تَسجَعِ |
| بَكَتْ سُليمانَ ومن حقِّها |
هذا لأن الطير لم تهجعِ |
| مسجدُهُ أول ناعٍ لهُ |
منه سمعنا صاح صوت النعي |
| والحوزةُ الغراء قد أعولت |
فحقُّه فيها له قد رُعي |
| والأهلُ والأصحابُ وقعُ الأسى |
فاجئَهم كعاصفٍ زَعزَعِ |
| أصابهم وَهُم على غِرَّةٍ |
فجادت الأعينُ بالأدمعِ |
| هذا قضاءُ الله يا دهرنا |
وإننا بكلِّ هذا نعي |
| قد كان مسبوقاً بآبائِهِ |
ومنهُم الحرزُ التّقي الألمُعي |
| جِدحفصُ قد كانت بهم حوزةً |
شامخةً باسمةَ المشْرَعِ |
| تاريخنا عنها حكى سَابقاً |
حِكايَةَ العارفِ بالمَرْبَعِ |
| فإنهُ خيرُ خبيرٍ بها |
لأنَّه أول من قد دُعي |
| لقد رأى فيها له موقعاً |
فَطافَه كباحثٍ لَوذعي |
| مصدرُهُ مُوثقٌ نصُّهُ |
قد جاءَنا بِقوله المُقنِعِ |
| بحريننا حديثُها شيِّقٌ |
من دونه بلاغةُ الأشجعِ |
| وسوف تبقى هكذا شُعلةً |
يا صاحِ حتماً آخرَ المقطعِ |
| شهرتها قد طَبَّقَت شرقنا |
فالطوقُ قد أَنتج كالمصنع |
| أوائل الرواد من قد مضوا |
هم أهل ذاك الزخمِ الممتعِ |
| معاهد العلم بهم قد سمت |
وللغزاة الكثر لم تخضعِ |
| واقعها كان بهم مشرقاً |
لأنهم كالأنجم الطلَّعِ |
| فيها رأى طلابُها رفدهم |
لأنها كالسُلحُب الهُمَّعِ |
| لكنها قد صَوَّحَت بعدهم |
فهل لها يا صاحِ من مطلعِ |
| هل في الغد الآتي لها عودةٌ |
يعودُ فيها زمنُ الأصمعي |
| كان الفقيد أملاً باسماً |
في قُطرنا يا ليت لم يُفجعِ |
| لقد مضى كأمسِنا مسرعاً |
في غُربةٍ يا ليت لم يُسرعِ |
| ما قد جرى كان على عكس ما |
قد شاءه فالطب لم ينفعِ |
| والدعواتُ الكُثرُ منّا له |
كانت هي الأخرى لم تشفعِ |
| قد أصبحت جدحفصُ مثوىً له |
مع الدُّعاةِ السُجَّدِ الرُكَّعِ |
| يا مطر الوسميِّ زُرْ ساحَهمْ |
واغمر تُرابَ ذلِكَ الموقعِ |
| زُرْهُ لكي يكسوَ زهر الربى |
ما حوله في ذلك الموضعِ |
| يا قطرُ هطالُكَ ينمو به |
الزَّهرُ فكنْ كالجَد والمترعِ |
| زُرهُ فإنَّ السَّاحَ في غِبطةٍ |
بمن ثووا فيه من الخشَّعِ |
| كانوا هنا في عملٍ دائبٍ |
قد فاقَ غورَ الشاعرِ المُبدعِ |
| لقد علا شأنُ أوالٍ بهم |
هم هكذا كانوا على مَسْمَعِ |
| أواه قد غابوا ووقع الأسى |
شِفرته أقسى من المِبْضَعِ |