بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
في أعقاب كلامنا في ليلة السبت ورد من ضمن الأسئلة سؤال يسأل عن علاقة الديمقراطية بالإسلام، وكنا في مرة سابقة قد تكلمنا عن النظام الديمقراطي، كما تكلمنا في ليلة السبت عن أن الديمقراطية هي إفراز للتفاعل الاجتماعي الذي جرى في القارة الأوروبية أو في القسم الغربي بالأخص من القارة الأوروبية والصراع الذي دار بين الأباطرة وبين رؤساء الإقطاع وبين ملوك الطوائف من جهة وبين الأباطرة والكنيسة من جهة ثانية وبين المثقفين والكنيسة من جهة ثالثة, وحتى يتبين لنا ما هو موقع الديمقراطية بالنسبة إلينا من ناحية مبدئية لابد أن نعود ونتكلم و نفصل القول من جديد وإن كان مكرورا.
فنقول: إنه بعد أن دكت مدافع محمد الفاتح العثماني القسطنطينية وبعد استيلائه عليها وخروج كثير من فلاسفة القسطنطينية وعلمائها إلى روما وإلى غيرها من مدن أوروبا كان ذلك إيذانا للأوروبيين بالتنبه من سبات طويل وعميق عاشوا فيه, وبدأ عندهم عصر عرف بعصر التنوير أقبل فيه الأوروبيون على دراسة العلم من جديد وعلى تلمس ذاتهم تلمسا جديدا.
في ذلك الوقت كان المجتمع الأوروبي يخضع لنظام إقطاعي، والنظام الإقطاعي هو أن تكون منطقة واسعة بكاملها بكل ما فيها من مزارع، ومن مدن، ومن قرى ومن عليها وما عليها من حيوان وإنسان تكون ملكا لشخص واحد يتصرف فيها كيف يشاء, فله أن يقتل من يشاء أن يقتله، وأن يهجّر من يريد أن يهجّره، وله أن يتصرف في كل شيء على تلك الأرض.
كانت أوروبا كلها مقسمة إلى إقطاعيات, وهذه الإقطاعيات أو رؤساء المقاطعات أو ملوك المقاطعات يخضعون لملك أكبر منهم يسمى الإمبراطور, وتنظمهم دولة واحدة عرفت عندنا نحن الشرقيين بالإمبراطورية الرومانية الغربية تمييزا لها عن إمبراطورية الروم الشرقية والتي نسميها في كتب التاريخ عادة بيزنطة، وكانت عاصمتها القسطنطينية والتي فتحت أخيرا عن طريق الدولة العثمانية, وبسقوطها انتهى عهد الإمبراطورية الرومية الشرقية وبقيت الإمبراطورية الرومية الغربية, والأباطرة الذين يحكمون هذه الأرض أو القارة الأوروبية كانوا يخضعون أيضا لبابا الفاتيكان, والناس عبيد للإقطاعيين، والإقطاعيون تابعون للإمبراطور، والإمبراطور تابع للبابا الموجود في كنيسة الفاتيكان, والحاكم المطلق في أوروبا كان هو بابا الفاتيكان, وقد بدأ الأباطرة يتمردون على البابا منذ الحروب الصليبية, ووجدوا في ذلك فرصة أن يستقل كل واحد منهم بقطعة من الأرض, ونشأت هنالك الدول القومية في أوروبا فصارت هذه تسمى فرنسا، وتلك تسمى بريطانيا وهنا مثلا تسمى بروسيا وهنا روسيا وهنا جرمانيا وهنا سلوفاكيا إلى غير ذلك من الدول القومية, وصار في كل دولة قومية إمبراطور غير الإمبراطور الذي يكون في الدولة القومية الأخرى, وبذلك فقدت روما سلطتها المهيمنة على أوروبا كلها.
ولما ابتدأ عصر التنوير نشأت جامعات عصرية جديدة لا تخضع للفاتيكان, وأصبحت العلوم التي تدرس في هذه الجامعات غير مراقبة من سلطة البابا, وأخذت تظهر نظريات فلسفية ونظريات اجتماعية جديدة لم تكن معروفة عند الأوروبيين من قبل؛ أخذت كتب العلماء المسلمين تترجم وتباع في السوق السوداء سرا ليشتريها الدارسون والمثقفون ويطلعوا عليها، طبعا وهذا أوجد هزة معينة أو هزة شديدة في المجتمع الأوروبي بصورة عامة وإن كان في شدته، وفي حدته، وفي خفته تفاوت بين منطقة وأخرى.
ثم أخذت الصناعات الجديدة تظهر, وبعد أن كان المصنع يتكون من آلات تدار باليد ويستطيع أفراد كثيرون أن يؤسسوا دورا للصناعة فإنه بعد اكتشاف قوة البخار أصبحت المصانع الفردية الصغيرة لا تستطيع أن تقاوم المصانع التي تدار بالبخار، لأن التكلفة تكون أكثر، فلا تستطيع أن تجاريها في بيع السلعة في السوق فاضمحلت الصناعات اليدوية الصغيرة وحلت محلها الصناعات البخارية الكبيرة، والصناعات البخارية الكبيرة تحتاج إلى عمال كثيرين, وهذا طبعا يتنافى وقضية الإقطاع، فالإقطاعي قد لا يسمح لسكان مقاطعته بترك العمل في مزارعه والانضمام إلى هذه المصانع, فصار أصحاب الأموال والتجار ينظرون إلى الإقطاعي بعين ضيقة شزراء, ولابد أن يضعوا الخطط لتحطيم نفوذ الإقطاعيين؛ أي نفوذ الأمراء المتحكمين في الإقطاع, وابتدأ الصراع بين أصحاب الأموال وبين الإقطاعيين, وحتى يتغلب أصحاب الأموال على الإقطاعيين لابد من استعداء الأباطرة عليهم, وربط مصلحة الأباطرة بأصحاب الأموال بدلا من أن ترتبط مصلحتهم بأصحاب الإقطاع, ولا إشكال في أن دخل الصناعة أكثر ربحا من دخل الزراعة.
وهكذا صار الصراع على أشده بين الإقطاعيين وبين الملوك والأباطرة, وأدى ذلك إلى تفتيت الإقطاع في أوروبا, وأخذ المجتمع يتحول من مجتمع زراعي مستقر؛ تعيش الأسرة الواحدة فيه متضامنة عاملة في الأرض التي تحت يديها إلى أسرة متفككة يعمل أبناؤها في حرف مختلفة.
في المجتمع القديم كان الابن لابد أن يتعلم مهنة الأب، فلما جاء عصر النهضة الصناعية كان لابد أن توجد مدارس صناعية، فصار ليس من الضروري أن الابن يتعلم مهنة الأب, ولم يعد ابن الأستاذ أستاذا، ولا ابن النجار نجارا ولا ابن الفلاح فلاحا، واتجه كل إنسان إلى عمل مختلف، وإلى مهن مختلفة يختلط فيها بأقوام آخرين لم يكن يعرفهم، وليس له أي رابطة بهم، وحدث تلاقح أفكار، وتغير نمط التفكير, وتغيرت أنماط النظرة إلى الأمور, وأصبح الابن يرى الشيء بعين لا يراها به أبوه, ولا يقرّه على النظر إليها أخوه، وحصل تفتت في المجتمع الأوروبي, وانقسم الناس إلى طبقات؛ طبقة عمال، وطبقة أرباب عمل، وطبقة تجار، إلى غير ذلك من الطبقات المختلفة، والرابطة بين أبناء الطبقة الواحدة لم يعد إلا الاشتراك في المصلحة الواحدة. هذا أدى طبعا إلى صراع كبير بين الذين يعملون في المصانع وبين من يملكون تلك المصانع، فمصلحة من يعمل في المصنع مختلفة تماما عن مصلحة من يملك المصنع، وأصبح الصراع عندهم صراعا طبقيا مريرا، ولا إشكال في أن مصلحة الملوك والأباطرة كانت مرتبطة بمصلحة أصحاب رؤوس الأموال؛ أي أنها كانت مرتبطة بمصلحة أرباب العمل, فعندئذ أصبحت الملوك والأباطرة تتدخل في حماية أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب أرباب العمل, وحصل الصراع هناك, وظهرت نظريات جديدة ذكرنا منها في محاضرة سابقة نظرية الحقوق الطبيعية، ونظرية العقد الاجتماعي, وهناك نظريات أخرى ظهرت في علم الاجتماع بصورة عامة, وفي علم الاجتماع السياسي بصورة خاصة.
وانقسمت أوروبا, أو جرى الصراع في أوروبا على ناحيتين: في ألمانيا مثلا كان الصراع حول قدسية الدولة القومية أو عدم قدسية الدولة القومية، فهيجل يرى أن الدولة القومية مقدسة، ولا يجوز المساس بها, وهيجل هذا هو الذي أوجد منطق الجدل أو المنطق الجدلي المعروف بالديالكتيك, وهو طبعا فيلسوف قومي مثالي متعصب. وفيورباخ وهو أيضا من مفكري ألمانيا، لم يكن همه إلا أن يرسي الفلسفة المادية على أسس رصينة, وجاء مدعيا بأن المادة هي أصل الأشياء، وجاء كارل ماركس اليهودي فجمع بين الديالكتيكية الهيجلية الجدلية والمادية التي جاء بها فيورباخ ليخرج لنا الديالكتيكية المادية.
ومنذ ذلك الوقت أصبح الصراع في أوروبا على نحوين، صراع في شرق أوروبا يقوم على أساس نظرية وجدلية معينة، وصراع في غرب أوروبا يقوم بدون التفات إلى نظرية مادية أو غير مادية, ولا يهمه أن يصلي الإنسان أو لا يصلي، ولا يهمه أن يكون الإنسان مؤمنا أو لا يكون, وإنما الذي يهمه هو أن تنتصر هذه الطبقة أو تلك الطبقة، والجوهر الذي يجمع الجهتين من أوروبا شيء واحد؛ هو أن هذا الصراع سواء كان على نحو الرأسمالي الغربي أو على نحو الديالكتيك الماركسي في شرق أوروبا هوأن كلا من الصراعين جاء تنظيره وتأطيره وفلسفته على أساس لا علاقة له بالدين.
طبعا في أوروبا الغربية أفرز الصراع الديمقراطية، وفي أوروبا الشرقية أفرز الصراع دكتاتورية البروليتاريا, ولا يهمنا أن تكون هذه صحيحة أو تلك صحيحة أو هذه خطأ أو تلك خطأ، بل نحن من الناحية المبدئية نعتقد أن كلا النظريتين باطلة ويجب أن تمحق، إنما نقول إن جوهر الصراع في أوروبا كلها سواء في القسم الغربي منها أو في القسم الشرقي منها لم يجعل للدين اعتبارًا في هذا الصراع أو في هذا التنظيم.
بعض المدرسين في البحرين مع الأسف يقول لطلابه: إن الناس في أوروبا تركوا الدين لأن علماء الدين ساندوا الأباطرة والملوك ضد الفقراء والعمال وضد حقوق الناس, وهذا في الحقيقة تزوير على التاريخ الأوروبي, وتشويش لأذهان الطلاب, وذلك إنما يدل على جهل هذا المدرس بالدين المسيحي من أساسه, فالدين المسيحي لم يأت لتنظيم الدنيا مطلقا, بل كل الأناجيل الموجودة تقول: [أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله]، فمعنى ذلك أنها تجعل لله شريكا هو قيصر, وأن له الحق؛ هذا هو الذي جعل الدولة المسيحية من أول يوم تكون السياسة فيها لا علاقة لها بالدين مطلقا.
ففي بيزنطة كانت السياسة لا علاقة لها بالدين, والدين لا علاقة له بالسياسة, بل إن من يقرأ تاريخ الدولة البيزنطية يجد أن هناك صراعا كثيرا في كثير من الأحيان بين الكهنوت الذي يمثل الكنيسة وبين الإمبراطور, وكثيرا ما كان الامبراطور يعتدي على أملاك الكنيسة وأوقافها, ويبتز منها كل مدخراتها, خاصة في أوقات الحروب والأزمات.
وإذا رجعنا أيضا إلى أوروبا وإلى روما الغربية وإلى الصراع الذي جرى بين بابا الفاتيكان والأباطرة في أوروبا نجد أن الصراع في كثير من الأحيان كان يدور بين البابا والأباطرة, وأن الأباطرة طالما اعتدوا على أملاك الكنيسة وأوقافها ومدخراتها, وإن ظهور المذاهب الحديثة في الكنيسة مثل البروتستانت إنما جاء بتشجيع من الأباطرة لشق الجماهير عن الكنيسة, ولذلك انتشرت هذه في الأماكن البعيدة عن الكنيسة كسويسرا وألمانيا وبريطانيا.
فالصراع الذي جرى في أوروبا والذي افرز الديمقراطية من الجهة الغربية ودكتاتورية البروليتاريا من الجهة الشرقية لم يكن له علاقة بالديانة المسيحية, بل إن الدين المسيحي يعترف وفي الأيام الأولى من تحريفه على يد بولس بأنه لا دخل له في الحكم, ولا دخل له في السياسة، وأن العملة لها وجهين, وجهاً لله ووجهاً لقيصر, فأعط ما لقيصر لقيصر, وأعط ما لله لله, ولم تكن الديانة في أوروبا أكثر من علاقات بين الإنسان وربه, ولم تكن تتدخل في تنظيم شيء من أمور الحياة في ما عدا عقد الزواج والطلاق، وفي ما عدا الزواج لا دخل للكنيسة في تنظيم شيء من أمر الدنيا, وهي إذا كانت تمارس حكما فإنما تمارس حكما بناء على ما كان يسير على الإقطاع في أوروبا, لكنها لا تدعي أن هناك حكما شرعيا في كل موضوع، وفي كل حدث، وفي كل واقعة تسعى الكنيسة إلى تطبيقه، ولذلك فإن الصراع كان في الحقيقة بين رجال الكنيسة وبين العلماء المتنورين وبين الفلاسفة؛ سواء منهم الموحدين الذين لا يقولون بمقولة الكنيسة في التثليث أو الملحدين الذين ينكرون وجود الله, باعتبار أن ذلك له تعلق بالعقيدة؛ لا أنه جرى هناك صراع بين الناس وبين الكنيسة من هذه الجهة؛ أي من جهة السياسة والتنظيم السياسي.
فالديمقراطية الغربية أو دكتاتورية البروليتاريا وإن كانت الثانية تحارب الدين والأولى تعترف بالدين لكن لم يكن الدين داخلا في تكوينها, وقد قلنا في ليلة السبت بأن أوروبا الغربية لم تلجأ إلى الديمقراطية باعتبارها قاضيا عادلا يفصل بين المحق والمبطل, وإنما لجأت إلى الديمقراطية تخفيفا لحدة الصراع الدائم، لجأت إلى الديمقراطية لا لتحكم في الموضوع المعلق وإنما لتستبدل وسائل الصراع, فبدلا من أن يكون الصراع بالسيف أو بالرصاصة أو بالمدفع يكون بالورقة الملقاة في الصندوق، ومثل الإنجليز واضح في هذا المجال: [الورقة أفضل من الرصاصة] أو [الورقة بدلا من الرصاصة].
فالديمقراطية إذن ليست حلا وإنما هي تطوير لطريقة الحرب, فبدلا من أن تكون الحرب بين أصحاب المصالح المختلفة بالسيف أو بالرصاص تكون الحرب بين أصحاب هذه المصالح بالورق, وأوروبا ذاتها وهي التي أوجدت الديمقراطية، وهي التي أفرزت الديمقراطية لا تدعي أن الديمقراطية حل وإيجاد للإنصاف، وإيجاد للعدالة، وتحقيق للحق, وكل ما هناك أنها تعطي للأغلبية حق التصرف في مصير الأقلية. لماذا؟ لأنه لو تحاربت الأغلبية والأقلية بالسيف فلا إشكال في أن النصرسيكون للأغلبية، ولو تحاربت الأغلبية بالرصاص والمدفع, فلا إشكال في أنه سيكون النصر للأغلبية, فإذن بدلا من أن تستهلك الدماء فلتكن المعركة بأوراق الانتخابات, وعندئذ تتغلب أو تنتصر الأغلبية على الأقلية وبدون إراقة دماء من الطرفين.
لكن لا يعني ذلك أن هذا هو الحق وهذا هو العدل, فليس الحق دائما مع الأغلبية ومع الأكثرية, وليس الباطل دائما مع الأقلية، إن أصحاب الديمقراطية لا يدعون أن هذا هو الحق, وأن ما تحكم به الأغلبية هو الحق، لا، ولكن يقولون إن الأغلبية إذا لم يسمح لها بإجراء حكمها بهذه الطريقة فإنها ستجري حكمها بالسيف أو الرصاص, وعندئذ تكون خسارة من الطرفين, فلتتغلب عن طريق الأوراق, ولتحكم مدة من الزمن ثم ننظر إن كانت الغالبية مع هذا الحكم أو مع غيره.
فإذن هذا هو حقيقة الديمقراطية.
طبعا دكتاتورية البروليتاريا ما كان لنا من حاجة في أن نتكلم عليها لولا أن كثيرا من الناس أجاز لنفسه أن يقبل أتباعها في البحرين في حركة تدعي الإسلامية.
ودكتاتورية البروليتاريا تقوم على نكران الدين مطلقا, وأنه أفيون الشعوب، وتقول إن الحق ليس إلا للطبقة العاملة, وأنه لا حق إلا للطبقة العاملة, وأنه لا يجوز أن تعطى الحرية لأعداء الشعب، ومن هم أعداء الشعب؟ من يختلف مع حملة النظرية الماركسية لا حرية له ولذلك هم يصرحون بأنها دكتاتورية, ولكنهم يقولون بأنها دكتاتورية البروليتاريا أي العمال, دكتاتورية العمال, والعمال من يمثلهم؟ الحزب, والحزب من يقوده؟ الأمين العام, وعندئذ يعود الإمبراطور الذي جاء دستوره لإزالته، ويعود القيصر التي قامت الثورة البلشفية للإطاحة به في صورة جديدة تسمى الأمين العام للحزب الشيوعي, وتكون الدكتاتورية في الحقيقة هي دكتاتورية الأمين العام للحزب الشيوعي, ولكنه يغطي نفسه بالعمال, ويسميها دكتاتورية البروليتاريا، هذا هو معدل نظرية الجانب الشرقي من أوروبا.
ما هو موقف الإسلام من النظرية الغربية؟
طبعا لا علاقة للإسلام بالديمقراطية الغربية قط, أولا أنها إفرازات أمم لم تدن بالإسلام، وإنما هي صراعات بين أقوام لا علاقة لهم بالإسلام، والإسلام أيضا يختلف عن المسيحية تماما؛ مائة بالمائة، من هذه الجهة، فالمسيحية تقول: [أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله]، الإسلام يقول: ]وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[[1], فإذن ليس ثمة شيء خارج عن ملك الله.
المسيحية بصورتها الراهنة تعترف بحكم القيصر، والإسلام يقول: ]فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً[[2], ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون[[3], ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[[4]، ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[[5].
إذن لا علاقة للإسلام بالديمقراطية الغربية مطلقا، والأمم الإسلامية يجب أن تقيم مجتمعاتها، والأمم الإسلامية يجب أن تقيم أوضاعها على نهج الله، وعلى تشريعات الله، إذا كنت أدعي لنفسي أنني إسلامي ثم أطالب بإقامة المجتمع على النهج الشرعي حينئذ لا يوجد تناقض بين عقيدتي وبين ما أدعو إليه، ولا يوجد تناقض بين ما أعتقده وبين ما أدعو إليه، ولكن إذا كنت أدعي أنني إسلامي وأدعو إلى الديمقراطية الغربية فهناك تناقض كبير بين ما أدعيه من الإسلامية وبين ما أدعو إليه من الديمقراطية الغربية، أولا لأن هذا يضطرني للتسليم بأنه يجوز لكل الناس الذين يكونون معي في الوطن سواء كانوا مسلمين أو كانوا غير مسلمين أن يسهموا في عملية التشريع ووضع الأحكام التي تطبق على المسلمين في البلد, وهل هناك علمانية أشد من هذه العلمانية؟ وهل هناك فصل بين الدين والسياسة أشد من هذا الفصل؟ فعندما أدعو إلى ذلك أكون قد ناقضت نفسي، وأكون قد ناقضت ما أدعيه من أنني إسلامي, فكما أن الليبرالي يدعو إلى الديمقراطية، فالإسلامي لابد أن يدعو إلى الإسلام لا إلى الديمقراطية، ويدعو إلى تطبيق أحكام الله لا إلى فسح المجال أمام كل الناس بمن فيهم من لا يؤمن بالله أن يشرع للذين آمنوا بالله وملائكته وكتبة ورسله واليوم الآخر.
إن في ذلك تناقضا كبيرا في الموقف, ويمكنكم أن تقرؤوا في هذا الصدد ما كتبه الإمام الخميني قدس سره في هذا الموضوع، أي ما كتبه عن الديمقراطية الغربية، وما كتبه غيره من العلماء المعاصرين مثل السيد محمد حسين فضل الله ومثل السيد الحريري وغيرهم حتى تعرفوا حقيقة الموقف الشرعي الذي ينبغي اتخاذه في هذا الصدد, وأن الإسلامي الذي يدعي الإسلامية ثم يدعو إلى الديمقراطية إنما هو يناقض نفسه, ويناقض دعواه؛ لأن هذا أولا يقتضي التحول من الإسلامية التي تقول: لا يوجد فصل بين الدين والدولة ولا بين الدين والسياسة إلى العلمانية التي تنادي بالفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة.
نعم لو كنت في مجتمع لا أستطيع أن أمنع هذا المجتمع بأن يأمر بالديمقراطية الغربية فعندئذ قد أشارك، ولا مانع أن أرشح نفسي وأدخل لا إيمانا مني بهذه الديمقراطية, ولكن لإيقاف ما أتمكن من إيقافه, من شرورها فقط وليس إيمانا بها.
إذن السؤال الذي طالما تكرر: ما هي علاقة الديمقراطية بالإسلام؟ أعتقد أن هذا يكفي في بيان هذه العلاقة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤال: ماذا تعني كلمة الفاتيكان؟
جواب: الفاتيكان مدينة داخل مدينة روما, وذلك أنه بعد أن اشتد الصراع بين إمبراطور الروم وبين البابا تقرر بين جميع ملوك أوروبا أن تؤخذ مدينة وهي جزء من مدينة روما وتسّور بسور يكون للبابا سلطان الحكم فيها, ويعترف بها ملوك أوروبا كدولة مستقلة يحكمها البابا, كما أن لهم دولهم المستقلة التي يحكمونها، لأن البابا كان يدعي أنه له الحكم من الله سبحانه وتعالى على جميع الملوك وعلى جميع الرؤساء, فاتفقوا بعد ذلك على أن يخصصوا له قطعة من الأرض يحكمها وهذه القطعة سميت بالفاتيكان، وإلى اليوم تسمى بالفاتيكان.
سؤال: نحن اليوم نرى تدخل الباباوات في السياسة والأحاديث السياسية فهل معنى ذلك أنهم لم يلتزموا بمسيحيتهم؟
جواب: التدخل من الباباوات في السياسة ليس من اليوم ولكنه كان من الأيام الأولى, ولكنهم لا يوجد عندهم منهج شرعي للحكم، يدعون أنه منهج من الله سبحانه وتعالى ويطالبون الناس بالالتزام به, وإنما هم يتدخلون في السياسة كما يعمل في السياسة أي إنسان آخر قد لا يكون مؤمنا بالله, وهذا فرق بينهم وبين العالم المسلم إذا تدخل في السياسة أو إذا عمل في السياسة, فهو إنما يتدخل ويعمل من جهة أنه يدعي أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحكم الناس على الأرض, وأن على جميع بني الإنسان أن يطبقوا أحكام الله، فرق بين هذا التدخل وبين هذه الدعوى وبين ذاك التدخل, على أن البابا اليوم يعد رئيس دولة هي دولة الفاتيكان.
سؤال: ماذا لو قال أحد إنني أطالب بالديمقراطية بوصفها أفضل ما يوجد من النظريات إذا لم يقبل الناس تطبيق الإسلام, وأنها أفضل من لا شيء يطبق؟
جواب: أعتقد أن هذا السؤال فيه مغالطة، تارة تكون في بلد غير مسلمين كما لو كنت في الصين، أو في الهند أو في تايلاند أو في أوروبا مثلا, وباعتبار أن غالبية الناس هناك ليسوا مسلمين فأنت لا تستطيع أن تطالبهم بالالتزام بأحكام الله، ولأجل أن تتمكن أنت أن تلقي ببعض أفكارك وآرائك في القانون تطالب بالديمقراطية، وبين أن تطالب في بلد كل سكانه من المسلمين؛ فعليك أن تجهر بالحقيقة وتقول أيها الناس اتقوا الله والتزموا بأحكامه, وإن لم تفعلوا فاستعدوا لعذابه وعقابه، لا أنك تقول إنني أدعو للديمقراطية في بلاد الإسلام، هذه الدعوة إنما تريد أن تفتح بها بابا للشيوعيين والليبراليين، وأن يتمكنوا من الوصول إلى كراسي أي مجلس يوجد, فيدلوا بأفكارهم في التشريعات التي تطبق على المسلمين, وهذا في حقيقته إنما هو تناقض, فالمسلم واجبه أن يدعو إلى الإسلام، وأن ينبه الناس إلى وجوب الالتزام بالإسلام وأنهم إذا لم يلتزموا بالإسلام فإن عليهم الاستعداد لأمر الله سواء أنزل عليهم غضبه في الدنيا أو أخرهم إلى عذاب الآخرة، هذا هو واجب المسلم، لا أن يدعو إلى نظرية كافرة في بلاد المسلمين.
سؤال: ألا يجوز إشراك جميع الفصائل الوطنية في اتخاذ القرار؟ وإذا تعذر اتخاذ القرار من جانب الدينيين واختلافهم؟
جواب: أنا لا أفهم الفصائل الوطنية، أنا عندي المواطن هو المسلم فقط، أما من ولد من مسلمين ثم لم يؤمن بالإسلام فحكمهم في الشريعة باتفاق الفقهاء هو القتل، وإذا أعلن التوبة نعطيه فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضا حدا، فكيف إذا كان هذا هو الحكم الشرعي باتفاق العلماء والفقهاء كيف أقول إنه يجوز له أن يشارك في القرار وأنا لا أجيز له أن يشارك في الحياة.
الشيء الثاني أن اختلاف الدينيين ليس بأكثر من اختلاف الليبراليين مع بعضهم البعض أو مثلا الرأسماليين أو الشيوعيين أو غيرهم.
أيها الأخ الكريم واجبك يا أخي في بلاد المسلمين أن تقول للمسلمين أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، أيها الناس فيئوا إلى الله، التزموا بأحكامه، طبقوا شرائعه قبل أن يأتيكم يوم من الله لا مرد له، هذا هو واجب المسلم أن يدعو إلى الله، أن يدعو إلى الالتزام بأحكام الله، لا أن ينادي بنظريات كافرة ويأتي بمفهومات باطلة مثل الفصائل الوطنية. لقد كان رأي أصحاب النظرية الديمقراطية أن الدين لله والوطن للجميع، أما نحن فنقول: ]إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[6]. فالوطن لله ولا يبقى عليه إلا من آمن بالله.
سؤال: إذا كانت الديمقراطية لا يجوز المطالبة بها فما هي المطالبة الصحيحة الشرعية؟
جواب: المطالبة الصحيحة هي أن تدعو إلى تطبيق أحكام الله, وتدع عنك المفاهيم والعنوانات الباطلة التي اخترعها البشر والتي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: ]إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ[[7].
سؤال: ما الفرق بين العلمانية والليبرالية؟
جواب: الليبرالية معناها الانفتاح على جميع النظريات ولا يميز بين نظرية ونظرية, وإنما يقول إن ما تريده الأكثرية يجب أن يوصل إليه بدون النظر إلى مصدره، وإلى صحته إلى غير ذلك، هذا هو الذي قامت عليه الديمقراطية الغربية.
والعلمانية في الحقيقة مصطلح جاؤا به لأنهم في ذلك الوقت كانوا يقولون فلان كنسي وفلان علماني، فلما تغلب جانب العلمانيين على الكنيسة ارتبطت الثورة الفرنسية بهم، وارتبطت أيضا أمور الديمقراطية في بريطانيا بهم كأنما تشابكت المفاهيم، وأطلق على كل من يدعو هذه الدعوة بلفظ علماني، ولكن ليس كل من تطلق عليه اللفظة علماني، لأنه قد لايكون له ربط بالعلم مطلقا كالشيوعيين مثلا، فهؤلاء ليسوا علمانيين، هؤلاء ملحدون؛ لأن النظرية الماركسية لا ربط لها بالعلم مطلقا, ولا يقرها أساس العلم البشري, وأن جميع أساسات العلم البشري تقوم من البحث عن السبب, وأنه لا شيء يقع من دون سبب, والحال أن النظرية الماركسية تقول بأن الكون لم يكن له سبب ولم يكن له موجد ولم يكن له أصل.
سؤال: لو كانت الديمقراطية والدعوة إليها نتيجتها سيطرة الإسلاميين واستلامهم زمام التشريع والأمور فهل ذلك يعارض مبادئ الإسلام؟
جواب: القضية قضية مبدأ وليست قضية مرحلة، فمثلا لو جاءت دولة غير مسلمة لا سمح الله واحتلت دولة أو أرضا من بلاد المسلمين، فإن هذه الدولة حتى تستطيع أن تتدخل في التشريع ماذا تعمل؟ أول شيء تصدر قوانين, وهي في أول الأمر طبعا لن تصدر قوانين منافية للإسلام، لماذا؟ لأنها تخاف أن يحصل الهيجان، فقد تصدر قوانين حين يقرأها الفرد العادي يراها قوانين ممتازة, وكلها مطابقة لروح الإسلام، فهذه القوانين يُعمل بها سنتين، أو ثلاث، أو أربع، أو خمس، وعندئذ تعلن تلك الدولة أن القانون يحتاج إلى تعديل، إجراء بعض التعديلات، ولا تعدل القانون كله، بل تعدل مادة، أو مادتين وفي كل مرة تعدل مادة أومادتين, وبعد ثلاثين، أو أربعين سنة لا يبقى من ذلك القانون الذي كان مطابقا لروح الإسلام شيء, ويتحول كله إلى قانون كفر.
وهذا هو الذي يجعلنا هنا في البحرين نرفض تقنين الشريعة؛ لأنه حينما تقنن الشريعة سنصل إلى نفس النتيجة التي وصلت إليها بلاد أخرى، كمصر والعراق، والمغرب وغيرها, وكلها كانت في البداية قننت الشريعة, ثم جرت التعديلات على تلك التقنينات وأصبحت القوانين كلها لا علاقة لها بالشريعة، عندما أدعو إلى الديمقراطية فمعنى ذلك أنني آمنت بنظام لا علاقة له بديني, ويتعارض مع دعوتي الإسلامية, وعندما أدعو إلى الديمقراطية ولو لسيطرتي أنا في مرحلة من المراحل فهذه أوقات قصيرة, وأكون قد خنت مبدئي وأنني سمحت بأن يأتي غيري أيضا ويسيطر على الأمور، أنا اليوم معي الجماهير، وبعد خمس سنوات من يضمن أن تبقى معي الجماهير، ألا ترى أن الجماهير يمكن تغييرها بمجرد إشاعة, وقد أثبتت هذه الأزمة مدى تأثر الناس بالإشاعات الباطلة والكاذبة, ومدى تشبثهم بها, ومدى تصديقهم لها, واندفاعهم معها, وتحطيمهم حتى لأنفسهم ومقدساتهم وعلمائهم بناء عليها.
المسلم يلزمه أن يدعو إلى الإسلام, لا أن يدعو إلى الديمقراطية أو إلى دكتاتورية البروليتاريا أو إلى أي مبدأ آخر من المبادئ أو نظرية أخرى من النظريات، ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[[8]، ]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن[[9].
واجب المسلم هو الدعوة إلى الله بين غير المسلمين, فكيف يجوز له أن يدعو إلى تنظيمات وإلى نظريات وإلى مبادئ خارجة عن الإسلام بين المسلمين، ليس قول الإنسان إنني أدعو إلى الديمقراطية حتى يتسنى لي أن أسيطر على الأمور إلا سذاجة وقصر نظر.
سؤال: هل يفهم من العرض المتقدم أن الديمقراطية بالمنهج الذي ظهرت به وأسلوب تعامل الناس بها قد أضحت دينا يدان به أم أنها مجرد تنظيم للصراع الاجتماعي؟
جواب: هذا السؤال ينبع من عقلية أوروبية خالصة مع الأسف أيها الأخ, والرجاء قبل كل شيء أن تنظف عقليتك فليس في الإسلام دين يدان به ونظام يدار به الصراع, أولاً يجب أن تفهم نظرية الإسلام في هذا المجال.
أوروبا قامت على نظرية البقاء للأقوى, وهذا يعني أن كل شيء يكون بالصراع, يقولون إن الفلاح يصارع الأرض, ويعزقها بفأسه ويضربها بقوة فهو يصارعها ويتغلب عليها ويجعلها ترابا ناعما، يضع فيها البذرة، والبذرة تصارع الأملاح, والفلاح يصارع البذرة والأملاح، وتخرج الشجرة، وتصارع الأرض، وتخرج الثمرة، ويعود الفلاح يصارع الشجرة, وكذلك المجتمع طبقات تتضارب به مصالحهم, فلذلك يتصارعون.
النظرية الإسلامية ما قامت على أساس الصراع, وإنما قامت على أساس التآخي والمحبة والتآلف والتعاون, فالفلاح لا يصارع الأرض, وإنما هو يعينها ويتساعد معها ليجعلها قادرة على استيعاب البذرة, والأرض لا تصارع البذرة, والبذرة لا تصارع الأرض, وإنما الأرض تساعد الحبة، وتربيها، وتعطيها الحرارة اللازمة حتى تتفتح تلك البذرة, تتلقى الجذيرات بحب وبوئام, وبرحمة, وتغذيها، والفلاح أيضا يساعد الأرض, و يساعد البذرة بالسقي, وبالتسميد وهكذا تقوم الحياة على التعاون لا على التصارع.
الزوج والزوجة يتعاونان في تكوين الخلية الأسرية, والبويضة والحويمن يتعاونان في تكوين الإنسان. المسلمون يتكافلون مع بعضهم البعض، والمؤمنون إخوة فهم يتراحمون مع بعضهم البعض, المؤمنون يتعاونون؛ الغني يشد أزر الفقير، والقوي يشد أزر الضعيف, والفقير أيضا يتعاون مع الغني, وهكذا يسير المجتمع بتعاون, وبمحبة وبتآلف لا بصراع, فنظام الطبقات يا أخي غير معترف به في شريعة الإسلام.
هذا الذي تسميه صراعا أو تسميه نظاما, أي نظام يجب أن يؤخذ من وحي الله, من القرآن أو من السنة المطهرة, حتى يكون تطبيقا وتنفيذا لحكم الله.
فالدعوة إلى الديمقراطية دعوة إلى نظام لا يأتي من وحي الله, بل يتعارض مع وحي الله, ويقوم أيضا على أساس نظرية الصراع ونظرية التحارب والتعارك, نحن نقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ولا نقول يتصارعون. فنظرية الصراع التي ذكرناها في الفلسفات الأوروبية وخروج الأنظمة الديمقراطية في الغرب أو أنظمة دكتاتورية البروليتاريا في الشرق قلنا إنه لا يمكن الجمع بينها وبين الإسلام بجهة من الجهات, والدعوة إليها إنما هو حرب ضد الإسلام من جميع الجهات.
سؤال: ما يجري في إيران من الانتخابات لاختيار رئيس الجمهورية أو أعضاء مجلس الشورى، ماذا تسمى هذه العملية؟
جواب: هناك خلط عند الأخ السائل، ليس معنى الحياة النيابية أن تكون ديمقراطية, وليس معنى الدول والشعوب والمجتمعات التي تنظم أنفسها على أساس جمهوري أن تكون بالضرورة ديمقراطية, ولو ذهبت أنت ووجهت سؤال إلى دولة الجمهورية الإسلامية في إيران هل أن دولة الجمهورية ديمقراطية؟ لقالوا لك لا، نحن لسنا ديمقراطيين ولا نؤمن بالديمقراطية, فالأخ عنده اشتباه في مفهوم الديمقراطية.
ليس معنى الديمقراطية أنها الانتخابات أو الجمهورية, وليس معنى الجمهورية أو الانتخابات أو المجالس النيابية أن تكون بالضرورة ديمقراطية.
الديمقراطية نظرية معينة لها أسسها, ولها فلسفتها, ولها أفكارها التي تقوم عليها, فمثلا في النظام الديمقراطي لو رأيت إنسانا يشرب خمرا لكنه لم يضر أحدا، لا يعيره أحد بالاً, لأنه في نظر النظام لم يرتكب جرما, فليس لك حق عليه, في إيران لو وقعوا على إنسان يشرب خمرا لجلدوه ثمانين جلدة, فإذن فرق بين الديمقراطية وبين الحياة النيابية.
الحياة النيابية إذا كانت على وفق الشريعة الإسلامية فجميع المسلمين سيؤيدونها, لكن إذا جاءت وفق النظرية الغربية فإننا لا نستطيع أن نؤيدها, ولا ندعو إليها, ولكن إذا صارت على رغم أنوفنا, سأشارك فيها، أشارك فيها حتى أدفع ما أستطيع دفعه من المفاسد, لا للإيمان بها والاعتراف بها, ولكن ليس معنى ذلك أن الانتخابات هي الديمقراطية، وليس كل انتخابات ديمقراطية, وليس كل ديمقراطية تأتي بالجمهورية, بريطانيا ملكية لكنها ديمقراطية. هولندا لا تزال ملكية لكنها ديمقراطية, وكثير من الملكيات ديمقراطيات, وهناك جمهوريات ليس فيها ديمقراطية, مثل بعض الجمهوريات العربية والإسلامية.
* محاضرة للشيخ سليمان المدني في 7 رمضان 1416هـ المصادف 28/ 1/ 1996م بجامع جدحفص
[1] النور: من الآية42
[2] النساء:65
[3] المائدة: من الآية44
[4] المائدة: من الآية47
[5] المائدة: من الآية45
[6] الأعراف: من الآية128
[7] النجم: من الآية23
[8] يوسف:108
[9] النحل: من الآية125