almuhadhrat

مناصب الفقيه

بسم الله الرحمن الرحيم, والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين, إلى قيام يوم الدين.

       تنتهي الزعامة الدينية في زمن الغيبة للشيعة الإمامية إلى الفقيه الجامع لشرائط الفتيا, والمقصود بالفقيه هو الشخص القادر على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية الموضوعة من قبل الشارع المقدس, والفقيه هذا له ثلاثة مناصب, المنصب الأول هو أنه يعمل بعلمه ولا يتبع أحداً غيره, كأحد من الفقهاء أو غيره, وهذا أمر طبيعي فكل عالم في علم إنما يتبع علمه ولا يتبع سائر العلماء المتخصصين في ذلك العلم, لأنه بعد ادعائه أن الواقع قد انكشف له وأن الحق في القضية هو هذا القول, لا نستطيع أن نقنعه بقول غيره الذي يراه خطأًً, والمنصب الثاني هو عمل الناس بقوله, أي رجوع الناس له, وعملهم طبق فتواه, وهذا أيضاً جارٍ على المتعارف عند العقلاء, وهو أن كل جاهل بعلم من العلوم يرجع فيها إلى العارف بذلك العلم, فغير الطبيب يرجع في فن الطبابة إلى الطبيب, وغير المهندس يرجع في فن الهندسة إلى المهندس وغير ذلك, والشارع المقدس أقر هذا البناء العقلائي الذي سار عليه الناس, فأجاز رجوع العوام – الذين لم يتخصصوا في الفقه- إلى الفقيه الجامع لشرائط الفتيا, وقد وردت الرخصة بذلك في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام "وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه" فسواء جعلنا اللام هنا بمعنى الرخصة أو جعلناها بمعنى على فتعني الوجوب, على أي حال هذا أمر عقلائي والشارع المقدس إنما أقره, والمنصب الثالث هو الحكم بين الناس, فله أن يحكم بين الناس, وأن يفصل الخصومات الواقعة بين الناس, وقد عين من قبل الشارع المقدس ليكون حاكماً كما ورد في مقبولة ابن حنظلة "إذا وقع بينكم شجار في دين أو ميراث فلا تترافعوا إلى حكام الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا وعرف أحكامنا ونظر في حلالنا وحرامنا فاجعلوه حاكماً عليكم" أو في نسخة أخرى "قاضياً عليكم فإني قد جعلته قاضياً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما علينا رُد وبنا استُهزئ، والراد علينا راد على الله فهو على حد الشرك بالله" فللفقيه إذاً أن يحكم بين الناس, وأن يفصل الخصومات, ولكن ما مدى سعة سلطته في هذا الباب؟ معظم العلماء ذهبوا إلى أن الفقيه إنما هو منصوب في مقام القضاء فيما يقابل القاضي المنصوب من حكام الجور, فكل ما للقاضي المنصوب من حكام الجور أن يحكم فيه فللفقيه الجامع لشرائط الفتيا أن يحكم فيه, وهذا إنما يأتي في الأموال التي هي الحقوق وفي الحدود وفي القصاص, ولكن هل له أن يحكم في الموضوعات كالأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك كإثبات الأهلة؟ كل ما يرجع إلى الموضوعات يعني لا يرجع إلى الأحكام الشرعية, فإن تدخله فيها هل هو على أساس من قيامه بأمور الحسبة, أو على أساس أنها وظيفته ومنصبه؟ هذا موضع خلاف, فبين معمِمٍ وبين مخصص, وبناء على هذا الحديث الشريف فمنصب الفقيه هو الحكم بالأحكام لا الحكم في نفس الموضوعات؛ لأنه عليه السلام وضعه فيما يقابل القاضي المنصوب من الخليفة العباسي في ذلك الزمان, والموضوعات كلها في ذلك الزمان ترجع إلى من اغتصب الإمامة الذي هو الخليفة, والفقيه لم يوضع في مقابل من اغتصب الإمامة حتى يكون له الحكم في هذه الأمور, وإنما يكون له الحكم في الخصومات والمنازعات الواقعة بين الناس, ولذلك قالوا بأن حكم الحاكم في الهلال غير نافذ؛ يعني لو حكم الحاكم بأن غداً هو أول شوال أو أن غدًا هو أول شهر رمضان لا يكون حكمه نافذًا لأن الإمام عليه السلام لم يضع الفقيه لأجل هذه الغاية, وتدخل الفقيه في هذه الغاية إنما باعتباره قائماً بأمور حسبية؛ يعني بأمور تنظيمية من سماع شاهد أو النظر في تعديل شاهد أو غير ذلك، فلا يجوز له أن يحكم بالهلال حكماً, ومن أجل ذلك قالوا لو حكم لم يجز لمقلديه اتباعه في هذا, وقسم آخر عمموا منصب الفقيه إلى ما يشمل هذا وما يشمل أيضاً الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية, واحتجوا على ذلك بالتوقيع الصادر من صاحب الأمر (عج) "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا" فالوقائع كما تكون في أمور التنازع التي تقع بين الناس فكذلك تقع في أمور الموضوعات, وقد أمر عليه السلام بالرجوع إلى رواة الحديث في ذلك, كل هذا بناء على أن (ال) في قوله "الحوادث" هي للاستغراق لا للعهد, وأما لو كانت حوادث معينة أو كان يقصد بها مثلاً الحوادث التي عين الصادق الفقيهَ لأجلها عند ذلك لا يتم هذا الاستلال, ولكنه بناء على هذا الحديث عمموا حكم الفقيه؛ فجعلوا له التدخل في كل شأن من شؤون الحياة التي يحتاج إليها الإنسان الشيعي؛ سواء في الأمور السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو غير ذلك, فكل ما يحتاج إليه الشيعة فللفقيه الحق أن يحكم فيه أو يبت فيه، حسب ما توصله أدلته أو حسب ما يرى من أنه صالح لتنظيم الشيعة الإمامية, على أي حال فإن القدر المتيقن هو أن الناس يحتاجون للفقيه في مرحلتين:

       المرحلة الأولى: في مقام الإفتاء حتى يأخذوا منه معالم دينهم من الحلال والحرام وغير ذلك.

       والمرحلة الثانية: هي مرحلة القضاء, القضاء بين الناس وفصل الخصومات وحل التركات, فإنه لا يجوز لأحد لم يبلغ رتبة الفقاهة أن يحكم بين اثنين ولو في مقدار درهم, ولا يجوز لأحد لم يبلغ رتبة الفقاهة أن يحل تركة أو غير ذلك أو أن يجري قسمة بين قوم فيهم قُصّر, لأن الوالي على القصر والأيتام والمجانين والسفهاء إنما هو الفقيه الجامع لشرائط الفتيا, ولأجل ذلك قال العلماء رضوان الله عليهم إن وجود هذا الشخص في كل قطر هو واجب كفائي؛ أي يجب أن يكون في كل قطر من أقطار الإسلام فقيهٌ أو أكثر من فقيه موجود حتى يحل مثل هذه المشكلات أو يحكم في هذه الوقائع التي تقع للناس طيلة السنين والأعوام, فإذا خلي القطر من فقيه, لم يوجد في بلد من البلدان فقيه, فماذا يفعل الناس؟ قال العلماء رضوان الله عليهم: إن تمكنوا في حكم الخصومات وفي حل التركات وغير ذلك أن يتصلوا بالفقيه الموجود خارج القطر فليتصلوا, فإذا لم يتمكنوا من الاتصال به فعليهم تقع المسؤولية, وحتى يتلافوا هذه المسؤولية ولا يقعون في الإثم جميعاً بتركهم واجباً كفائياً عليهم أن يخرجوا جماعة ليذهبوا فيحصلوا العلم الديني, وينبُغَ فيهم من يصل إلى حد الفقاهة, وهم في حين الطلب معذورون, يعملون بالاحتياط أو بغير ذلك حتى يرجع إليهم أصحابهم فيرشدوهم ويعظونهم, وإذا أهملوا مثل هذه المهمة أثموا جميعاً لأنهم تركوا واجباً كفائياً, فإن طلب العلم في أصله مستحب, نعم طلب العلم إذا لم يكن متعلقاً بأعمال اليوم والليلة مستحب, ولكنه بالنسبة إلى عموم الناس واجب كفائي, وقد أمر الله سبحانه وتعالى به فقال عز من قائل: ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[[1], فطلب العلم بهذا المستوى هو واجب كفائي, ومستحب لكل فرد أن يقوم به, والواجب الكفائي هو الذي إذا قام به بعض الناس سقط عن البعض الآخرين, وإذا أهمله كل الناس أثم الجميع, وكل الصنائع وكل المهن هي بهذا المستوى, واجبات كفائية, فلو خلت بلدة من البلدان من وجود المزارعين وجب على والي الأمر أن يجبر الناس, وأن يوجد المزارعين, وإذا لم يكن لهم أموال يجب على ولي الأمر أن يعطيهم من الأموال ما يوجد به المزارعين, لأنه غرض كفائي من أغراض الحياة, وكذلك وجود الفقيه الجامع لشرائط الفتيا في كل قطر هو واجب كفائي, إذا قام بعض الناس وذهب إلى الدراسة ولتحصيل هذا العلم سقط عن الباقين الوجوب, وإذا أهمله الجميع كلهم فإنهم يأثمون ويقعون تحت المسؤولية؛ لأنهم أهملوا ما يحتاجون إليه في حياتهم وخصوصاً من الناحية الدينية, ولأجل ذلك تكون مساعدة أهل العلم أفضل بكثير من مساعدة سائر المحتاجين, لأن أهل العلم في الواقع يريحون الناس من تحمل مسؤولية كبيرة والوقوع تحت مأثم, فالناس بطبيعة الحال لا يتمكنون كلهم من النفور إلى طلب العلم, ولذلك قال الله تعالى:     ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً[[2], أي لا يستطيع جميع المسلمين أن ينفروا كلهم لتحصيل العلم, لأنه لو أن الجميع انشغلوا بتحصيل العلم فمن يقوم ببقية الصناعات؟ ومن يقوم بإرساء قواعد المجتمع؟ لا يمكن هذا, فلا بد أن تنفر طائفة من كل فرقة, ]مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ[[3], وهذه الطائفة التي تنفر إلى طلب العلم ترفع عن كاهل البقية مسؤولية عظيمة, ومعظم الذين ينفرون إلى طلب العلم لا يملكون شيئا, أي لا يملكون دخلاً محدداً أو عقاراً أو غير ذلك, فلا بد من مساعدتهم, ومساعدتهم أفضل من مساعدة غيرهم من سائر أصناف المحتاجين, وخصوصاً إذا انضم إلى هذا العنوان الثاني عنوان ثالث وهو أن يكون طالب العلم من أولاد النبي صلى الله عليه وآله, فإن هذا أيضاً عنوان ثالث, فلا ينبغي أن يوجد إنسان ينتسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله – هذا الرسول الذي أنقذنا من غواية الجهل إلى نور الإيمان, هذا الرسول الذي ضحى من أجل أن نكون مسلمين, تحمل الأذى طيلة حياته, وتحمل الأذى في أهل بيته الأدنين, يعني لا تجد إنساناً نص عليه الرسول صلى الله عليه وآله إلا ولقي الأذى, وطبعاً أذى هذا الرجل يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله, مثل هذا الرجل ينبغي أن لا نترك إنساناً من ذريته يحتاج, أي نراه يعيش محتاجاً ثم لا نساعده, وقد نص الله تعالى في القرآن المجيد بوجوب موالاة أهل بيته, ووجوب محبتهم وغير ذلك, يعني فرض له حقوقاً كثيرة, فقال سبحانه: ]قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[[4], وجعل نصف الخمس الواجب على المسلمين إخراجه هو للضعفاء من أهل بيته عليهم السلام يعني إلى المنتسبين إليه في الذرية, فإذا كان الرجل هو من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وطالب علم, فهذا مساعدته أولى بكثير من مساعدة سائر المحتاجين والفقراء, وعندكم هذه الليلة رجل شعاره شعار أنه من أولاد الرسول صلى الله عليه وآله, وشعاره الثاني الذي يظهر منه أنه من طلبة العلم, ويقول إنه من سكنة قم وطلبتها, وجاء إلى البحرين لأنه في حاجة, وخرج يلتمس المعونة في أقطار الشيعة, والرجاء أن تساعدوه, فساعدوه في ذلك.

نرجع إلى ما كنا فيه من تفصيل مناصب الفقيه, وقد قلنا إن المنصب الثاني من مناصب الفقيه هو رجوع الناس إليه, ولكن يشترط أن يكون هذا الفقيه الذي يرجع الناس إليه بعد حصوله على ملكة القدرة على استنباط الأحكام الشرعية, أن يكون عادلاً, يعني أن يكون حائزاً على العدالة, والعدالة ظاهر من لفظها أنها مأخوذة من الاعتدال, تقول رجل عدل أي معتدل الطريقة, معتدل السلوك, بخلاف الاعوجاج, فالعدل مقابل الأعوج, والعدالة مقابلة للاعوجاج, ولا نعرف عدالة الرجل إلا بمطابقة صورته للأوامر الشرعية والنواهي الشرعية, والأوامر الشرعية والنواهي الشرعية أكثر من أن تحصى أو أن تقدر, ولكن بعبارة أكثر اختصارا أو أقصر أن العدالة الشرعية هي عدم ترك الواجب وعدم ارتكاب المحرمات الكبائر, وعدم ترك المستحب أو المكروه استهانة به, قد يترك الإنسان المستحب وقد يرتكب الإنسان المكروه, ولكن إذا لم يكن استهانة بذلك المستحب أو استهانة بذلك المكروه فمجرد تركه لا يقدح في العدالة, وإنما يقدح في العدالة أن يتركه مستهيناً به, فهذا مخل بالعدالة, وأما إذا تركه من دون أن يستهين به فهو لا يقدح في العدالة, وعليه فإن أهم ركن في العدالة هو أن لا يترك الواجب ولا يرتكب المحرم الذي هو كبيرة, والمحرمات كثيرة والكبائر منها هي التي نص عليها القرآن الكريم, فكل محرم نص عليه القرآن الكريم فهو كبيرة من الكبائر, وكل أمر ورد تحريمه من السنة بالتواتر لا بطرق الآحاد وإنما بالتواتر فهو أيضاً من الكبائر, والكبائر التي نص عليها القرآن الكريم تكاد تبلغ السبعين محرّماً, أهمها سبعة وهي: الشرك بالله, وأكل مال اليتيم, وقذف المحصنة, والكذب على الله وعلى الرسول, والتعرب بعد الهجرة, والزنا, واللواط, وشرب الخمر, هذه هي أهم الكبائر التي نص عليها القرآن الكريم, وإن كانت الكبائر المنصوصة في القرآن تبلغ السبعين أو تزيد, ولكن الأهم هي هذه السبع, وأهم الكبائر بطبيعة الحال ترك  الصلاة أو ترك الزكاة أو غير ذلك, ولكن مثل هذا لا يحصل إلى الفقيه حتى نعدده من عيوبه, وأهم ما يخاف من الفقيه هو الإفتاء من دون علم, أن يفتي من دون علم, لأنه إذا أفتى بدون علم فإنه قد يحل ما حرم الله وقد يحرم ما أحل الله,وقد ذم الله  ذلك فقال سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباًَ[ وقال إنني أعلم هو لا يعلم وقال سبحانه وتعالى: ]وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ[[5]، فالفقيه إذا كان عادلاً بعد كونه فقيهاً جاز الرجوع إليه, ولكن بشرط أيضاً وهو أن لا يوجد في الفقهاء من هو أعلم منه, ولكن إذا كان يعلم أن فلانا أعلم منه فلا يجوز له أن يقدم نفسه للتقليد أمام الناس, بل عليه أن يسكت وأن يصبر حتى يأتي دوره, فإذا انحصرت الأعلمية فيه يقدم نفسه, وإذا لم يكن هو الأعلم لا يجوز له أن يقدم نفسه للتقليد, لأن قاعدة الشيعة الإمامية في العقائد أنه لا يجوز تقديم المفضول مع وجود الأفضل, ففي كل علم إذا وجد إنسان أمكن في العمل من إنسان لا يجوز تأخير صاحب الحق وتقديم غيره, بل إن الأعلم مقدم على أي حال, فإذا اجتمعت هذه الشروط جاز للناس أن يقلدوه, وهناك شرط مُخْتَلَفٌ فيه في التقليد, وهو هل يشترط الحياة في مرجع التقليد؟ أو لا يشترط الحياة في مرجع التقليد؟ هذا الشرط منذ أن ذكر في الرسائل العملية إلى اليوم وهو محل خلاف ومحل أخذ ومحل رد بين العلماء, وعلى أي حال ما نجده من الأحاديث في كتب الأحاديث لا تذكر شيئاً فيه صراحةً يدل على الحياة, بل إن كثيراً من الأحاديث جاء إن لم يكن صريحاً فضمناً بإقرار تقليد قوم قد ماتوا, ومن ذلك أن الصادق عليه السلام قال لرجل: "بلغت سبعين سنة وأنت لا تعرف أن تصلي لله ركعتين, فقال الرجل: كيف لا أعرف يا ابن رسول الله أن أصلي ركعتين وأنا أعمل بكتاب حريز ؟ و حريز في أيام الصادق عليه السلام كان متوفىً, يعني ليس من الأحياء, ومع ذلك لم يقل له الإمام لماذا تعمل بكتاب حريز وقد مات, وإنما قال له لا عليك قم فصل ركعتين, يعني لم يناقشه في تقليده لحريز مع أن حريزاً كان من الأموات في أيام الإمام الصادق عليه السلام, ومما يدل أيضاً صراحةً قول الصادق عليه السلام: "يقال للفقيه يوم القيامة قم حتى تشفع في من تعلم منك, فيقوم فيشفع في فئام وفئام وفئام أوصله الإمام عليه السلام حتى عشرة أجيال, ثم قال: وهم الذين تعلموا منه والذين تعلموا ممن تعلم منه وهكذا إلى عشرة أجيال, فقال له أحدهم ولو علم الناس إلى يوم القيامة؟ قال: نعم ولو علم الناس إلى يوم القيامة كان له أجر من تعلم عنه, وقوله عليه السلام: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة, ومن سن سنة سيئة أو بدعة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ولو كان تقليد من توفي لا يجوز لما كان له ثواب من عمل بتلك السنة أو وزر من عمل بتلك البدعة, لأن حصوله الأجر من العاملين بقوله المفروض قد انقطع في الحياة, على أي حال هذه مسألة لا يزال الأخذ والرد والنقاش والإبرام, قائما فيها إلى اليوم لم ينته بين العلماء, والمجمع عليه هي هذه الثلاثة في مرجع التقليد, أن يكون رجلاً بالغاً إمامياً عادلاً, قادرا على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية, وأن لا يكون هناك من هو أعلم منه, فإذا وجد من هو أعلم منه صار التقليد للأعلم وليس له, أي لا يجوز له أن يقدم نفسه للتقليد مع وجود من هو أعلم منه, لو لم أعرف الأعلم ولا أدري أيهم؛ أهذا هو الأعلم أو هذا الأعلم أو هذا الأعلم, ولا أتمكن من البحث, فأصحاب الفضيلة والعلماء الذين هم لم يعرضوا أنفسهم للتقليد, كل جماعة تقول فلان أعلم وهذه الجماعة تقول فلان أعلم, فإذا كنت لا أعلم أكون بالخيار, بفتوى أي من العلماء أخذت فقه ديني , وأنا لا أعلم من هو الأعلم, فإذا قلت لا أعلم من هو الأعلم فأكون بالخيار, بفتوى أي عالم إمامي عادل بالغ رتبة الفقاهة أخذت فقه ديني, وكذلك إذا اختلف الفقيهان وأنا لا أعلم الأعلم منهما, فيجب الرجوع في المسائل الخلافية إلى الأعلم, فإذا لم أعرف الأعلم فأنا بالخيار, عملت بقول هذا أو بقول هذا, فهذه أهم ما يشترط في مرجع التقليد, بقي هل أن من يعمل بدون تقليد وهو من العوام, هل أن عمله باطل؟ أو ليس عمله بباطل؟ هذه أيضاً مسألة تثار, وسنتكلم عليها في ليلة أخرى إنشاء الله ....

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

 

*  محاضرة في السبعينات من القرن العشرين

[1]  التوبة:122

[2]  التوبة:122

[3]  التوبة:122

[4]  الشورى:23

[5]  النحل:116

آخر تعديل في الإثنين, 29 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.