بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين. والسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون جميعا ورحمة الله وبركاته.
من الحقائق الثابتة عند أبناء البشر, والمرتكزة في أذهانهم ارتكازا لا يقبل التشكيك هو أنهم جميعا ينتمون إلى أبٍ واحد وأمٍ واحدة. هذه الحقيقة لا يختلف حولها الموحدون والملحدون, ولا تتضارب فيها آراء أتباع الأنبياء وأتباع الفلاسفة, وحتى أولئك الذين يقولون بنظرية التطور [الداروني] لم يحدثونا في يومٍ من الأيام عن أصول متعددة لبني البشر, ولم يحاولوا – كما جرت عادتهم – أن يستدلوا بهياكل حيوانات أخرى ولو كان من قبيل القردة العالية على أنها تمثل أصولا متعددة لأبناء الإنسان ؛ فأبناء الإنسان إذن كلهم يعودون إلى أبٍ واحد وأمٍ واحدة. هذه الحقيقة لا يدور حولها جدلٌ عند الناس.
كيف إذن نشأت عندهم أفكار القومية والعنصرية والإقليمية؟! وجعلتهم يتفاخرون ويتضاربون- ربما - بالسيف والمدفع في سبيلها.
لا شك أن تطاول الأحقاد على بني البشر أنساهم تذكر وشائج الرحم الأولى, وأنساهم تذكر صلة الأخوة بينهم وجعلهم يتشبثون بأجدادٍ وآباء هم أقرب إليهم من آدم عليه السلام, حتى لو اضطروا في ذلك إلى خلق أبٍ وهمي, أو جدٍ خرافي ينسبون أنفسهم إليه, وربما كان لتضارب مصالح بعض الحكام وبعض الزعماء دخل كبيرٌ في ذلك.
في القرون السالفة قبل الإسلام, كانت الدنيا بأسرها - إلا في حقب قليلة - تعيش حياة الحرب وحياة الخصام بين الفئات المختلفة من بني البشر على معانٍ تافهةٍ من أهمها معنى العنصرية, والدول التي كانت تقوم وتشاد إنما كانت تشاد وتؤسس على معنى العنصرية. فالفراعنة كانوا يعتقدون بأن سائر الشعوب, وسائر أمم الأرض, كلهم أقل درجةً من المصريين, ولا مانع لديهم من قتل من يسمونهم بالآسيويين, ولا مانع لديهم من إشادة الأهرام بسخرة أولئك الذين يسوقهم النصيب إلى دخول مصر ممن لم يكونوا من أهلها, على أن الحياة نفسها عندهم لم تكن على قدم المساواة بين أبناء القبيلة الواحدة, ولا شك أن الفراعنة يرون أن السلالة التي نزلوا منها أكثر رقياً وأعظم قدسيةً من سائر السلالات المصرية, وأن دمهم النقي الطاهر هو الذي يجعل لهم الحق في سياسة البلاد وحكمها. والآشوريون والكلدانيون والسومريون كل أولئك الأقوام لم يهدأوا لحظة في تاريخ حياتهم – بل في تاريخ دولهم التي قد تستمر قروناً – عن الحرب و سفك الدماء مع الأقوام الآخرين بدون هدفٍ سامٍ, وبدون مصلحةٍ تعود إلى البشرية, وإنما من أجل فرض سيطرة عنصرٍ على عنصر. والفرس أنفسهم كانوا يعتقدون أنهم أفضل شعوب الأرض, فالأكاسرة أفضل بني الإنسان. وهكذا الرومان واليونان, وجميع هذه الدول ليس لها من معنى وليس لها من هدف وليس لها من أساس تعتمد عليه في تبرير وجودها إلا أنها تنبثق من عنصرٍ يدّعى أنه يفوق سائر بني البشر رقياً وتقدماً وطيبةً وطهراً.
حتى أتباع بعض الأديان عملوا على تحريف الكتب المقدسة التي أنزلها الله سبحانه على رسله ليعطوها معنى قومياً أو عنصرياً. فاليهود حرفوا التوراة, وادعوا لأنفسهم أنهم شعب الله المختار وأن جميع البشر إنما خلقواً ليكونوا عبيداً لأبناء إسحاق عليه السلام, وأن كل ما عند الناس فهو لهم مباح, وإذا كانوا يعترفون بنوع من الاستقلالية لبني عمهم بني إسماعيل عليه السلام – كما تقول التوراة : "وأما أنت يا إسماعيل فيدك على إخوتك ويد إخوتك عليك" – فلأنهم يعرفون أن بني إسماعيل أيضا لن يخضعوا لهم. والنصارى أو مؤلفو الأناجيل حاولوا أيضا أن يصبغوا الديانة – التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على السيد المسيح – صبغةً قوميةً عنصرية تنحصر في شعبٍ واحد,– كما في الإنجيل - "إنما أرسلت لخراف إسرائيل الضالة", على ما في لفظ إنما من الحصر.
هكذا كانت الدنيا قبل نزول الدعوة الإسلامية على يد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله. وجاء الإسلام فدعى إلى نبذ العصبية العنصرية, وذكر الناس بأنهم جميعاً خلقوا من شيء واحد، ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ & ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِين & ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[[1]. إذاً فجميع الناس- لا فرق بين من يدعى الشرف لنفسه ومن يدعي الرفعة لنفسه وبين من يعترف لذلك الآخر أنه أشرف منه - كلهم جاءوا في الخلق من هذا الطريق, كلهم جاءوا من الأرض ومن الماء، وكلهم كانوا في صلب أبٍ واحد وأمٍ واحدة.
إذاً لا معنى لكل ما يدعى من تفوق عنصر على عنصر لأنه في الحقيقة لا يوجد إلا عنصر واحد هو عنصر التراب ممتزجاً بالماء, وجاء الإسلام بمبادئ أساسية لنبذ العنصرية و دعوة الناس إلى الوحدة كافة, فهم من حيث الخلقة من أصل واحد، وهم من حيث الوجود على الأرض جاءوا كلهم بطريق واحد، من أب واحد وأم واحدة، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[[2]، فالناس كلهم أبيضهم وأسودهم, قويهم وضعيفهم, متعلمهم وجاهلهم, كلهم يرجعون إلى آدم وحواء, وهذا هو سبب وجودهم على الأرض, ودعا إلى عبادة رب واحد, ]اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ[[3], واحد لا شريك له, فليس هناك إذن أرباب متفرقة حتى يحتاج بنو البشر إلى التفرق بسبب تفرق الآلهة, ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[[4]، فهو تعالى لا شريك له ولا شبيه ولا نظير ولا معين في خلقه, وأنزل شريعة واحدة هي شريعة الإسلام، ومنذ أول يوم نزل فيه البشر إلى الأرض صاحبتهم هذه الشريعة, ومشت معهم نبياً بعد نبي ووصياًَ بعد وصي, حتى جاء دور نبينا محمد صلى الله عليه وآله، ولم يتوقف سير هذه الدعوة لحظة واحدة، ولم تتخلف عن مواكبة البشرية آناً ما, ]كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ[[5], هذا الاختلاف في الدين إنما نشأ عند أتباعه بغياً بينهم وتعصباً على الحق وعناداً عليه, فهو سبحانه أنزل شريعة واحدة لا تتغير في أساسها, ولا تتبدل في أصولها وإن اقتضت ضرورات الأزمان وضرورات الأحوال أن ينسخ حكم جزئي أو يشرع حكم فرعي, هذه الدعوة هي في الحقيقة دعوة عالمية أممية وليست دعوة عنصرية أو قومية, والأمة التي قامت على أساس من هذه الدعوة ليست أمة قومية عنصرية, فالعرب الذين حملوا مشعل الإسلام إلى بقية شعوب الأرض وسائر أبناء الإنسان ليسوا إلا بداية لتكوين هذه الأمة, والشريعة الإسلامية ليست شريعة قومية خاصة بالعرب ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[[6]، ]إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ[[7]، فالآيات القرآنية كلها تؤكد على أن هذه الدعوة هي دعوة لكل بني الإنسان، وإذا كان رسولها الأعظم قد اختاره الله من بين العرب فلا شك أن في ذلك تكريما لهم إن اتبعوه, لكن ذلك لا يعني أن تكون رسالته رسالة عربية أو رسالة قومية عنصرية, ولا يعني أن الأمة التي قامت على أساس من هذه الدعوة هي أمة عربية أو أمة عنصرية, والدليل على ذلك واضح في تاريخ الإسلام نفسه, ففي بداية الفتوح لم نجد العرب يدعون لأنفسهم بأنهم أفضل من سائر المسلمين, ولم نجد قادة الإسلام وحملته, النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء الراشدين من بعده يدعون أن العرب أفضل من غير العرب, بل قامت الأمة الإسلامية بخليط من الناس, فهناك صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، وغيرهم كثير ممن ليسوا بعرب، كلهم ساروا على مسار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله, لا فرق بينهم ولا اختلاف ولا تبجح بالآباء ولا بالأنساب, ومضت الأمة في مسيرتها هذه حتى ابتدأت تنحرف عن جادة الصواب, وحتى أخذ التحلل يدب إلى أوصال المنظمة الإسلامية بفضل قيام حكومات الواقع التي أدت إلى تعطيل أجزاء كبيرة من الشريعة الإسلامية, هذا التحلل الذي دب في صفوف الأمة الإسلامية أفقدها وعيها الحقيقي برسالة الله التي كلفها بحملها, وأخذت تبتعد عن تطبيق تعاليمه سبحانه وتعالى في حياتها يوماً بعد يوم, فأصبح فيها ظالم ومظلوم, وأصبح فيها قوي وضعيف, وأصبح فيها مُسْتَضْعِفٌ ومُسْتَضْعَف, فابتدأت الأفكار الجاهلية تعود إلى أذهان المسلمين من جديد، وبرزت في أيام بني العباس الأولى, أو في الدولة الأولى لبني العباس قضية الشعوبية والقبائلية, مزدك وماني وزرادشت وغيرهم من سائر الملاحدة, استغلوا ضعف الأمة, واستغلوا تخلي الأمة عن جزء كبير من تعاليم دينها ليبثوا بين الناس الفرقة، وليدعوا إلى العصبية, فقامت قائمة الشعوبية، على أن كل شعوب الأرض أفضل من العرب, وهذه الدعوة الضالة لم تعالج أيضا بالطريق الشرعي, وإنما قوبلت بدعوى ضلال أخرى هي أن العرب أفضل من سائر الشعوب, ففتنة الشعوبية والقبائلية في الحقيقة دفعت الناس إلى المعاني العنصرية أو إلى الفكر العنصري من جديد، وأشعلت بين المسلمين ناراً بقي أوارها أكثر من قرنين, وأخذ كل مسلم يعادي المسلم الآخر لأنه تركي أو لأنه ديلمي أو لأنه فارسي أو غير ذلك, كما يعادي هذا الشعب ذلك الشعب من شعوب الإسلام, ومنذ ذلك الوقت, أي منذ قيام فتنة الشعوبية والقبائلية ونيران العنصرية لم تخمد في نفوس أتباع الإسلام جهلاًَ منهم بتعاليم دينهم أو تحللاً من الانقياد إليه, وجاءت دولة الأتراك المعروفة بالدولة العثمانية لتزيد في الطنبور نغمة، تفرق بين الناس، وتفرق بين السكان، فالأتراك سادة الأمة، يصل المواطن إلى مستوى معين في الدولة ثم يقف لأنه ليس بتركي, الأمر الذي جعل الدول الأخرى تستغله, وتستفيد منه كما سنرى في نهاية المطاف من هذه المحاضرة.
هذا بالنسبة إلى القومية في الشرق, الشرق الأدنى والشرق الأوسط, أما في أوروبا فبعد سقوط الدولة الرومانية وسيطرة الكنيسة البابوية على مقاليد الحكم في أوروبا, لم تكن هناك أفكار قومية بين الأوروبيين، وإنما انبعثت الأفكار القومية عند الشعوب الأوروبية حين تمكن النورمانديون من إعلان عصيانهم للبابا, وتأسيسهم دولة بريطانيا مستقلة عن سلطان الكنيسة, ثم جاءت الثورة الصناعية الكبرى التي أدت إلى ظهور دول ومجتمعات إقليمية، وأدت مصالح الزعماء ومصالح الأباطرة والملوك إلى إعلان العصيان على البابا واستقلال كل واحد منهم بصقع من أصقاع المسيحية ليحكمه, وعندئذ ظهرت الدولة الإقليمية أو الدولة القومية في القارة الأوروبية, هذه الثورة في الواقع لم تمهد للأوروبيين قيام الدولة القومية وإنما أوصلتهم إلى درجات كبيرة من التقدم الصناعي والقوة المادية بحيث طمعوا في إسقاط الدولة العثمانية, فماذا يستغلون؟ استغلوا الظلم العثماني والتمييز العثماني بين الشعوب الإسلامية ليذكوا نار الفتنة بين الأتراك وبين العرب، وبين الأتراك وبين الأفريقيين، وبين الأتراك وبين المسلمين الأوروبيين أيضاً, ونشروا الأفكار القومية بين الشباب والمثقفين على أساس أن هذا الظلم إنما نشأ وإنما وجد بسبب الاتحاد مع الأتراك في دولة واحدة، ولابد أن يكون لكل شعب من شعوب الإسلام منظمته الخاصة، وأن تكون له قيادته العليا المستقلة، وأنه لا مانع أن يتعاون مع غيره من شعوب الإسلام، وأن يتعاون مع سواه من دول المسلمين ولكن لا يتحد معها في قيادة، ولا يندمج معها في منظمة.
هذه الفكرة الجديدة للقومية انتشرت بين أبناء المسلمين، وجعلها الاستعمار سيفاً ليحارب به الأفكار الإسلامية التي تدعو إلى رفع ظلم العثمانيين وإلى التوحيد بين صفوف أبناء الأمة، ولقد اتفق الشرق والغرب على استغلال هذا السلاح، فالمعسكر الغربي استغل فكرة القومية لغرضين: إسقاط الدولة العثمانية, والحيلولة بين الشعوب الإسلامية وبين الانتماء إلى المعسكر الشرقي بعد قيام الشيوعية، ولينين نفسه وقد كان يطمع في أصقاع كثيرة من البلاد الإسلامية ويخشى أيضا من قيام وحدة إسلامية كبرى، تحرر الشعوب الإسلامية الخاضعة للاستعمار الروسي أكد في وصاياه على أنه يتبنى بالنسبة للأقطار المتخلفة تشجيع الأفكار القومية، وإنما يقصد بالأقطار المتخلفة أقطار الشرق الأوسط والأدنى.
فكرة القومية إذن في العصر الحديث عندما وجدت بين المسلمين إنما وجدت بدفع من الاستعمار الغربي بكلا شقيه، واستمر الأمر أو استمر الصراع بين الدول الأوروبية والدولة العثمانية، وكانت الشعوب الإسلامية هي أدوات اللعب في هذه الحرب حتى سقطت الدولة العثمانية بانتهاء الحرب العالمية الأولى، وبعد سقوط الدولة العثمانية وقيام دولة أتاتورك وسيطرة حزب الدونما اليهودي على تركيا، تمكنت كل الأقاليم الخاضعة للدولة العثمانية من أن تكون لها منظماتها السياسية الخاصة بها، أما معظم الشعوب فقد خضعت لاستعمار بريطاني أو فرنسي.
وفي هذه الفترة جاء أيضاً جماعة من العرب يدعون إلى الفكرة القومية باعتبارها سلاحاً موجهاً ضد الاستعمار الغربي، فالاستقلال هو مطلب قومي مهم، وعندما يطلق كلمة الاستقلال في مفهوم ذلك الجيل فإنه لا يعني أكثر من خروج الجيوش الأجنبية عن الأرض، ولا يعني أكثر من أن يتسلم جماعة منهم زمام السلطة في الإقليم، أو في القطر, الاستقلال عندهم ليس كما نفهمه اليوم أنه استقلال في الفكر وفي السياسة وفي الإدارة والعمل، ورأت الدول الاستعمارية أنها لن تتمكن من البقاء بجيوشها طويلاً فوق أراضي المسلمين، فرأت أن تسلم هذا الفريق قيادات الأمة في جميع الأقطار التي استعمرتها، التي احتلتها, فَوُجِدت الدول العربية الحديثة، على أن الاستعمار وهو يخشى أيضاً أن ينقلب سلاح العنصرية ضده بأن يتحد العرب جميعاً أو يتحد الهنود جميعاً، أو يتحد سكان أفريقيا الإسلامية جميعاً، أوجد أوضاعاً مختلفة في كل إقليم على حدة، الأوضاع القانونية، والاقتصادية والإدارية تختلف بين دولة عربية وأخرى وتكون سداً منيعاً وعائقاً كبيراً من أن يقوم حتى شبه اتحاد بينهما، إضافة إلى تشجيع أصحاب النزوات – الذين في نفوسهم شهوة الحكم – إلى التنافس والتصارع على حكم كل إقليم، ووجد التناقض- وأركز أنا على البلاد العربية لأن ما عشناه من أوضاع بين دول القوميين أنفسهم وما عايناه بأعيننا يكفي للاستنتاج عنه ونكون أكثر دراية به من درايتنا بأقطار أفريقيا أو الهند أو جنوب شرق آسيا أو غيرها من البلدان، كان الصراع أيضاً على أشده بين دول القوميين، بين الحكومات التي يتزعمها المنادون بالقومية، مما أدى أيضاً إلى أن تتبلبل أفكار الجماهير وتقترب شيئاً فشيئاً من الوعي على ذاتها والتعرف على حقيقة هذه اللعبة، وهكذا ظهرت فئات جديدة تطالب بالوحدة الإسلامية وتدعو إلى العودة إلى الحياة الإسلامية, ونبذ الأفكار الجاهلية والعنصرية, وهنا لا بد للقوميين من أن يحاولوا إثبات فكرتهم وأن يتشبهوا باليهود أيضاً في تحريف نصوص الكتاب, وفي تفسير التاريخ الإسلامي, فظهرت كتب جديدة تدعو إلى الاشتراكية العالمية والقومية العربية, وعلى الرغم ما بين العنوانين من تناقض, إلا أن المطالع في المكتبات لا يعدم وجود كثير من المؤلفات تحمل هذا العنوان, إذ لا علاقة للقومية بالاشتراكية, فالاشتراكية نظام اقتصادي، والقومية دعوة لا علاقة لها بالاقتصاد, ولا فرق بين الدولة القومية أن يكون نظامها رأسمالياً أو اشتراكياً أو شيوعياً أو غير ذلك من الأنظمة, وعلى الرغم من كل ذلك وجدت عناوين من هذا القبيل, ليس الغرض منها الاشتراكية, وإنما الغرض منها إيجاد تفسير جديد للحياة والإسلام يبث في أذهان الناشئة, فالتاريخ البشري عند هؤلاء يقوم على أساس اقتصادي, وأن هذا التاريخ مر على مراحل, إحدى هذه المراحل هو الإسلام, وأن الأمة العربية هي أمةٌ عريقة وقديمة موغلة في القدم وأنها هي التي تصنع الرسالات للأرض, وأنها أمة لا تنفك دائماً عن رسالة, وأن الإسلام هو أيضاً رسالة عربية نتجت عن الذات العربية في مرحلة معينة من الزمن, وأن محمداً صلى الله عليه وآله, الذي دعا إلى الإسلام, كان عبقرياً من عباقرة الأمة العربية, وحامل مشعل رسالتها، وإذن كان محمد صلى الله عليه وآله في زمانه كل العرب, فينبغي أن يكون كل العرب اليوم محمداً, ويمضي هؤلاء الكتاب في تحريف التاريخ الإسلامي حتى يقول الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه [الجذور التاريخية للقومية العربية] – على ما أتذكر – [إن التوحيد الذي دعا إليه الإسلام لا علاقة له بالتوحيد اليهودي أو المسيحي, لا علاقة له بالتوحيد اليهودي الذي يحظى ببعض الرعاية الفارسية, ولا علاقة له بالتوحيد المسيحي الذي تحميه الدولة الرومانية, وإنما كان توحيداً يعود إلى التوحيد السامي القديم].
هذا وأعتقد أن كذب مثل هذا الادعاء واضح لمن يكتفي بقراءة سورة البقرة من القرآن, فالنقاش والحوار الذي يجريه القرآن الكريم مع بني إسرائيل ومع أهل الكتاب جميعا بما فيهم النصارى, كله واضح يدل على أن الإسلام يدعي بأن أصول تلك الأديان كانت أصولاً حقيقية, وأن التحريف إنما دخل من حملة الكتاب بغياً بينهم, ولست أفهم إلى اليوم ماذا يعنيه الدكتور الدوري من التوحيد السامي القديم, فليست هناك دعوة دينية تعرف بالسامية, هناك دعوة عنصرية تعرف بالسامية ولكن لا توجد هناك دعوة دينية تعرف بالسامية. لقد كرر القرآن الكريم قصة موسى عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام في كثير من المواضع, وحاور اليهود ووصفهم بأنهم يغلون في دينهم, وأنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه, وأنهم لو جاءوا بالتوراة الحقيقية التي أنزلها الله على عبده موسى, لوجدوا فيها ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وآله، وعلى الرغم من وصف القرآن نفسه بأنه كتاب مصدق لما معكم, أي مؤكدٌ ومؤيد لما معكم من التوراة والإنجيل, يأتي هذا الرجل ويدعي أنه لا علاقة بين التوحيد الذي دعا إليه الإسلام والتوحيد الذي دعت إليه الأديان والشرائع غير العربية كشريعة عيسى أو شريعة موسى عليهما السلام, ويبرر ذلك، وهو لا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى وربما كان احترامه لنفسه أكثر من غيره من الكتاب, يبرر وجود الدولة القومية بأن القرآن الكريم لم يفترض أن يكون المسلمون كلهم دولة واحدة, وإنما افترض أن يكونوا دولاً متعددة, على أن تتعاون هذه الدول فيما بينها, وأن الإسلام لم يفترض أن يكون المسلمون كلهم أمة واحدة ومجتمعاً واحدا وإنما مجتمعات مختلفة وأمما مختلفة, على أن تتعاون فيما بينها.
ويقول [الدكتور محمد ياقوت] في كتابه القيم الذي عمله في القانون الدولي, إن النص القرآني يفترض قيام جماعات إسلامية ذات قيادات مستقلة ومنظمات خاصة, كيف؟ يأتي بالآية الكريمة وهي قوله تعالى: ]وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ[[8]، فيقول إن هذا النص إنما دعا إلى منظمة عالمية إسلامية تكون بمثابة جامعة للدول الإسلامية, أو جامعة للشعوب الإسلامية, ولم يدع المسلمين إلى وحدة حقيقية واحدة، أو اتحاد فيدرالي أو غير ذلك, لأنه افترض قيام الحرب بين الجماعات الإسلامية، وهذا يعني أن الإسلام يفترض وجود مجموعات مسلحة في ضمن الأمة الإسلامية, ووجود المجموعات المسلحة يقتضي قيام الدول الخاصة.
مسكين هذا الرجل لأنه عندما أراد أن يتكلم على هذه الآية الكريمة, لم يلاحظ الظرف التاريخي والواقع التشريعي للمسلمين, فأولاً إن المسلمين في بداية الأمر لم تكن لديهم جيوش من المرتزقة تأخذ أجراً شهريا, فالأمة بأسرها كانت مسلحة, لا يخلو إنسان من وجود السيف والرمح في بيته, ويندر أن يخلو منهما في ذلك الوقت, على أن المعاني العشائرية, لم تكن قد اندثرت في بداية الدعوة النبوية، ولا مانع من أن تشب حربٌ وفتنة بين عشيرتين أو قبيلتين أو فئتين وكل منهما مسلح, وكاد هذا أن يقع حتى في زمن الرسول صلى الله عليه وآله عندما قامت الفتنة بين المهاجرين والأنصار, وتناخى كل منهما بعشيرته ونسبه وامتشقوا السيوف, هذا هو الواقع التاريخي في البداية, وكذلك لم يلاحظ هذا الرجل الواقع التشريعي للآية على ما ينبغي، ومن أجل ذلك هو يفترض الفرض ثم يحمّله هذه الآية, على أن الآية من قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[[9]، كافية لأن تبين له المعنى من الآية التي حاول الاستدلال بها أو إقحامها في مجال بحثه, فهذه الآية يفهم منها ثلاثة أمور:
الأمر الأول أن أساس الحياة البشرية هي قيام الأسرة ]إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى[[10]، ولا شك أن الذكر بما هو ذكر يختلف في تكوينه البيولوجي وفي بعض خصائصه المميزة عن الأنثى بما هي أنثى, هذا الاختلاف في الحقيقة بين الذكر والأنثى هو الدافع الأساسي لاستمرار الحياة, وللتعاون في الحياة على تكوين الأسرة وإنجاب الأطفال وتربيتهم، هذا الاختلاف لم يستدع من البشر أن يتنابذ الرجل والمرأة أو يتضاربا أو يتفارقا أو أن يرفضا الاجتماع والتعاون بينهما.
]وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ[ أيضاً السكنى في مكان معين وفي ضمن مجموعة معينة أجيالا متعاقبة تكسب الساكنين خصائص إقليمية وخصائص فكرية، وخصائص ربما حتى جسمية، وحتى في اللون، حتى في اللسان تميزه عن خصائص الفئة الأخرى, هذه الخصائص الإقليمية أو الفكرية أو حتى الجسمية هي أيضاً بافتراقها عن الأقوام الآخرين مدعاة للتعاون من أجل إقامة الحياة على هذه الأرض, مدعاة للتعارف, فكما أن الاختلاف بين الذكر والأنثى هو السبب الرئيسي في استمرار الحياة الزوجية وتكوين الأسرة فكذلك هذا التمايز الذي يحصل بين سكان الأرض من بني الإنسان, ينبغي أن يكون هو الدافع لاستمرار الحياة التعاونية واستمرار الوحدة الحقيقية بين بني الإنسان.
]لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[[11], ليس هناك مقياس يقوم على أساس مكاني أو على أساس من اللون, أو من اللغة أو من غير ذلك, وإنما مقياس التفاضل بينكم ينبغي أن يكون هو التقوى.
فإذن هذه الآية لو كان قد لاحظها كما ينبغي أن يلاحظها لعرف أن تلك الآية لا تفترض وجود دول متعددة, على أنني أستغرب من أمثال هؤلاء الكتاب الذين يأتون بمثل هذه الآراء وهم بمنظر ومسمع من المسلمين ومما كتبه المسلمون طوال هذه الأجيال, إذ لم يَدْعُ أي مذهب ولا أي مفكر من مفكري الإسلام على رغم تباينهم وعلى رغم الاختلاف والتضارب بينهم بل على رغم التطاحن الذي حصل بين الفرق والمذاهب الفكرية والفئات الاجتماعية بين المسلمين, لم يأت عالم كلامي أو فقيه أو غير ذلك من أي فئة ليدعي أن الإسلام لم يفرض على أمته مجتمعاً عالميا واحداً, وإنما أجاز لهم التفرق والتشتت وعلى أساس عنصري.
الواقع أن هؤلاء الكتاب إنما يخدمون فكرة واحدة, هي محاولة تزوير الوعي الإسلامي الذي حصل في أعقاب الحرب العالمية الثانية, الوعي الذي انبثق بين شباب المسلمين للتلمس والبحث ذاتهم وللتطلع إلى واقعهم, وإلى محاولة النهوض بأمتهم, وهذا أمر لا يعجب الاستعمار الغربي بشقيه, فجاء هؤلاء ليخدموا هذا الاستعمار الغربي بشقيه, ومن أجل ذلك يختلفون في الدعوة القومية, فمنهم من يرى أن الوحدة القومية ينبغي أن تكون هي الوحدة النهائية التي لا تفصمها كف فاصم, ومنهم من يرى أن الوحدة القومية هي تمهيد للوحدة العالمية في نطاق الثورة العالمية أو الاشتراكية, وهذا ما يذهب إليه ميشيل عفلق في كتابه "في سبيل البعث"، فإذاً حتى الفكرة القومية عند ميشيل عفلق في الواقع هي فكرة مرحلية من أجل الوصول إلى الاشتراكية الماركسية والقيام بدولة أممية.
لكن ظني أن هذه الدعوات, وهذه الأفكار أصبحت اليوم تعرض كما تعرض المتاحف الأثرية, فالشباب الإسلامي تقدم عليها أجيالاً من الفكر سنين كثيرة، أصبح التباعد بين أصحاب هذا الفكر وبين الجيل الجديد في الأمة الإسلامية, خاصة في البلاد العربية كبيرا.
وفي إيران أيضاً وبعد الحرب العالمية الأولى جاء الإنجليز برضا شاه ليكون حاكما وداعياً إلى قيام القومية الفارسية محاولاً إحياء اللغة الفهلوية, معاقباً من يستعمل لفظاً من اللغة العربية, وما هو الهدف من هذه الدعوة التي قام بها رضا شاه؟, إيران لم تبتلِ بالاحتلال بجيش أجنبي كما ابتليت به بعض الشعوب الإسلامية حتى يمكن أن نبرر ذلك أو نفسر ذلك بأنه كان يريد أن يحارب الاستعمار على أساس من المعنى القومي, فالواقع أن رضا شاه لم يكن يقصد إلا وضع الحواجز النفسية بالإضافة إلى الحواجز المصطنعة التي جعلتها الفرقة الجاهلية بين سائر الشعوب, جاء هذا الرجل ليضع الحواجز النفسية بين الشعوب الإيرانية وسائر الشعوب الإسلامية، وبذلك ينعزل جزء كبير وقوي وغني جداً من الأمة الإسلامية عن أن يكون فعالاً ومتعاونا مع سائر الشعوب المحيطة به. وعلى هذا المنوال أيضا سار ابنه حتى أعلن في النهاية ما يسمى بالثورة البيضاء والتي تخالف في نصوصها الصريحة, التعاليم الأساسية والعقائد الضرورية للشريعة الإسلامية.
الفكر القومي إذن وجد في المنطقة بأسرها بدءاً بأتاتورك, وانتهاءً برضا خان مروراً بالقوميين العرب في معظم مدارسهم الفكرية إنما هو لتزوير الوعي الإسلامي الذي حصل للأجيال الإسلامية بين الحربين وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن كما قلت أصبح أيضاً الفكر القومي الفارسي بفضل الوعي أيضاً للجيل الإسلامي الجديد في إيران, كما أصبح هذا الفكر العنصري بفضل وعي الجيل العربي الجديد كله أمورا أثرية تقرأ في التاريخ ويقال حصل كذا وجاء شخص اسمه كذا كما نقرأ الآن عن الشعوبية والقبلية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة:
سؤال: مما أرسله المفكرون الإسلاميون وغيرهم تطور الفكر البشري, وهذا ما يثبته تاريخ الشعوب, والسؤال: ما هي العلاقة بين تطور الفكر والنزعات الوطنية أو الإقليمية والقومية والأممية؟ وما هو مستقبل هذه الدعوات في ضوء التطور الفكري؟
جواب: بسم الله الرحمن الرحيم, أعتقد أن جوانب من هذا السؤال قد مر جوابها في المحاضرة, إن تطور الفكر أو تاريخ الفكر البشري يسير بمعزل عن هذه الدعوات, فالدعوات القومية أو العنصرية. لا تعد تطوراً فكرياً, وإنما انتكاسة نحو الأجيال الماضية, ورجوع إلى عهد الفراعنة, وعهد بخت نصر ونمروذ وأمثالهم, ممن كانوا يحاربون من أجل أهداف عنصرية, وأهداف قبلية, وأما بالنسبة للأممية, فإذا كان معناها الوحدة البشرية, وإذا كان المقصود بلفظ الأممية الوحدة البشرية, فهي دعوة طبيعية, فالإنسان أخو الإنسان هو وإياه من أب واحد وأم واحدة, وأصل واحد, ولا بد أن يحنّ الإنسان إلى رحمه, وأما إذا كان لها معنى آخر, فأيضاً تعود إلى معنى جاهلي.
سؤال: هل الاختلاف في فهم الاستقلال بين إنسان الأمس وإنسان اليوم ناتج عن الاختلاف في وضوح الرؤية الإسلامية؟ فيكون الإنسان المسلم اليوم اكثر فهما للإسلام من سلفه؟
جواب: الاختلاف في فهم معنى الاستقلال يرجع إلى ظروف موضوعية, ليس كل أهل جيل أمس يعتقدون أو يفهمون الاستقلال بفهم مغاير لما نفهمه اليوم وإنما قلنا فئة اجتماعية معينة كانت ترى أن الاستقلال هو خروج الجيوش الأجنبية الرابضة على الأرض وتسلم زمام السلطة من قبلهم هم لا من قبل غيرهم أيضا ولا أكثر من ذلك, ومن أجل هذا نجدهم لم يعملوا شيئا تجاه القوانين والتشريعات التي فرضها المستعمر في تلك الأقطار وإنما أبقوها وساروا عليها وطوروها من خلال منبعها الأصيل وهو الفقه اللاتيني أو الفقه الفرنسي.
سؤال: ألا تعتقد أن مثقفي القوميين العرب أو الذين نادوا بالقومية العربية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية أكثرهم مسيحيون ومشكوك في أصل الفكرة التي ينادون بها؟
جواب: لاشك أن في هؤلاء الكتاب كثيراً من المسيحيين ولكنهم يسكنون في بلد إسلامي ويعيشون بين ظهراني شعب إسلامي, وهم لم يختلفوا أيضا عن القوميين الذين يعتنقون الديانة الإسلامية في شيء، لا في الأفكار التي طرحوها ولا في الأمور التي دعوا إليها, على أن هناك أيضا من الكتاب المسيحيين من دعا للوحدة العربية لتكون أساسا لوحدة إسلامية مثل أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب ومثل الدكتور بطرس بطرس غالي قبل أن يكون وزيرا أو عندما كان شبابا كانت أطروحته في الدكتوراه معنونة أيضاً بعنوان جامعة الشعوب الإسلامية, وهو يدعو فيها لقيام جامعة الشعوب الإسلامية, فإذاَ عندما نتكلم عن الأفكار أو عندما نتكلم عن هذه الأفكار المصطرعة لا يمكننا أن نميز في مجال ضيق مثل مجال المحاضرة بين أن يكون الكاتب من أبوين مسلمين أو من أب مسيحي أو غير ذلك، المهم أنه يكتب ويعيش ويتحرك ويفكر من خلال عقلية كانت سائدة عند كثير من ذلك الجيل.
سؤال: فضيلة الشيخ, يدعي القوميون العرب أن للعرب تاريخاً مشتركاً قبل الإسلام وبعده فما رأيكم في ذلك؟ ألا تعتقد أن الأمويين أول من دعا إلى القومية العربية؟
جواب: لاشك أن للعرب تاريخاً مشتركاً قبل الإسلام, ولاشك أن للعرب تاريخاً مشتركاً بعد الإسلام, ولكن وجود تاريخ مشترك قبل الإسلام وتاريخ مشترك بعد الإسلام لا يستدعي أن ينعزلوا عن بقية الشعوب الإسلامية أو أن يكونوا منغلقين على ذاتهم, وأما بالنسبة للأمويين فهم بدون شك عنصريون لا يدافع عنهم أحد في ذلك, بل قال في العقد الفريد إن ملوك بني أمية كانوا يرسلون أبنائهم ليعيشوا في البادية وقال في العقد الفريد أن بني أمية رأوا أن الإسلام قد قضى على دولة الشعر وأنه أقام مكانها دولة الخطابة فعملوا على تشجيع الشعر والشعراء لأنه يحفظ ديوان الجاهلية, ولاشك أن صاحب العقد الفريد أموي النسب وليس أموي الولاء.
سؤال: سماحة الشيخ, ذكرتم في محاضرتكم القيمة كلمة الشعوب الإيرانية بدل الشعب الإيراني فهل الشعب يفرّق حسب الاتجاه والعقيدة أم بوحدة اللغة؟
جواب: قلت ذلك لأني أتكلم في معرض الكلام عن القوميات أو عن الفئات, وإلا فأنا لا أعتقد أن هناك شعوباً أو أمماً إسلامية أو مجتمعات إسلامية, أنا أعتقد أن هناك شعباً إسلاميا واحداً وأمة إسلامية واحدة وإذا قلت مثلا العرب أو الفرس أو الروم أو غير ذلك كما أقول مثلاً أهل الدراز أو أهل جدحفص أو أهل المنامة يعني أن تمييزي هنا ليس للتفرقة فإنما هو للتحديد.
سؤال: هل أن جمال عبد الناصر هو الذي حرك النعرات القومية العربية بعد أن اندثرت بعد الحرب العالمية الثانية؟
جواب: كلا، فهو لم يكن سبّاقا في مثل ذلك؛ لكن عبد الناصر رأى أيضا أن يسير في التيار القومي لأنه قد ابتُدِع في ذلك الوقت نعرة جديدة وهي الادعاء بأن المصريين أمة منفصلة لا علاقة لها بالأمة العربية أو غيرها, وظهرت كتابات كثيرة في مجلات مصر في عام التسعة والأربعين والخمسين والواحد والخمسين والاثنين والخمسين؛ ومن أهمها مجلة الهلال وأمثالها تتكلم عن الأمة المصرية, وحتى أن أحد القوميين وهو ساطع الحصري ألف كتابا بعنوان [هل نحن مصريون أم عرب أم مسلمون] وألف كتاباً آخر بعنوان [العروبة أولاً] وكله دفاع عن فكرة أن المصريين أمة خاصة هي ليست الأمة العربية وليست جزءاَ من الأمة العربية وكان تيارا ضعيفا. والتيار الثاني في مصر الذي كان قويا والذي كان عبدالناصر يستطيع أن يعتمد عليه في ذلك الوقت وخاصة وهو يريد أن يضرب الإخوان المسلمين وينحيهم عن ساحة العمل الاجتماعي العام رأى أن يتوكأ على القوميين.
سؤال: ما هو الفرق بين الشعوبية والقومية من فضلك؟
جواب: الشعوبية حركة عنصرية في وقت معين وظرف معين وزمان معين, بينما معنى القومية أوسع، و قد يشمل القومية إذا أخذناها بالمعنى العنصري الذي قلناه والذي ناقشناه وحاورناه، فهو قد ينطبق عليها ولكنه يزيد, فمثلا الإنسان الذي لا علاقة له بالادعاء بأن جميع شعوب الأرض أفضل من العرب لا علاقة له بالشعوبية أيضاً لأنه لا يكون شعوبيا حتى يدعي هذه الدعوى؛ كما أن العربي حتى لو كان عربيا إذا لم يدع بأن العرب أفضل من كل الشعوب لا يسمى قبائليا في تلك الفترة، فإذا هي فكرة عنصرية، الشعوبية فكرة عنصرية في ظرف معين وزمن معين.
سؤال: هل هناك دور حقيقي للماسونية العالمية في ترويج الأفكار القومية لشعوب الشرق الأوسط؟
جواب: هناك دور حقيقي للصهيونية في ترويج الفكر القومي العنصري في الشرق الأوسط في الزمن الأخير, فنحن نعرف أن حزب [الدونما] التركي كله يتألف من فئة يهودية أظهرت الاسلام كان أحدها والد جمال أتاتورك, وأنها عملت على أن تفصل بين الشعوب الإسلامية وأن تدعو إلى العنصرية, وأن هذا الحزب عندما سيطر على الحياة في تركيا أمر حتى بنقل القرآن الكريم من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني, ومنع لبس الثوب العربي والعمة أو غير ذلك إمعاناً في إيجاد الحواجز بين الشعب التركي وسائر الشعوب الإسلامية, وهناك صورة تجمع بين ثلاثة من أقطاب العنصرية وهم أتاتورك ورضا خان وموسوليني يوقعون على ورقة, الله العالم ماذا تحتوي تلك الورقة التي أخذت لهم الصورة يوقعونها جميعاً, والجميع معروفون بعنصريتهم, فإذن اليهودية أو اليهودية العالمية في الحقيقة هي التي لها الدور الكبير في ترويج الأفكار العنصرية بين الشعوب الإسلامية, خاصة وأنها كانت تنوي وتزمع اغتصاب فلسطين؛ فلابد إذن من تحويل مسألة فلسطين إلى أضيق مجال يمكن, فلو أمكن نقل مسألة فلسطين من كونها مسألة عربية إلى كونها مسألة شامية لفعلوا, ولكن حيث لا يمكنهم ذلك ويتعذر عليهم أن يقنعوا بقية العرب بالتخلي عن قضية فلسطين باعتبارها مسألة شامية, عملوا على تضييق رقعة المسألة وجعلوها مسألة عربية, بالإضافة إلى أنهم لا يمكنهم السيطرة على سائر الأقطار الإسلامية وهي أقطار شاسعة ومترامية الأطراف وفيها مفكرون كبار, وفيها أيضاً من يعمل مخلصا ًللدين, إذا لم يجزؤونها إلى دويلات صغيرة يمكن السيطرة على كل دولة منها على حدة.
سؤال: قال الله تعالى: ]وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[[12]، السؤال: ماذا يعني هذا الجعل هل هو جعل تشريعي أم جعل تكويني؟
جواب: لا شك أن هذا جعل تكويني وليس تشريعيا, التشريع هو التعاون, أما كونهم يختلفون في اللغة أو اللون أو غير ذلك أو كونه من هذا الشعب أو تلك القبيلة, فليس بالتشريع وإنما بالجعل التكويني, وأن يتعاونوا وأن يجعلوا التقوى مقياسا لهم في التفاضل, هذا هو الأمر التشريعي, وتكملة الآية الكريمة.... ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[[13].
سؤال: إننا نفهم والله أعلم إمكان قيام كيانات سياسية متعددة وليس شرطا قيام كيان إسلامي موحد, تذوب فيه كل الحدود والحواجز, على أن اختيار إحدى السبيلين وحدة الكيان السياسي أو تعدد الكيانات أمر يقرره الأمر المعاش ساعة التفكير في الخيار, وأعتقد أن هذا الأمر أشار إليه سماحة السيد فضل الله في الموسم السابق.
جواب: تارة نتكلم عن الحكم في ظرف معين, وأخرى نتكلم عنه في عنوانه الأولي, فبالنسبة للحكم الشرعي في هذه الحواجز التي تفصل بين المسلم والمسلم, هذه الحواجز ليست شرعية, ولم يضعها الشارع المقدس، ولم يعترف بها, وأحب أن أقول للسائل أو أسأله سؤالاً واحداً, الإسلام يقرر أن الأرض المفتوحة عنوة, إذا كانت عامرة وقت الفتح, فهي ملك المسلمين, الذين حاربوا من أجل فتحها والذين لم يحاربوا, والذين كانوا موجودين وقت الفتح والذين لم يولدوا بعد؟ إذن فكل مسلم جعل له الشارع المقدس حقا في كل أرض فتحت عنوة بالسيف, ولو جئت إلى رقعة البلاد الإسلامية, لتستخرج منها الأماكن التي لا ينطبق عليها حكم الفتح تجد في الأيام القديمة المدينة المنورة والبحرين, والآن تضاف إليها أندنوسيا وماليزيا, أما بقية الرقعة الإسلامية فكلها فتحت بالسيف, وما كان عامرا منها وقت الفتح, أنا وأنت لنا حقٌ فيه, كما للساكنين هنا أيضاً حق, فبأي مبرر يمنع الإنسان أن لا يذهب إلى هناك وذلك المسلم لا يأتي إلى هنا, هذا بالنسبة للمواضع العامرة, وأيضاً الاسلام لما جعل النبي صلى الله عليه وآله حاكما على البشر, ألزم المسلمين جميعا باختلاف لغاتهم وباختلاف أقاليمهم أن يخضعوا لحكومته، وأن يسلموا إليه, فإذا كان هذا ثابتا للرسول صلى الله عليه وآله فهو أيضاً ثابت لخلفائه الراشدين, ويجب أن تكون القيادة الإسلامية العليا قيادةً واحدةً لكل المسلمين, هذا بالنسبة للحكم بعنوانه الأولي, ولكن قد توجد هناك ظروف معينه يكون المسلمون بسببها غير قادرين على إيجاد الوحدة وأنهم يضطرون إلى إبقاء هذه الحواجز التي وضعها الاستعمار، وهنا في هذه الحالة عليهم على الأقل أن يقيموا التعاون بينهم, والتراحم, وأن يعملوا بما أمر الله سبحانه وتعالى به, حيث قال: ]فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[[14], ينبغي إذاً أن يكون هناك تعاون, وتراحم بين المسلمين حتى في حالة وجود هذه الظروف القاهرة.
* محاضرة للشيخ سليمان المدني في آذار 1981م في جمعية التوعية الإسلامية
[1] المؤمنون: 12-14
[2] الحجرات:13
[3] البقرة: من الآية255
[4] الإخلاص
[5] البقرة: من الآية213
[6] الانبياء:107
[7] صّ:87
[8] الحجرات: من الآية9
[9] الحجرات: من الآية13
[10] الحجرات: من الآية13
[11] الحجرات: من الآية13
[12] الحجرات: من الآية13
[13] الحجرات: من الآية13
[14] محمد:22