almuhadhrat

الحق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

نتكلم هذه الليلة عن معنى كلمة الحق, ففي هذه الأيام يكثر الحديث عن الحق, وتتردد هذه اللفظة على كل شفة ولسان. فما هو  معنى لفظة الحق؟

لهذه اللفظة عدة إطلاقات, وقد يصعب إيجاد الجامع بينها، فالحق اسم من أسمائه تعالى، ففي القرآن الكريم وصف الله نفسه أو سمى الله نفسه بأنه الحق: ]وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ[[1].

والحق عند علماء الكلام والفلسفة يطلق على الموجود الثابت العين، فهو يساوق معنى الوجود أو معنى الموجود ولكن بشرط أن يكون ثابتا غير قابل للتغير أو التبدل, والحق يطلق بمعنى الصحيح في مقابل الباطل بمعنى الخطأ؛ فيقال فلان على حق أو فلان محق وفلان مبطل، فلان محق في دعواه؛ وفلان مبطل في دعواه، فيكون الحق في هذا الإطلاق ضد الباطل وهذا في الحقيقة يرجع إلى المعنى الأول أي الوجود في مقابل العدم؛ لأن العدم هو الباطل والوجود هو الحق.

ويطلق الحق على الأمور والاعتقادات الشرعية؛ فنقول إن الموت حق، وإن البعث حق، والنبوة حق، والإمامة حق إلى غير ذلك. فهذا أيضا إطلاق من إطلاقات لفظ الحق فيطلق عليه, والمقصود بإطلاق لفظ [حق] هو بأنه من شريعة الإسلام عندما نقول الكفن حق فإنما نقصد أنه أمر واقع من شريعة الإسلام وأن الله سبحانه وتعالى أنزله على نبيه, ويطلق الحق أيضا على معان أخرى لا نريد أن نطيل المقام في الكلام عليها وتعدادها.

ومن الأمور التي يطلق عليها لفظ الحق هو الحق بالمعنى المتشرع كما هو عند الفقهاء والقانونيين والأصوليين, وهذا المعنى أيضا له معان مختلفة، فالمال يسمى مالا في لغة الاقتصاد؛ تقول البيت مال والدينار مال والبقرة مال وغير ذلك ولكن عندما تقع هذه الأشياء موضوعاً للتحاكم والقضاء تسمى حقوقا وتسمى حقا, فعندما يبيع زيد بيته على عمرو بألف دينار مثلا أو أكثر يكون البيت حقا للمشتري ويكون الثمن حقا للبائع.

فالحق إذن أطلق على ما يصح عند العقلاء التمول به؛ يعني ما اعتبر العقلاء أن له قيمة يصح أن يتداعى عليه الناس ويتشاجر يسمى حقا، والقيمة طبعا تارة تكون قيمة استهلاكية وتارة تكون قيمة عينية, فالقيمة الاستهلاكية هي هذه الحاجة أو هذا الشيء يسد  حاجة لزيد, فاللحم مثلا له قيمتان، قيمة استهلاكية وأنه يسد جوعا, وقيمة عينية وهو أن الكيلو من لحم الغنم يساوي نصف كيلو من سمك الصافي، فإذن له مقابل عيني آخر أيضا, وتسمى قيمة، وتعادل القيم دائما بالنقد، وأي بلد يكون فيه تقدر قيمة اللحم أو السمك أو الرز أو السكر لسهولة المعاملات بالنقد بدلا من مقايضتها مع بعضها البعض, ويكون النقد هو الدينار أو الدرهم أو الجنيه أو غير ذلك. هذه القيمة هي التي سببت أن يتنافس العقلاء في هذه الأشياء ويعتبروا أن لها قيمة، وأن لها مالية, لأنها تسد حاجة ما عند الإنسان. فلابد إذن أن يعترف الشارع أيضا بأن لها قيمة استهلاكية فعلا, وأن يعترف بتلك القيمة الاستهلاكية حتى يصح أن تكون لها قيمة مالية، فالشارع مثلا أهدر قيمة الخمر الاستهلاكية بمنعه من استعماله وشربه وغير ذلك؛ فلم تبق له قيمة مادية نظرا لأنه لا يسد حاجة عند المسلمين, فلو أن مسلما أراق خمرا لمسلم لا يستطيع ذلك المسلم أن يقول إنه أتلف حقي أو ذهب بحقي ويقاضيه ويطلب مقابله ثمنا أو خمرا إلا في حالة واحدة هو أن يكون ذلك المسلم ممن يعمل في صناعة الخل ويحتاج إلى تخمير الرطب أو تخمير العنب لتحويله خلا؛ ففي هذه الحالة لو أحرق المسلم مصنع ذلك المسلم وأتلف الخمر الذي فيه فعندئذ له أن يطالبه بالتعويض والغرامة وإيقاع العقوبة عليه؛ لأنه أتلف عليه ما يعتبر مالا عند الشرع وعند العقلاء. فإذن لابد أن يكون هناك اعتبار من الشرع واعتبار من العقلاء بالمالية حتى يسمى ذلك الموضوع حقا في مقام القضاء.

وهناك إطلاق آخر أيضا عند الفقهاء والمشترعين والأصوليين في معنى الحق وهو الالتزامات المتبادلة بين الناس، نقول للولد حقوق على والده, وللوالد حقوق على ولده، وللبائع حق على المشتري، وللمشتري حق على البائع، والعامل له حق على صاحب العمل, وصاحب العمل له حق على العامل, هذه الحقوق المتبادلة بين الناس لابد أن يكون لها مصدران، مصدر عقلائي ومصدر شرعي, و لو فقدت أحد المصدرين لا يمكن اعتبارها حقا, فالعقد الذي يجري مثلا بين المؤجر والمستأجر ينشأ عنه التزام على كاهل المؤجر, و يستطيع المستأجر أن يقاضيه عليه ويلزمه بالوفاء به, ويقول أمام القاضي إنه أذهب حقي, ذلك أن على المؤجر أن يخلي بين المستأجر والعين المؤجرة ليستوفي منافعها مدة عقد الإيجار، وكذلك للمؤجر حق على كاهل المستأجر وهو دفع الأجرة من جهة, والمحافظة على العين المؤجرة من جهة أخرى, ويستطيع أيضا المستأجر أن يقاضيه ويقول أذهب حقي, ويطالب بالوفاء به. فهذا هو المصدر العقلائي.

ولابد أيضا أن يكون هناك مصدر شرعي يقر هذا البناء العقلائي ويعترف به حتى يكون العقد مؤثرا في المعقود عليه, فتنشأ الالتزامات والحقوق المتبادلة منه, فلو كان المؤجر أجّره الدكان ليفتحه خمارة ثم لم يسلمه البيت فإنه لا يستطيع أن يقيم الدعوى ويطالبه بالوفاء بالعقد ويقول أنك قد أذهبت حقي، وذلك لأن هذا العقد وإن كان في البناء العقلائي منتجاً للالتزامات المتبادلة ولكنه فاقد للاعتراف الشرعي, فإذا فقد الاعتراف الشرعي ينتفي من أصله، وطبعا العدم لا ينتج منه إلا العدم, يعني ليس هناك عقد مطلقا, لا أنه يوجد هناك عقد فاسد, فلا فرق بين العقد الباطل والعقد الفاسد في الفقه الجعفري وإن كان هناك فرق بينهما في الفقه الحنفي, ولكن لم يتضح لنا لحد الآن الفرق بينهما حتى في الفقه الحنفي. كذلك عقد العمل؛ فلو أجر نفسه أن يعمل عند زيد إما بالقطعة وإما بالمدة من الزمان, فأجر نفسه أن يسقي له عشرين (شربا) أو أجّر نفسه أن يسقي له زراعته لمدة شهر, فإن كلا العقدين صحيح, يعني يصح للإنسان أن يؤجر نفسه في العمل بالقطعة أو بالمدة من الزمان، و تنشأ التزامات على كاهل صاحب العمل والعامل, ويلزم كلاً منهما أن يفي للآخر بالالتزام الذي في ذمته له، هذا الالتزام بالنسبة للطرف الآخر أيضا يسمى حقا، فهذا أيضا حق.

طبعا هذه كلها نسميها بالحق الخاص لأنها تنشأ بين الأفراد ولا تنشأ في المجتمع ككل, فهناك نوع من الحقوق أوسع  من هذه الحقوق لا تكون بين زيد وبكر, أو بين عمرو وبين خالد, ليست حقوقاً والتزامات تنشأ بين الأفراد، فهناك حقوق عامة، وعندما يكون الإنسان فردا من جماعة تنشأ على كاهله التزامات للجماعة, وتكون له حقوق على تلك الجماعة, وهذا واضح جدا من إعلان الرسول صلى الله عليه وآله بأنه من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله كان له ما لنا وعليه ما علينا.

كيف نشأت الحقوق العامة؟ وكيف وجدت؟ وهل يمكن أن تكون الحقوق العامة بين كل الأمم واحدة؟ أو أن الحقوق العامة تختلف من أمة إلى أمة؟ لابد من الجواب عن هذين السؤالين.

طبعا في أوروبا يختلفون في تفسير الحقوق وتحديد ما هي الحقوق العامة. وهناك نظريات مختلفة في هذا المجال، فهناك مثلا نظرية الحقوق الطبيعية, وهي أن الطبيعة بذاتها أعطت الإنسان حقوقا؛ فحق التنفس حق طبيعي لكل إنسان لا يجوز للآخرين أن يعتدوا عليه وأن يسدوا أنفه ويمنعوه من التنفس، وحق الحياة، وحق الشرب، وحق الأكل، وحق الزواج، وحق العمل وغيرها من الحقوق . وكلها تفسر على أساس أنها حقوق طبيعية وأن الإنسان يولد حائزاً على هذه الحقوق من الطبيعة نفسها, وإن كان أصحاب هذه النظرية يختلفون فيما بينهم في مدى سعة هذه الحقوق ومدى ضيقها. و لا إشكال في أن الإنسان يولد مزوداً بحق التنفس وحق النظر وحق السمع وحق الكلام وحق الأكل والشرب؛ ولكن إلى أي حد له الحق في النظر مثلا؟ فهل له الحق في النظر إلى كل شيء حتى ما في بيوت الناس؟  وإلى أي حد له حق الأكل والشرب؟ هل له الحق أن يأكل كل شيء؟ ثم إن هناك أموراً تسمى حقوقاً لا يولد الإنسان مسلحا بها مثل المشاركة في إدارة المجتمع، فإن الإنسان لا يولد مسلحا بهذا الحق.

ونظرية الحقوق الطبيعية تعجز عن تفسير جميع الحقوق التي تتوافر في المجتمع لأفراده.

بعضهم يقول قول آخر وهو أن مصدر الحقوق العامة هو عقد اجتماعي, فكأن المجتمع إنما نشأ وإنما كان على أساس تعاقد بين أفراده، أن أتنازل عن جزء من حرياتي مقابل أن أحصل على أمور أخرى, وبطبيعة الحال فإن أصحاب هذه النظرية يرون أن كل الحقوق سواء الحقوق العامة أو الحقوق الخاصة ليس لها إلا مصدر واحد هو العقد، فتارة يكون العقد فردياً مثل عقد البيع وعقد الهبة وعقد الزواج وغيره, وتارة يكون العقد الاجتماعي, وكما أن الحقوق الخاصة تنشأ من العقود الفردية فالحقوق العامة تنشأ من العقد الاجتماعي.

وهذه النظرية أيضا تعجز عن تفسير كثير من الحقوق حتى الفردية, ومثال ذلك وجوب نفقة الأبناء على الآباء، فمتى تعاقد الابن مع أبيه حتى نشأ له هذا الحق؟ فإذن مصدر إنفاق الآباء على الأبناء وإلزامهم بالإنفاق عليهم لا يمكن تفسيره بنظرية العقد. كذلك في الحقوق العامة, فالإنسان يولد في هذا المجتمع لا يشعر أنه تعاقد مع هذا المجتمع, ولو أراد أن يترك هذا المجتمع ليعيش في غابة منفردا أو يضع له خيمة في إحدى الصحارى ليعيش فيها منفردا ما عارضه أحد ولم يقل له أحد أنك تعاقدت معنا وعليك أن تلتزم لنا بما تعاقدت, ولا أظن أن هناك مجتمعا يحجر على الأفراد أن يتركوه إلى مجتمع آخر، أو أن يعيشوا في الغابات، أو على رؤوس الجبال أو في الصحارى. فالعقد الاجتماعي لا تفسره الحياة الواقعية الموجودة, ولم تذكر كتب التاريخ أنه حصل في يوم من الأيام, اللهم إلا أن يكون ما تفرضه الحياة يسمى عقدا؛ ولكن هذا لا توجد فيه حرية اختيار, والتعاقد يحتاج إلى حرية الإرادة، وما لم تكن الإرادة حرة في الإبرام والرفض فلا يصح أن تسمى العملية عملية تعاقد؛ فلو أراد إنسان أن يأتي إلى أي قرية من قرى البحرين مثلا ويتخذ له صديقة وخدينة فهل يستطيع أن يعيش؟ لا. لا يستطيع أن يعيش، ولكن لو جاء واتخذ له زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة فهل يتكلم له أحد؟ هل يعارضه أحد؟ لا يعارضه أحد. ولو ذهب إنسان إلى أي قرية من قرى بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أو في أوروبا وأراد أن يتخذ له زوجة ثانية ربما يرجمه الجيران بالأحجار, ولكن لو قال فلانة صديقتي أو خدينتي لم يفعلوا شيئا.

فإذن لا يوجد هناك إرادة في اختيار الشيء أو رفضه حتى يسمى عقدا، فالمجتمع يتبانى على مواضعات معينة يفرضها على كل من يعيش في ذلك المجتمع سواء كان من أبنائه الأصليين أو من الطارئين عليه الذين اختاروا العيش في وسطه. فقضية العقد الاجتماعي مشكوك في أصله, إضافة إلى أنه لا يمكن أن يفسر كل ما يدعيه الإنسان من الحقوق.

فبالنسبة للمجتمعات الإسلامية الحقوق العامة ليس لها إلا مصدر واحد؛ هذا المصدر هو الشريعة ذاتها, بل كثير من الحقوق الفردية ليس لها إلا الشريعة مصدر، فوجوب إنفاق الأبناء على آبائهم ليس له مصدر إلا الشريعة الإسلامية، وكذلك الحقوق العامة ليس لها مصدر إلا الشريعة الإسلامية.

في أوروبا وعند قيام الثورة الفرنسية صدرت وثيقة تحدد الحقوق العامة, وهذه الوثيقة صدرت من طبيعة الحياة التي أفرزتها أو من طبيعة الظروف التي أفرزتها الحياة في الإمبراطورية, وأفرزتها أيضا النهضة الصناعية في أوروبا حيث وجدت طبقات جديدة، ووجدت أفكار جديدة، ووجدت فلسفات جديدة, بعضها إلحادية، وبعضها ليست إلحادية, وحصل هناك صراع وتصادم بين الفئات التي اعتبرت نفسها مهضومة, وبين الفئات التي اعتبرت أن الآخرين إنما يريدون أن يسلبوها ما تمكنت من تحقيقه بنشاطها وبفعلها وبكفاءتها. وعندما حصلت الثورة اجتمع فلاسفة الثورة وفي حالة غليان صدرت وثيقة تحدد الحقوق العامة في المجتمع الفرنسي. وكذلك في كثير من المجتمعات الغربية.

وظهرت فكرة الديمقراطية كحل بديل للتصارع بين الفئات المختلفة. وحسب تعبير الإنجليز: [الورقة بدل الرصاصة] ولكن حددت هذه الحقوق العامة في ثلاثة حقوق وهي حرية العمل، حرية القول، حرية الفكر. وهذه هي الحقوق العامة التي حددت في ذلك الوقت, وعلى أساس منها قام المجتمع الأوروبي الحديث.

بالنسبة للمسلمين كما قلنا فإن الحقوق سواء العامة أو الفردية يجب أن تحددها الشريعة الإسلامية، والنمط الحياتي الذي يجب أن يسود بين المسلمين يجب أن يكون مؤطرا بمعطيات الشريعة الإسلامية. لأننا لابد أن نوجد لنا المصدر الذي نعتمد عليه في تحديد الحقوق وأن لا يبقى هناك خلاف ونزاع فيما هو حق وما هو ليس بحق، وعندما يبقى الجدل قائما من دون وجود مصدر فإن الخلاف لا يمكن أن يحسم وإنما يبقى فقط تصارع وتغالب. ومن يغلب يفرض رأيه ويفرض ما يذهب إليه لأنه لم يوجد هناك ميزان، لم يوجد هناك فيصل يقضي بالحق بين المتنازعين، في أوروبا مثلا سواء في الشرق أو في الغرب إذ إنه لا يوجد فيصل يقضي بين المتنازعين فالمعارك تحسم دائما بالقوة، وحتى في أحسن البلاد ديمقراطية عندهم تجد أن الغلبة دائما لطرف دون طرف، سمه الأكثرية إن شئت، لأننا لو جئنا إلى الديمقراطية لوجدنا أن كل ما فعلته هو أنها لطّفت الصراع، لطّفت وسائل الحرب فبدل استعمال الرصاص، وبدل استعمال السيوف، وبدل استعمال الخناجر، استعملت الورقة, ولكنها معركة على أي حال، حرب على أي حال. ولو سئلوا بأي حق يجب أن تخضع الأقلية للأكثرية، لما وجدوا سببا مقبولاً، ولا يوجد إلا قوة الأكثرية وهيبتها. فإذا رجعت إلى الشرق فإنك تجد المعارك، والانشقاقات، والانقلابات العسكرية هي الفيصل في حسم المواقف وحسم الأمور.

إذن لا يوجد هناك فيصل لحسم الخلاف بحق، لا يوجد فيصل محايد، هل نريد لأنفسنا نحن أيضا أن نعيش حياة لا ينتهي منها التصارع، ولا ينتهي منها التغالب فننادي بنظريات جربت عند غيرنا ولم تصلح أن تكون فيصلا في الموضوع، لا أظن أننا نريد ذلك، فإذن ما هو الفيصل؟ كيف أستطيع أن أقول إن هذا حق أو أن هذا حقي؟ وكيف يستطيع غيري أن يقول لا؛ هذا ليس حقك؟ من الذي يحكم بيننا؟

سوف نبقى في خلاف دائم لا ينتهي إلا بأن نرجع إلى الأصل الحقيقي الذي انبنى عليه مجتمعنا، الأصل الحقيقي الذي انبنت عليه مجتمعاتنا هو الشريعة الإسلامية. فكلما تنازع الناس في شيء حتى يصل إلى حل لنزاعهم، حتى يلجئوا إلى فيصل يفصل الخلاف بينهم, يجب عليهم الرجوع إلى الشريعة الإسلامية، فما تذكره الشريعة الإسلامية أنه حق يكون حقا, ومن منع صاحبه من استعماله يكون بموجب الشريعة الإسلامية ظالما, وأما إذا لم يكن هذا الشيء أو هذه الممارسة مقررة في الشريعة الإسلامية فمن يصر على ممارستها أو يطالب بها وهي غير مقررة في الشريعة الإسلامية يعتبر مبطلا, وإذا أصر على ممارستها مفتريا على غيره عد ظالما، فإذن الفيصل الحقيقي فيما يصح للإنسان أن يعتبره حقا وما لا يصح له أن يعتبره حقا هو أن يكون مقررا في الشريعة أو غير مقرر، وأحسن كتاب تعرض للحقوق عامها وخاصها منذ بداية الإسلام إلى اليوم هو كتاب الإمام زين العابدين عليه السلام في الحقوق, وأنا أنصح الشباب والمثقفين بقراءته ودراسته والتمعن فيه مع ملاحظة ما ذكره الفقهاء في كل باب من الأبواب التي تعرض إليها الإمام عليه السلام. ينبغي أن يرجع الإنسان إلى ما ذكره الفقهاء في كتبهم عن هذا الموضوع الذي يذكره الإمام حتى يتجلى له حقيقة ما يقصده الإمام صلوات الله وسلامه عليه وحتى يعرف ما هو الحق وما هو الباطل في قضية الحقوق العامة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤال: هل يمكن اعتبار الإنسانية حقا من الحقوق العامة وذلك بأن أعتبر غيري من غير المسلمين أخا لي؟

جواب: الإنسانية لها وشائج رحم, ويقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في عهده لمالك الأشتر رضوان الله عليه: "واعلم أن الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" ولم يجعل الناس إخوة كلهم، نعم لو لم يغيروا ولو لم يبدلوا عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها لكانوا كلهم إخوة فجميعهم يعودون إلى أب واحد وأم واحدة، الإنسانية تفرض بعض الأشياء على الإنسان؛ و مثال ذلك، لو مر المسلم على وثني أو على ملحد يكاد أن يحترق بالنار ينقذه، ولو مر المسلم على وثني أو على ملحد يكاد أن يموت من العطش يبل عطشه، وليس له عليه أكثر من هذا، وهذا ما يقتضيه التناظر في الخلق, أن يساعده على البقاء حيا. وأما أن تكون له الحقوق التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وآله "يكون له ما لنا وعليه ما علينا" وهو لا يشهد الشهادتين ولا يلتزم بمقتضياتهما فلا، نعم كل من شهد الشهادتين واستقبل هذه القبلة ولم يتجاهر بترك ما فرض الله سبحانه وتعالى فله ما لنا وعليه ما علينا. أما إذا لم يؤمن بالله سبحانه وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فليس له ما لنا وليس عليه ما علينا, كل ما هناك باعتباره نظير في الخلق له علينا إذا ما تعرضت حياته لكارثة من حريق أو غرق أو ظمأ أن نساعده على بقاء حياته, وليس له أكثر من هذا.

سؤال: هل الديمقراطية حق في الإسلام؟

جواب: الإسلام لا يعرف الديمقراطية، الديمقراطية نظام كما ذكرنا سابقا نشأ ووجد في أوروبا كإفراز للصراع الدائر بين فئاتها وشرائح سكانها, وهو يعتمد على معطيات معينة ويقر بحكم الأكثرية على الأقلية، هو لم ينف الصراع بين أبناء المجتمع، وهو لم يحل الخلاف بين أبناء المجتمع، وهو لا يقول هذا حق وهذا باطل، فربما أكون على باطل ولكن الغالبية معي، وربما تكون على حق لكنك أقلية، كل ما هناك أنه بدل وسائل المحاربة، ووسائل الصراع من السيف والرمح والرصاص والمدفع إلى الورقة والاقتراع, لكنه لم يأت بشيء يفصل به بين المحق والمبطل. الحسنة الوحيدة التي في الديمقراطية هي أنها تمنع الأكثرية أو المختلفين أن يرهب كل منهما الآخر في الدعوة لرأيه، يعني أنا أستطيع أن أدعو لرأيي  بحرية مع بقاء شخصيتي محترمة لا تهان, ولا أتعرض لا أنا ولا ممتلكاتي ولا أبنائي ولا من يقول برأيي إلى الخطر, وأنت أيضا تستطيع ذلك. ليس للديمقراطية حسنة أكثر من ذلك، هل رفعت الظلم؟ لا، لم ترفع الظلم، هل حققت العدل؟ لا، لم تحقق العدل، هل صلحت أن تكون فيصلا بين المحق والمبطل؟ لا،  كل ما هناك صار القوي بدل أن يحارب الضعيف بالسلاح ويقضي على حياته, يحاربه بالورق, ونتيجة الغلبة يكون هو الفائز.

الإسلام ليست هذه طريقته, وليست هذه طبيعته, وهو لا يعرف هذه التي تسمى بالديمقراطية, ولم تنتج عن تشريعاته ولا عن وحيه.

يقول الشاعر:

 الحق ما اجتمع السواد عليه

 قاعدة يتخذها الكثير من الناس، من أين جاءت هذه القاعدة؟ من كتاب الله؟ أو من سنة رسوله صلى الله عليه وآله؟ أو من أقوال المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم؟ وهذه القاعدة لو صحت لكان مذهب الشيعة باطلاً فإن السواد أجمعوا على خلافة أبي بكر لا على خلافة علي. ومن أراد أن يتذرع بها من الشيعة فبارك الله له في إيمانه بنص الرسول في أمير المؤمنين عليه السلام.

سؤال: إذا لم يكن هناك عقد اجتماعي منصوص بين أفراد الشعب بعضهم لبعض أو بينهم والحكومة تحدد الحقوق فماذا تعتبر المبايعات التي كانت تأخذها الحكومات مثل بني أمية على الشعب؟

جواب: هذا السائل في الحقيقة خلط في سؤاله خلطا عجيبا، أولا أن أصحاب نظرية العقد الاجتماعي يتكلمون عن نشوء المجتمع وتكونه وترتب الحقوق فيه بين أفراده وجماعته سواء منهم الحاكم والمحكوم أو غير ذلك، الشيء الثاني أن البيعة لم يكن بنو أمية يأخذون بها، ولم يكن بنو العباس يأخذون البيعة؛ لأن بني أمية وبني العباس ألغوا نظام الخلافة وحولوا الحكم من نظام الخلافة إلى نظام الملك العضوض. فعندما مات معاوية كان قد ألزم الناس بابنه يزيد، وعندما مات يزيد بايع بنو أمية -وليس المسلمين- ابنه معاوية. إلا أنه أعلن لهم أن هذا ليس من حقه ولا من حق أبيه وجده واعتزل الموضوع, فاختار بنو أمية مروان بن الحكم ليكون خليفة، وبقى لفظ خليفة يطلق بدلاً من لفظ الملك لأن الأمة أيضا لا تتحمل مثل هذا اللفظ في تلك الفترة الزمنية، وأصبح مصطلحا أن يطلق على ملوك بني أمية وملوك بني العباس لفظ الخلافة, وما كان الشعب بأسره يُدعى إلى البيعة بعد معاوية مطلقا.

والبيعة التي تسمع بها هناك بيعتان وليست بيعة واحدة، والنبي صلى الله عليه وآله أخذ لنفسه بيعتين, بيعة تسمى بيعة النساء, وبيعة تسمى بيعة الحرب، بيعة النساء لأنه صلى الله عليه وآله أخذها على الرجال والنساء؛ فسميت بيعة النساء، وهذه البيعة إنما هي على الإيمان بالله والإيمان به صلى الله عليه وآله كرسول، وأن يلتزم هذا المؤمن بأداء الواجبات الدينية والامتناع عن المحرمات الشرعية, حتى أنه جاء في بيعة النساء "وأن لا آتي بفاحشة من بين يدي ولا بين رجلي ولا كذا وكذا.. إلى أن قال ولا أزني" فهذه بيعة، بيعة النساء وهي البيعة العامة, وقد أخذت على النساء والرجال.

وهناك بيعة أخرى أخذها النبي صلى الله عليه وآله وهي التي قال عنها القرآن ]إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[[2], هي بيعة الحرب, يعني بايعوه على أن يحاربوا معه وأن يقاتلوا معه في سبيل الله, وأن يدافعوا عنه وعن أهله كما يدافعون عن أموالهم وأهليهم وأبنائهم وأزواجهم، فإذن هاتان هما البيعتان، والنبي صلى الله عليه وآله أخذ بيعة النساء لعلي يوم الغدير فأمر جميع من معه بمبايعة علي بالإمامة، كما بايعوه بالنبوة وأمر نساءه أيضا ونساء الحجاج الذين معه بمبايعة علي عليه السلام بإمرة المؤمنين؛ مع أنه في اعتقادنا أن النبوة من الله سبحانه وتعالى، وأنه يجب على الناس أن يقبلوا بالرسول الذي يبعثه الله ويقيم له المعجز، وأن الإمامة أيضا في اعتقادنا نحن الشيعة من الله سبحانه وتعالى وأنه يجب على الناس أن يؤمنوا بالإمام الذي ينصبه الرسول صلى الله عليه وآله لهم بأمر من الله.فالبيعة هذه إنما هي للموالاة والطاعة وليست لتحديد الحقوق والواجبات على رسول الله صلى الله عليه وآله أو على أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

وأين السائل من قوله سبحانه وتعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[[3], فإذن ليست هذه البيعة التي تذكرها كما في الديمقراطية التي لا يعي كثير من الناس مفاسدها ويظن أنها خير نظام أخرجت لأهل الأرض حتى أنه يفضلها على النظام الإسلامي الشرعي ويطالب بها، هذه البيعة فقط إلزام للمبايع على الطاعة.والبيعة  التي كان يجريها ملوك بني أمية وبني العباس على جنودهم وعلى عوائلهم إنما هي للإلزام بالطاعة والولاء والإخلاص. ولا يزال الملوك والأمراء يأخذون البيعة لأنفسهم على عوائلهم ووزرائهم وأجنادهم على الولاء والطاعة والإخلاص، وأنتم تعرفون أنه في مرات كثيرة مات بعض الملوك أو حصلت انقلابات على بعض الأمراء.. .. فقد يثور ولد على أبيه فيأخذ البيعة على عائلته، لكن هل سمعتم أنه دعى الشعب لذلك أو دعاهم ليحدد الحقوق والواجبات؟

لا علاقة للبيعة التي كانت تؤخذ في الأزمان القديمة بتحديد الحقوق والواجبات، وإنما البيعة كانت تؤخذ على الطاعة والمناصحة والإخلاص والولاء.

سؤال: ما رأيك في هذه المقولة: إن في اختلاف أمتي رحمة؟

جواب: هذا حديث ولكن ليس هذا نصه، وإنما نصه "اختلاف أمتي إليّ رحمة" والمقصود باختلافهم ليس تباينهم؛ أي اختلافهم وتنازعهم، وإنما الاختلاف بمعنى المجيء والذهاب، اختلاف أمتي إلي رحمة, يعني بعضهم يأتي وبعضهم يذهب، ولذلك نقول عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [ومختلف الملائكة] أي الذين تختلف لهم الملائكة، هذا آت وهذا ذاهب، فاختلاف أمتي إلي رحمة يعني يأتون يأخذون العلم ويأخذون الأحكام ويأخذون الشريعة، وليس ما فهمته أن النبي صلى الله وعليه وآله يريد لأمته أن تتضارب وتتنازع؛ فليس هو الاختلاف الذي بمعنى التباين أو بمعنى التضارب والتنازع, لا.

سؤال: في الوقت الحاضر إذا تكلم الإنسان عن حق أو دافع عن كلمة حق يعتدى عليه، وقد يتعرض للأذى, فهل الدفاع عن كلمة الحق هنا واجب أو محرم كما جاء في فتاوى الشيخ محمد أمين زين الدين؟

جواب: لتلم بالموضوع سواء من أي جهة حصلت الأذية أرجو أن تقرأ محاضرات السنة الماضية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو تستمع إلى الأشرطة.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في 5 رمضان 1416هـ  المصادف 26/ 1/ 1996م بجامع جدحفص

[1]  النور: من الآية25

[2]  الفتح: من الآية10

[3]  الأحزاب: من الآية36

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.