طباعة هذه الصفحة

سلطة الحكم في الإسلام (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قلنا في معرض الكلام إن هناك سؤالاً يثور، وهو هل أن الإسلام جاء بدولة أو أنه نزل من أجل تشكيل دولة؟ وهل أن نبيه صلى الله عليه وآله حينما تولى أمور الجماعة المسلمة في المدينة تولاها باعتباره نبياً؟ أم باعتباره زعيماً وقائداً سياسياً؟ ولعلنا نضرب صفحاً عن الإجابة عن هذين السؤالين في الوقت الحاضر بعد أن كنا قد أجبنا عنهما في بحث الشخصية الدولية في وقت سابق اختصاراً للجهد من الضياع في الكلام عن الموضوع الذي نحن بصدده، إذ من الأجدى أن ندخل في موضوع المبادئ العامة للدستور الإسلامي مباشرةً.

ولنتكلم أولاً عن الدولة؛ مفهوم الدولة ومفهوم السيادة، وقد قلنا إن المعيار الموضوعي للدولة هو السيادة، فلا يزال تعريف الدولة بأنها حكومةٌ ذات سيادة أي أن لها السلطان على الرعايا التابعين لها في الداخل ولها حق تمثيلهم في الخارج. فما هو المعيار الموضوعي لمعنى السيادة في الإسلام؟

هناك مبادئ ثلاثة تشكل هذا الموضوع في الشريعة الإسلامية، وتجمل هذه المبادئ الثلاثة آية واحدة هي قوله تعالى: ]إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[[1]، فهذه الآية إذا أردنا أن نتعمق في تحليلها تحليلاً قانونياً نجدها تتكلم عن ثلاثة مبادئ:

المبدأ الأول: وينص عليه قوله تعالى: ]إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه[[2]، فالحاكمية المطلقة إذن هي لله سبحانه وتعالى وليست للأمة، وليست للسلطان، وليست لمن يتولى المنصب الإلهي في الأرض؛ الحاكمية المطلقة هي له سبحانه وتعالى، والحاكمية هنا معناها حق التشريع فلا مشرع سواه، وكل نظامٍ أو كل أمرٍ يصدر عن غيره وعمّن هو سواه فهو تشريع باطل ونظام باطل؛ فالسلطة التشريعية إذن منحصرةٌ بالله سبحانه وتعالى بموجب النظرية الإسلامية، وليس لبشرٍ مهما كان ذلك البشر نبياً كان أو خليفةً أو إماماً أو زعيماً أو عالماً أن يدعي أنّ له حق التشريع، أو أنه يضع الأحكام والنظم للجماعة الإسلامية، هذه الحاكمية المطلقة تعني أن ما ينفذ هو إرادة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يجوز أن تكون هناك إرادةٌ في مقابل إرادته، ولا تشريعٌ في مقابل تشريعه، ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[[3].

فإذن لا بد من التسليم بأن الحاكمية هي لله، وليست لنبيٍ ولا لوصي نبيٍ ولا لخليفةٍ ولا لإمامٍ ولا لزعيمٍ أو قائدٍ أو أياً كان، ليس له أن يأتي بشيء من عنده في هذا المجال، ]وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً[[4]، ]وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ[[5]، ويصف رسوله صلى الله عليه وآله بقوله: ]وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى & إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[[6]، ويقول عنه سبحانه وتعالى في آية أخرى: ]وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ & لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ & ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ & فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ[[7].

إذن المبدأ الأول في التكييف الدستوري لقيام الدولة الإسلامية اختصاص الحاكمية المطلقة لله سبحانه وتعالى، ويظهر وجه هذه الحاكمية كما قلنا ظهوراً بيناً في التشريع، والكتاب الذي أُنزل هو المظهر الأول للوحي الإلهي الذي يمثل الحاكمية المطلقة لله، والمصدر الثاني هو الوحي غير المنزل بطريقة التحدي وهو ما نسميه بالسنة؛ أي هي قول النبي صلى الله عليه وآله أو فعله أو تقريره، وإنما ننسبه إلى الله سبحانه وتعالى باعتباره وحياً إما بطريق الإلهام أو بطريق المَلَك، لكنه نزل لا على وجه التحدي ليكون قرآناً، نزل المعنى وحياً وصاغه الرسول صلى الله عليه وآله بعبارته الخاصة، وننظر نحن أيضا خصوص الشيعة إلى الروايات الثابتة – الأقوال الثابتة- لأئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بنفس هذا المعيار فهم تلقوا المعنى عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله، وعبروا عنها بنفس عباراتهم الخاصة بما يقتضيه فهم السائلين والمستجوبين.

إذن ليس هناك تشريع يقابل تشريع الله، وليس هناك حكم يقابل حكم الله، وعندما نقول مثلا في بعض الأوقات إن الحكم للأمة أو حكم للشعب فنحن لا نقصد  المعنى الديمقراطي الحديث من لفظة حكم الشعب، ذلك أن حكم الشعب؛ في الديمقراطيات الحديثة يعني أن الشعب هو مصدر السلطات كلها، فهو مصدر الحكم، أي مصدر التشريع، ومصدر التنفيذ، ومصدر المراقبة.

وفي التصور الإسلامي هذا أمر غير جائز، فليس للأمة حق التشريع، كما لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ولا لخلفائه حق التشريع وعندما نقول حكم الشعب فإننا نطلقه في مقابلة حكم الفرد، فكأنما هو نفي للدكتاتورية فقط، لا إيجاد شريك لله سبحانه وتعالى، كما أقول ملكي في مقابل أنه ليس ملك زيد وعمرو لا أنه في مقابل ملكية الله سبحانه وتعالى، فكذلك عندما نقول مثلا حكم الشعب أو حكم الأمة، فلا نقصد به أن الأمة لها حق الحاكمية، وعندما نقول مثلا حكم الرسول صلى الله عليه وآله، فإنما نريد أن ننسبه إلى موضع التبليغ، لا أننا نريد أن نجعل للرسول صلى الله عليه وآله أو لأحد من خلفائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين حق الحاكمية في مقابل حاكمية الله سبحانه وتعالى، ]إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه[[8]، والارتباط بين الأمة وبين الحاكم هو ارتباط العبودية، ]أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[[9]، وهذا هو المقصود بمفهوم الدين، يقول الشيخ محمد أمين زين الدين في كتابه [الإسلام ينابيعه مناهجه غاياته] في صدد تعريف الدين: "إنه بمفهومه ارتباط عبودية بين الإنسان وأنا أنقل عنه هنا بالمعنى ولا أنقل نصاً وإنما أنقل المعنى المؤدي إنه ارتباط عبودية بين الإنسان وخالقه" بهذا القدر.

فالدين المقصود هنا في هذه الآية هو هذا الخضوع، وهو هذا التسليم، وهو هذا الارتباط بالعبودية للخالق، فالله سبحانه وتعالى باعتباره موجداً للأرض التي هي قاعدة الخلافة، وباعتباره موجدا للإنسان الذي هو الخليفة، يرتبط به الإنسان ارتباطا تكوينيا، وباعتباره أيضا مشرعاً ومنظماً للحياة فوق هذا الكوكب للإنسان، يرتبط به الإنسان أيضاً ارتباطاً تشريعياً، هذا الارتباط التكويني لا يحتاج إلى نص عليه ذلك أن أحداً من الناس لا يستطيع أن يفر منه، فهو لا يجري بموجب إرادة البشر أن يخضعوا له أو ألا يخضعوا له، فلو أراد شخص من الناس أن يقول أنا لا أريد أن أكون من ناحية تكوينية مخلوقاً لله فإنه لا يستطيع أن يغير هذه الصفة مطلقاً، ولكن الإرادة البشرية إنما تختبر في الخضوع للإرادة التشريعية، فالإنسان بوصفه كائناً متوسطا أو جامعا بين صفات الحيوانية الأرضية وبين الصفات الملائكية يكون هو كائنا ذا إرادة، وبهذه الإرادة يستطيع أن يطابق الإرادة الإلهية فيكون مطيعا، ويكون خاضعاً، فيكون قد تلبس بمعنى العبودية، ويستطيع أيضا بهذه الإرادة أن يناقض الإرادة الإلهية فيكون عاصياً، ويكون منشقاً عن معنى العبادة، وعن مفهوم الارتباط العبادي الذي تفرضه هذه الآية التي نحن بصدد تحليلها، وهذا التشريع السماوي، التشريع الإلهي، إنما تكون الغاية منه هو حفظ المصالح الأساسية للبشر.

فواجب الجماعة الإسلامية في تطبيق عبوديتها وارتباطها بالمشرع الأعلى، للحاكم الأعلى، هو اتباع أوامره، والاجتناب عن نواهيه، ومعنى ذلك إقامة أحكامه سبحانه وتعالى في الداخل، والدعوة إلى سبيله في الخارج، فالأمة إذن الأمة المرتبطة، ونحن لا نقول الشعب كما في التعبير الوضعي ونقول الأمة هنا لأنه المفهوم القرآني؛ لأنه ليس شعباً محدداً بإقليم كما في معيار الدولة بالمفهوم الوضعي حتى نطلق عليه اسم شعب، ولذلك لا بد من إطلاق لفظ الأمة، فالأمة هنا إنما تقوم بواجب تطبيق هذه التشريعات في الداخل والدعوة إلى سبيل المبدأ في الخارج، هذا هو مفهوم العبودية الحقة، من دون نظر أو من دون ملاحظة أن هذه التشريعات الإلهية تنافي مصالحها الآنية أو تتفق مع مصالحها الآنية الملحة، ولا شك أن التشريعات الإلهية إذا طبقت على الحياة فإنها سوف تحقق المصالح الذاتية والجوهرية والحقيقية للجماعة البشرية، فالله يقول: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[[10]، وكون هذه التشريعات رحمة، يعني أنها سوف تحقق المصالح الجوهرية المطلقة التي تحتاجها الجماعة البشرية ككل فوق هذا الكوكب، ولكن ليس من حق الأمة أن تعطل حكماً من أحكامه تعالى بحجة أن المصالح الوقتية الملحة لا تسمح بتطبيقه، ومن أجل ذلك وصف سبحانه وتعالى أولئك الذين يخرجون عن هذا المجال بثلاثة أوصاف، فأطلق عليهم عنوان الكفر تارة، وعنوان الفسق ثانية، وعنوان الظلم تارة ثالثة، قال سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[[11]، ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[[12]، ]وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[[13].

فصفة الكفر إنما تكشف عن أن الإرادة اتجهت إلى مخالفة الإرادة الإلهية، وعن عدم إيمان خالص بها، فعندما تتجه الإرادة، إرادة الأمة، أو إرادة القيّم على الأمة إلى مخالفة الإرادة الإلهية عن قصد بعدم صلاحية الإرادة الإلهية في هذا الموضوع، أو في هذا الظرف، تكون المسألة مسألة كفر، خروج عن الارتباط العبادي بين الحاكم المطلق سبحانه وتعالى وبين الأمة، أما في الحالة الثانية، حالة الزَيَغان عن الإرادة الإلهية ومخالفتها بسبب النظر إلى المصالح الآنية الوقتية للأمة، والتضحية بالمبدأ على حساب حاجة وقتية وليست جوهرية فهو إنما يكشف عن فسق وانحراف، ولكنه ليس انحرافاً مبدئياً؛ ولذلك أطلق عليه سبحانه وتعالى عنوان الفسق، وإن كان الفسق في كثير من آيات القرآن يرادف معنى الكفر؛ لأن الفسق في اللغة العربية معناه الميل عن الطريق، والفاسق في اللغة العربية هو المنحرف، سواء كان هذا الانحراف انحرافاً بعيدا أو انحرافاً قريبا.

إذن ففي كثير من آيات القرآن يكون مفهوم الفسق ومفهوم الكفر واحدا، إلا أنه لما كان الموضوع واحداً مع تعدد الصفات ففي هذه الآيات الثلاث [ومن لم يحكم بما أنزل الله]، الموضوع واحد هو عدم تطبيق حكم الله سبحانه وتعالى مع اختلاف الأوصاف يكشف عن أنه سبحانه وتعالى لا يريد في هذا المقام أن يعبر عن الكفر بالفسق، وإنما يريد انحرافاً لا يصل إلى حد عدم الإيمان بالمبدأ، وأما في الآية الثالثة فهي أكثر وضوحاً حيث أنه سبحانه وتعالى وصف عدم الحكم بما أنزل بصفة الظلم، ذلك لأن الذي انحرف عن تطبيق حكم الله في تلك الواقعة أو في ذلك الظرف فهو إنما من أجل جلب مصلحة خاصة له، أو خاصة لفئة معينة، دون فئة أخرى، فإذن لا بد من أجل تحقيق الارتباط العبادي بين الحاكم المطلق وبين الأمة أن يكون هناك تضحية بمصالحها المؤقتة، وبمصالحها الآنية في سبيل المبدأ، في سبيل تطبيق ما أنزل الله سبحانه وتعالى، ذلك أن الله سبحانه أخذ على المؤمنين به أن يضحوا في سبيله بكل ما يملكون من أموال، ومن نفوس، ومن غير ذلك، فكيف لا يضحون في سبيله بمصالحهم الوقتية والآنية؟!

إذن لا يمكن الاحتجاج بتعطيل حكم من أحكام الله سبحانه وتعالى بحجة منافاته للمصلحة الوقتية، ذلك أن المصلحة الآنية في ضمن تحقيق المصالح الجوهرية للجماعة الإنسانية، ]ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[[14]، أي أن هذا الارتباط العبادي والتسليم بحاكمية الله المطلقة هو الدين، والدين بمفهومه اللغوي له عدة معانٍ، الدين بمعنى السلطان، والدين بمعنى المُلك، والدين بمعنى الحكم، والدين بمعنى القهر، والدين بمعنى الغلبة، والدين بمعنى الأمر.

ونحن إذا أردنا أن نصنف هذه المعاني يمكننا أن نضعها في مجموعتين رئيسيتين يكون لكل مجموعة من هاتين المجموعتين معنى عاما يشملها، فالسلطان والمُلك والحكم بمعنى واحد هو معنى الحاكمية، فبعد أن نص سبحانه وتعالى في صدر الآية بقوله: ]إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[[15]، فلا يمكننا أن نفهم أن لفظة الدين في ذيل الآية تقصد غير هذا الاتجاه من معنى الدين، فلا بد إذن أن ينحصر فهمنا في قوله تعالى: ]ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[[16]، في أن الدين بمعنى القهر والغلبة والأمر، والدين بمعنى القهر وبمعنى الغلبة وبمعنى الأمر يعطي معنى واحداً هو معنى الشريعة الحاكمة، أو المبدأ الحاكم، أو المبدأ السيد، خاصة وأنه وصف ذلك الدين بأنه القيّم: ]ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[[17]، ومعنى القيم المهيمن.

فإذن السيادة هنا ليست لبشر، السيادة في الأمة الإسلامية ليست لبشر، فلا تكون لرئيس الدولة ولا تكون للأمة، لا تكون لرئيس الجماعة، ولا تكون لنفس الجماعة كما في الفقه الوضعي، وإنما السيادة تكون للمبدأ، والمبدأ هو الشريعة المنزلة من قبل الله سبحانه وتعالى المتصلة به، ]ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[[18] أي بمعنى الدين المهيمن، الدين السيد، الذي له النفوذ، وله الغلبة، وله القهر، وله الأمر، وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذه الشريعة بالسيادة تارة أخرى في أول سورة الكهف حيث قال سبحانه وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا[[19]، ]قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ[[20]، أي مهيمنا وسيدا وليس لأحد أن يخرج عن غلبته وعن قهره وأن يخرج عن سلطانه وعن حكمه، فالسيادة هنا تكون لله سبحانه وتعالى، أولا وبالذات ولشريعته المنزلة على عباده ثانيا وبالعرض بعد اتصاف كونها نازلة من الحاكم المطلق الذي له الحكم وله الأمر وله الملك.

فمعيار السيادة إذن هنا يختلف عن معيار السيادة في مفهوم شرَّاح القانون الوضعي من أن يكون في البداية كان لشخص واحد هو الذي تكون له السلطة أو تكون له السلطنة، ثم بعد تهذيب هذا الأمر أصبحت السيادة للأمة أو للشعب الذي هو مصدر كل السلطات، بمعنى أنه أصبحت السيادة للدولة بعد أن كانت لشخص الحاكم، ففي المفهوم الإسلامي الحاكم البشري ليست له صفة السيادة بما أنه حاكم بشري، فإن السيادة والقيمومة على الأمة هو للمبدأ، والمبدأ كما قلنا هو الشريعة المنزلة من قِبَل الله سبحانه وتعالى، إذن ما هو دور الأمة؟ أليس لها دور موضوعي في إنشاء الدولة الإسلامية؟ الأمة لها السلطان، والسلطان هنا بمعنى الجهة التنفيذية الساهرة والعين المراقبة على تنفيذ أمر الله؛ فتعرف المفسد من المصلح في أنه ينفذ أمر الله أو يحول دون تنفيذ أوامر الله، ]وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ[[21].

فمعرفة المفسد من المصلح لا تكون بما يوجده من إنجازات ظاهرية مؤقتة، وإنما بالتزامه وخضوعه لسيادة المبدأ، أو خروجه وعدم اعترافه بسيادة المبدأ، والأمة هنا تكون هي المحاسبة وهي المراقبة لخلفائها وحكامها، تقومهم إذا اعوجوا وتهديهم إذا ضلوا، وتراقبهم حتى لا ينحرفوا عن المبدأ ويأتوا بأحكام من عند أنفسهم تفسد على الأمة غاياتها.

وواجب الأمة في هذا الحال هو واجب تنفيذي، أي أنها تسهر ليل نهار على تطبيق أحكام الله في الداخل، وتحمل مشعل الهدي الرسالي إلى ما حولها من الأمم، ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[[22].

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

*  هذه المحاضرة هي جزء من بحث طويل في دستور الدولة الإسلامية ضمن محاضرات شهر رمضان لعام 1980م إلا أننا لم نعثر منها إلا على هذا الشريط ونرجو أن ينشر البحث كاملا في المستقبل.

[1]  يوسف: من الآية40

[2]  يوسف: من الآية40

[3]  الأحزاب: من الآية36

[4]  الأنعام: من الآية93

[5]  النحل: من الآية116

[6]  النجم:3-4

[7]  الحاقة:44-47

[8]  يوسف: من الآية67

[9]  يوسف: من الآية40

[10]  الانبياء:107

[11]  المائدة: من الآية44

[12]  المائدة: من الآية47

[13]  المائدة: من الآية45

[14]  يوسف: من الآية40

[15]  يوسف: من الآية40

[16]  يوسف: من الآية40

[17]  يوسف: من الآية40

[18]  يوسف: من الآية40

[19]  الكهف:1

[20]  الكهف: من الآية2

[21]   البقرة:205

[22]  البقرة: من الآية143