كلمة الحوزات العلمية في البحرين – سماحة الشيخ حميد المبارك
حفل التأبين، يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء 6/5/2003م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، في هذه الليلة نقف لنُأبِّنَ شيخنا الذي فقدناه وسوف يَبان للأقرباء والبعداء، الفراغ الذي تركه فقدانه ورحيله لا أريد أن أطيل عليكم، ولكنني في دقائق معدودة أشير إلى أن فقدان شيخنا الجليل مصداقٌ لقول النبي صلى الله عليه وآله، في الحديث الذي رواه الفريقان: (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء)، العالم الذي يحرك الضمائر، ويحرك الحياة، ليس هو الرأس الذي يمتلك المعلومة، المعلومة في بطون الكتب أو في الرؤوس، لا تحرك الحياة، ولا تلونها، وإنما القلب النابغ بالعلم، هو الذي يموج الحياة، وهو الذي يبقي أثراً باقياً حتى بعد رحيله الجسماني، وذلك لأنه يوجد أثراً في القلوب، ويغرز زرع الحياة وزرع الحقيقة في الضمائر، العالم الذي إذا فقد ثلم في الإسلام ثلمة، هو الضمير الحي، الضمير الصادق، الكلمة الحرة، الكلمة الصادقة الجريئة، وقد يقول قائل: (لماذا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء)، ألا يسدها وجود علماء آخرين، وجود من لهم مثل الفقيد في العلم وفي العمل؟ الحديث يدل على أنه لا يسد الثلمة التي تحصل بفقدانه شيء، وذلك لأن الروح لها بصمة كما أن الجسد له بصمة، البنان له بصمة يتميز به الفرد عن غيره، كل البشر الذين خلقوا من أول المسيرة إلى يومنا هذا يتمايزون في بصماتهم الجسدية، وكذلك يقول العلماء في مقام تفسير هذا الحديث، أن كل نفس وكل روح لها بصمة ولها خصوصية تتميز بها عن بقية الأنفس، لها طلعتها الخاصة، لها لمساتها الخاصة، لها أنفاسها، لها انعكاساتها المتميزة، التي لا يمكن لأي روح ولأي نفس أن تقوم مقامه، لأنها خصوصية لهذه الروح، وخصوصية لهذه النفس، فإذا فقدت الروح الراقية، النفس العالمة، إذا فقدت الطلعة المتميزة، فإنه لن يسد مسدها شيء، لن يسد مكانها شيء، ولن يكون لها شبيه، سيكون لها عدلاء، ولكن لن يكون لها نظيرٌ يماثلها ويشابهها ويشاكلها في جميع خصوصياتها، فإذاً هو كما قال الحديث، (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء). وأعود وأؤكد وأكرر في خاتمة الكلام، أن فقدان شيخنا مصداقٌ واضحٌ وجَليٌ لهذا الحديث ونحن باسم الحوزات العلمية، وباسم أهل العلم في هذا البلد، نعزي أنفسنا أولاً، ونعزي جميع المؤمنين بهذا المصاب الجلل الكبير، ونسأل الله تبارك وتعالى، أن يَمّن على ذويه بالسير على نهجه، وأن يَمّن علينا بالتعرّف على مقاصده ومناهجه التي أراد لها أن تعرف، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.