حفلكلمة سماحة الشيخ الدكتور عيسى الخاقاني
حفل التأبين، يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء 6/5/2003م
بسم الله الرحمن الرحيم
المدني، في مسيرته الجهادية
ما كان يدور بخلدي أن أقف مؤبناً شقيقَ الروح ورفيقَ الطريق الشيخ المدني. حيث رسمنا معاً منهجاً لترديد الحياة والأفكار، والمشاعر الإسلامية في عملية تمثل الوحدة المتبادلة في عملٍ إسلامي إبداعي وتفريدٍ يرضي الله تعالى ورسوله للمضمون الموضوعي.
ما كان يدور بخلدي أن أقوم مؤبناً صديقَ العمر، لا غفلةً عن القدر المحتوم والحُكم الكُلِّي على أعيان الموجودات بأحوالها! فإن قول الرب "كل نفس ذائقة الموت" قضية طبيعية، وقَدر يُفَصِّل حكم الله بتعيين أسبابه وتخصيص إيجاده بأوقاته وأزمانه، بحسب قابليته واستعداده. فالموتُ قضاء، والقضاء إرادة الإلهِ الأزلية ونظامه المحتوم، يتعذر على الكائن أن يتخلف عن أسبابه "إنك ميت وإنهم ميتون" فهو مصير، والمصيرُ يعني الغائيّة، والغاية هي الغرض الذي من أجله وُجد الإنسان.
قال تعالى: "الذي خلق الموت... والحياة". والموت نقلةٌ إلى عالم البقاء والأبدية: " خُلِقتُم للبقاء لا للفناء".
نعم، ما كان يدور بفكري أن أقف لأذرف دمعة فراق أو أن أزفرَ حسرةَ وداع لصديق، تعايشت معه أربعين عاماً، بل تزيد، ورداء الحب يلفنا ووحدة الغاية تحدو بنا، لنكون يوماً دعاةً لدين الله، حدّاً مشتركاً نهائياً بيننا، ما يقف العقل عده، فخدمة الشرع كمالنا المقصود تحقيقه، ومصيرنا المراد بلوغه، ومن أجله تحرّكت سفينتنا ماخرةً عُباب الزّمن، قاصدةً نحو محركها الأول، فالبداية هي الغاية وهي المصلحة والحكمة التي تتحدد مع الفائدة، لتُختَمَ القصيدة بمطلعها، بحدها الأقصى، وجهتها التي يتحرّك نحوها النزوعُ، والتي تنطوي على قيمةٍ ثابتةٍ وفق القوانين الموضوعية المشتركة التي تنسّق علاقات الموجودات العاقلة.
أيها السادة
كلكم يعرف فقيدنا الغالي، لأنكم عايشتموه، فلا يليق كثيراً أن أطرِيَهُ، (فهو فوق الإطراء)، والجميع يعلم أنه، يرحمه الله، كان متغلغلاً في جوهر الظواهر للمجتمع في هذه البلاد، يسعى من أجل وحدته وتكامله ورُقيّ قوانينه الموضوعية، ويقوم بدور إيجابي، على أساسٍ نظريٍ علمي، ينظر من خلاله إلى هذا المجنمع بنظرة وحدة متماسكةٍ تسمو وفقاً للقانون وكان هذا منهجه العلمي الوحيد، وسماته الأساسية لإيجاد وحدة تلم الشمل على كتاب الله وسنة نبيه (ص).
سليمان المدني...
ويحلو لي أن أعرّيَ اسمه عن كل النّعوت التي يستحقها بما أحرزهُ من أساسيات علمية، فهو الفقيه اللائق بكل السّمات، فقد كان متميزاً بالذكاء المتوقّد، كان شديد الفطنة، سريع الفهم، جيد الحدس، قوي النّفس، حَذِقَ الإدراك للمواقف المعقدة، إذ كانت نفسُهُ الزكيةُ قادرةً على حلّ ما يعترضُها من مسائلَ نظرية أو عملية، وكان قدس سره سريع الاستدلال، جيد الحكم. إذا دهَمَته الدوافعُ الانفعاليّة كان أمامها ذكيّاً، وإذا تجرّد عنها وغابت هي عنه عاد وافرَ العقل حفيّا!.
ونضرب مثلاً فاستمعوا له:
في السّتينات من القرن الرُّومي المنصرم، وكان حينها شابّاً طالباً، وضع في وقت مبكر كتاباً في الاجتهاد والتقليد بمهارةٍ في استخراج المعاني والقوانين العامة للموضوع، مع الاستناد إلى هذه القوانين لاستخراج الحلول الموافقة لها: ثم سارع إلى طبعه. ولما قلتُ له: " إن موضوع الاجتهاد لا يكتب فيه إلا المجتهد الفقيه!"، قال: " التأليف ليس حكراً على الفقهاء"!.
سليمان المدني...
ويحلو لي أن أُجرد اسمه عن كل لقب، ونحن نقطعُ حقبة ضبابيّة وعَصراً، كما قال الشاعر: "عصر ألقابٍ كبارٍ وكُنى" تحوّل العلم فيه إلى مجرّد وصف لحياة الشّخصيات في محاولة غير فاترةِ الهمّة للتّوصل إلى خلقِ الصّنميات البشرية.
أقول: إن (سليمان المدني) نوّر الله ضريحه، كان في مسيرته الجهادية، يؤكد على تطوير وتنويع المجتمع، بما تُحَدّدهُ قوانين القرآن العزيز، وشد المواطن بوطنه من دون أن تجتاحه التيارات والنظريات غير العلمية التي تغزو السكان، ويعزو إليهم الدور الخاسر والنّزعة العنصرية، أو الميول نحو لهيب الشرق أو ظلام الغرب، التي تشكل بدورها الصراع والنزاع، وتفكّك الأوصال وتضييع الآمال، بأشكالها المتشعبة والفاقدة للنّظام المتناسق للمعرفة، فكان أعلى الله مقامه يوحي للقوم بأنه لا يتم تنظيم منهجي متكامل في مجتمعنا إلا على يد المنقذ الأعظم محمد الخاتم (ص). وما عدا ذلك فادعاءات تتجاوز الطبيعة وتدعو إلى الجهل والفشل من نافذة قوله تعالى: " وإنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله".
ولقد كان - طاب ثراه – مُصراً في جهاده القيادي، ومجهوده الريادي على اعتبار تاريخ بلاده دراسةً لقوانين تطوره الاجتماعي، وصفة مميّزة للتّناول التاريخي الحضاري على ضوء الإسلام.
ولقد أطرى شخصَه الكريم جلالةُ ملك البلاد عندما أبدينا التعازي لجلالته بالفقيد السعيد، وأبّنه بما هو أهل له في هذا المجال.
إن شيخنا المدني عطّر الله ضريحه كانت حياتُه مُستوعبةً في محاولات، أبرزُها محاولةَ تصحيحِ نقائضَ قائمة، ومحاولةُ تغيير بعض الأساليب في الحياة من خلال نشر النُّصح وإبداء الرأي في الخير والعدالة والمعرفة العلمية بمثاليةٍ تقول: بأن الوعي يلعبُ الدورَ الحاسمَ في تطور المجتمع؛ فإنّه ما من خطايا اجتماعيةٍ، تُحَلُّ بالأمة إلا وأساسُها الجهل، فلا بد من تحصيل ما افتقد النّاس إلى ثقتهم بطبيعتهم، فأسّس على ضوء هذا، المعاهد النيرة، وكان تغمّده الله برحمته ما يفتأ يُوجّه نصائحَه ومواعظه إلى جميع مصاف المجتمع سواء أكانوا سُلطةً أم سائرَ الأفراد، فكان نِعمَ الموجّه الذي ساعد نشاطُهُ بقدرٍ كبيرٍ على التّغلب على نفوذ الإيديولوجيات الخارجةِ عن حريم الإسلام بقوةٍ إسلامية دافعةٍ لتطورِ المجتمع في هذه البلادِ العريقة بالحضارة، التي، في حقبة، أعدَّ لها الظالمون المُدى، ولكن الله سلّم، فنصر عبده، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه برؤيةٍ عقلانيةٍ وساعدةٍ دينية وعِنايةٍ إلهيّة أشبعت حاجات الإنسان البحرانيّ وتلاءمت بإذن الله مع مصالِحِه وأمانيّه الإنسانية، وأثرت تأثيراً نافعاً على المجتمع والحمد لله رب العالمين، وقد سبقه أخوهُ الشهيدُ عبدُ الله ليقفَ هاك أمامَ العرش متشحّطاً بدمِه ليشهدَ أنه أدّى الوظيفة وقَبِلَ الموت لينعم غيره بالحياة!.
كانت حركة المدني خيراً، والخير ما كان له قيمةٌ إيجابيةٌ ومنجزاتٌ ثقافيةٌ إنسانية، والخير الأعلى هو الإنسانُ المسلمُ خالقُ القيم بإذن الله. وليس خيرُ المسلم طبقياً، بل روحُه عموميةٌ، مستَمداً من خيرية الرسالة المحمدية: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ". والحقُ، والخيرُ، والعدلُ مغروسٌ جميعهُ في الإسلام، ولا يقوم ضمانُ التّقدم التاريخيِ والأخلاقي إلا في الإسلام، فهو يساعدُ على تحقيقِ الحرّية الحقيقيةِ التي هي الوسيلةُ لصهرِ الإنسان الكاملِ ولخلقِ الخير لديه. وإن نتائجَ الأعمال الطيّبة هي وحدَها التي يمكن أن تكون معيارَ الحقيقة. وإن المعرفة الحقّة تكونُ ممكنةً، فقط، بتطبيق المبادئ الإسلامية التأميلية، أمّا الدورُ الرئيسُ في المجتمع فيلعبُه القانون الذي أخرج اللهُ لعباده، تُنَفّذهُ وتطبقهُ الإرادةُ الحرة للفرد، ضمن دولة تمتزج فيها العناصرُ القانونيةُ والأخلاقية، لتكون قوةً مثالية تُوحّد الشعب والأمة.
إن كل من كَرَع من نميرِ الإسلام علِمَ أن كلّ المذاهبِ الفلسفيةِ الماديّة ليست سوى تبريرٍ للمصالح، ولهذا السبب كانت غريبةً عن التطلعات إذ لا يوجد أيُ عنصرٍ من الصدق الموضوعي في تلك الآراء.
شيخنا المدني الراحل، نوّر الله ضريحه كان يسعى لإشادةِ كلِ هذا من خلال تكويِ ثُلّةٍ من الصالحين حوله ليقوموا بدورِ المجاهدِ الحقّ في سبيل الإخلاص لله وللوطن، والخلاص من براثن التخلف والدرن!.
دم حياً عند ربك يا سليمان فرحاً بما آتاك، وما أولاك. . وكن قرير العين هناك فلو دُرت يا سليمان إلى الوراء نحو كوكبنا لوجدت نجلك (طاهر) الأذيال رُباناً لسفينةٍ صنعتها أنت بأعين الله، وهي تجري بموج كالجبال، وسيُقضى الأمر وتستوي على الجودي، وتعود، بعناية السماء حمامةُ السلام بغصن الزيتون.