خطبة الجمعة لسماحة الشيخ أحمد خلف العصفور في مصلى العيد بجبلة حبشي 25 محرم الحرام 1424هـ الموافق 28 مارس 2003م
أعوذ بالله السميع العليم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه، حمداً كثيراً لا انقطاع له ولا نفاذ، وهو القاهر فوق عباده بلا معين ولا سند، القاصم لكل جبار في الوجود من قبل قوم عاد، وإلى يوم العرض والتناد، وناصر المستضعفين إذا اتصلوا به والقوا إليه القياد.
وأشهد أن لا إله إلا الله كلمة جليلة القدر في الإسناد وعظيمة الشأن في قلوب العارفين بها من العباد، وهي حصنٌ حصين لمن نطق بها وإسناد. وأشهد أن محمداَ عبده ورسوله الذي اصطفيته هادياً لعبادك وملاذاً في بلادك. وصلى الله عليه وعلى آل بيته الذين هم أهل بيته الذين صيرتهم سفينة يُلجأ إليها في بحر هذه الدنيا الذي تضرب أمواجه مرة إلى الشمال ومرة إلى اليمين، صلى الله عليهم أئمة العالمين من أول الدنيا إلى يوم الدين.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله. واعلموا أننا في هذا اليوم الذي فقدنا فيه إمامين عظيمين أحدهما إمام العصر والثاني النائب عنه وهو المرحوم العلامة صاحب هذا المنبر.
أما إمامنا الإمام السجاد (ع) فهو القائل في أبياته المشهورة:
|
نحن بنو المصطفى ذو غصص |
يجرعها في الأنام كاظمنا |
وهو الذي يدار به في هذه الأوقات في البلدان ويصيح واذلاه.
|
أنا ابن ولاة الأمر في كل موطن |
بنا بني الإسلام والدين قد بني |
والإمام الثاني هو إمام هذه الجمعة الذي هو زميلي في طريقي ودربي وصاحبي الذي عشت معه زمناً ليس بالقصير وفارقته في هذا الزمن الذي أحوج ما نكون إليه.
ولكن التسليم لله وحده لا شريك له فلا راد لقضائه لقول القائل:
لا يدفع الموت الجنود ولا الأسنة والقوابض ليطرنك هاجماً لو كان دونك ألف حاجب
وقول الله فوق كل قائل )كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت) وقال جل اسمه وهو مخاطباً للرسول الأعظم (ص) وهو خاتم المرسلين وسيد النبيين ولكل مؤمن اسوة به )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، وقال في الحديث القدسي ( يا أحمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه) وأخيراً لا يبقى مع الإنسان إلا أعماله في الوجود، وأعماله في البرزخ وفي يوم المشهود، ومن الأيام المشهودة في القرآن لقوله عز من قائل )وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) هما يومان أحدهما يوم الجمعة، هذا يشهد في ذلك اليوم لمن كان له رصيد في يوم الجمعة، فمن قدم رصيده وشهد له اليوم وسعيه إليه والإلتزام به وبالخصوص التي مرت عليها وتقلب الدهور في بلدكم وهي أرض البحرين، فلم يأت يوم من أيامها وهي قد خلت من هذا اليوم الشاهد الذي التزموا به من عصر الرسالة لما وردت إليهم بالتسليم سلموا لله سبحانه ولرسوله (ص) بالرسالة دون أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، هذا البلد ما انقطعت منه صلاة الجمعة من أيام عهد رسول الله (ص) إلى هذه اللحطة التي أنتم فيها، ما فارقها اليوم الشاهد وبالخصوص بعض البلدان استقرت فيها الجمعة استقرارا لوجود الثروة العلمية فيها ومن جملة من استقرت فيها هي أرضكم التي أنتم بها وهي جدحفص نظراً لما فيها من المدارس العلمية التي ثبتت وأثبت. وهذا اليوم الشاهد يأتيكم غداً عندما تعرضون هناك على اليوم المشهود وهما يومان يوم الجمعة ويوم يقوم الناس لرب العالمين، وههذا اليوم ينقذك من اليوم الثاني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، سليم من الغش، سليم من الخداع، سليم من النفاق، من التأرجح والإنزلاق مع الهوى هذا هو القلب السليم فإذا لم يكن للإنسان رصيد من هذا اليوم الذي يحصل به على هذه المكرمة التي حظيت بها هذه البلاد هو الشاهد والندامة على تفريطه والتهاون بهذا اليوم والإعراض عنه وعدم الحضور فيه وعدم الإستجابة له وقد أفرد القرآن الكريم بسورة تخصه بقوله في سورة الجمعة: ]إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ[، وهذه الصلوات كلها ليست كهذه الصلاة المعبر عنها في القرآن بالصلاة الوسطى، والمعبر عنها في سورة الجمعة ) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) لقوله سبحانه إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، وذكر الله في التفسير هو إقامة الجمعة بدليل القرآن في قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والمؤيد في ذلك قول إمامنا زين العابدين (ع) في دعائه المشهور الذي يقرأ بعد الصلاة وأنتم تعرفونه لأنكم عشتموه وهو أصبح جليلاً عظيماً لاقترانه بوفاة عالمنا الجليل بوفاة السجاد العظيم حيث اقترنت وفاة العلامة الكبير بيوم الإمام السجاد. ولذلك قيل:
|
ترى الفتى ينكر فضل الفتى |
مادام حياً، فإذا ما ذهب |
وحيث إن هذا العالم العظيم قد سجل مكرمات علمية وعملية مثل الكتابات النافعة التي ورد عنها الحديث الشريف المتفق عليه عند عموم المسلمين (ينقطع عمل ابن آدم بعد منصرفه من هذه الدار إلا من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له أو ورقة عليها علم) وهذه الثلاث قد حازها صاحب المنبر الذي فقدناه في أيامنا هذه حجة الإسلام الشيخ سليمان المدني الذي يعرفه أهل الفضل إذا التفت عليه المحافل الدينية، ففي كل قدر له مغرفة وفي كل علم نافع له معرفة، تغمده الله برحمته الواسعة وألهمنا وأهله ومن حضر الصبر والسلوان إنه كريم منان... إنا لله وإنا إليه راجعون. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، ]وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه سميعٌ عليمٌ وتوابٌ رحي وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.
