بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
المقولة الثالثة التي طرحناها هي أن السلطان يكون للأمة، ويتجلى ذلك من اعتبار الأمة قاعدة شرعية لبيعة رئيس الدولة الإسلامية، ويتجلى ذلك أيضا من اعتبار الأمة مسؤولة عن التنفيذ، تنفيذ الأحكام، ويتجلى ثالثة في كون الأمة هي مناط التكليف بالأحكام، فلا بد أن نتكلم عن هذه الوجوه التي يتجلى فيها سلطان الأمة بشيء من التفصيل.
اعتبرت الشريعة بيعة الأمة لولي الأمر كالمركز العام في الحياة الإسلامية، وهذه البيعة تكون على نحوين، فهي تارة تكون بيعة انقياد، وتارة تكون بيعة اختيار، وبسبب أن الشريعة اعتبرت البيعة لولي الأمر من قبل الأمة ظن بعض الباحثين بأن الشريعة قد جعلت السيادة للأمة، وأن في الدستور الإسلامي تكون السيادة للأمة، ومن هؤلاء الباحثين [خلاّف]، الذي قال بأن السيادة في الدستور الإسلامي تكون للأمة، وتبعه أيضا الدكتور [محمد ليلى] في كتابه [النظم السياسية] حيث صرح بأن السيادة في الإسلام تكون للأمة.
وقد بينا فيما مر بأن السيادة شيء والسلطان شيء آخر، وأنه لا ربط للسلطان بالسيادة في مفهوم الإسلام، وأن السيادة إنما تكون للمبدأ المهيمن، وللقوي القهار سبحانه وتعالى. إذن لكي نتفهم مركز البيعة لا بد من دراسة البيعة التي حصلت في صدر الإسلام ونحلل عناصرها.
فالبيعة حصلت ثلاث مرات:
البيعة الأولى وهي التي أطلق عليها بيعة النساء، وهذه البيعة لا تتضمن أكثر من إعلان الإنسان إيمانه بالله ورسوله، والتزامه بأحكام الله وأنه لن يتعدى حدود الله إذ ورد فيها بأنه لا يزني، ولا يقتل، ولا يظلم، ولا يشرب خمراً، إلى غير ذلك من المناهي. وسميت هذه البيعة بيعة النساء لأن الغالب الذين أخذ عليهم البيعة فيها كانوا من النساء.
وإذا حللنا مضمون هذه البيعة نجدها أنها انقياد من الأمة؛ أي من المبايعين بالسيادة لله سبحانه وتعالى، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ[[1]، إلى آخر ما ورد من نص ورد في تلك البيعة، فإذن يبايعن على أنهن يؤمنَّ بالله ولا يشركن به، الإيمان بالله اعتراف منهن بالسيادة وبالغلبة وبالقهر وبالسلطان لله سبحانه وتعالى، -السلطان بمعنى الملك بمعنى الحكم وإلا سوف يأتي أن للسلطان معنى آخر قلنا أنه يكون للأمة-.
البيعة الثانية هي بيعة الرضوان أو بيعة الحرب وهذه البيعة أيضا ورد فيها كما في كثير من الروايات بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على حرب الأسود والأحمر، على أن نطيع الله ورسوله في يسرنا وعسرنا وفي نهضتنا وفي حالة تخاذلنا أو عدم قدرتنا.
فالبيعة هنا أيضا إذعان من المؤمنين من المبايعين لله ولرسوله بالطاعة والانقياد والتسليم، فهي في مضمونها أيضا تسليم بالسيادة لله سبحانه وتعالى، وانقياد تام لأوامره.
البيعة الثالثة وهي البيعة التي حصلت بعد الفتح، وهذه البيعة بايع فيها المسلمون كافة على أنه ليس لهم من الأمر مع الله ومع رسوله شيء، وهي أيضا تتضمن الاعتراف بحق السيادة والمولوية لله سبحانه وتعالى، وللرسول صلى الله عليه وآله باعتباره نائبا عن الله سبحانه وتعالى في الحكم.
هذا بالنسبة للبيعات التي لم تتضمنها وثائق مكتوبة في حين البيعة.
على أننا إذا رجعنا إلى الوثيقة الأولى التي قامت على أساسها الدولة الإسلامية الأولى، وهي في الحقيقة تمثل أول وثيقة دستورية لدولة النبي صلى الله عليه وآله، وإن سميت في التاريخ باسم الوثيقة وهذا هو الاسم الصحيح، ولا يزال في الدول الأخرى يطلق عليها اسم وثيقة الحقوق، يطلق على الدستور اسم وثيقة الحقوق. هذه الوثيقة نصت في المادة الثانية على أن الأمر والنهي لرسول الله صلى الله عليه وآله – بعد أن نصت في المادة الأولى على أن المهاجرين والأنصار أمة دون سائر الناس- نصت في المادة الثانية على أنهم يؤمنون بالله وبرسوله وأن طاعتهم وموالاتهم لله ولرسوله، ونصت أيضا في البند الثاني والعشرين منها كما هي مروية في سيرة ابن هشام على أنهم يطيعون من ولي عليهم كائناً من كان.
فهذه البيعة والتي هي البيعة الوحيدة المدونة في وثيقة موقعة من قبل المتبايعين، تضمن أيضاً الاعتراف بحق الربوبية وبحق السيادة لله سبحانه وتعالى وللرسول صلى الله عليه وآله باعتباره نائبا عن الله سبحانه وتعالى في تبليغ التشريع النازل منه وفي الإشراف على التبليغ.
هذه البيعات في مضمونها ليست على نحو الاختيار على رئيس الدولة، ولذلك آثرنا أن نطلق عليها اسم بيعة الانقياد أو بيعة الإذعان، والأصح أن يطلق عليها بيعة الإذعان، فالمبايعين يذعنون ويسلمون بأنهم لا يملكون حق السيادة وأنه مولى عليهم، وأنهم مَسُودون ومربوبون لله سبحانه وتعالى، ممتثلون لأمره، مذعنون بأن النبي صلى الله عليه وآله هو النائب عن الحاكم الأعلى، عن الحاكم المطلق سبحانه وتعالى في تبليغ التشريع والإشراف على تنفيذ هذه الأحكام.
أيضا إذا جئنا إلى بيعة الغدير نجدها بيعة إذعان وليست بيعة اختيار، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بعد أن أخذ يؤكد في الأسئلة والأجوبة الموجهة إلى القوم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ وإجابتهم بالإيجاب على هذا السؤال وإعلانه صلى الله عليه وآله أن من كنت مولاه فعلي مولاه، أي من كنت سيده فعلي سيده يثبت أن هذه البيعة بيعة إذعان.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
* هذه المحاضرة هي جزء من بحث طويل في دستور الدولة الإسلامية ضمن محاضرات شهر رمضان لعام 1980م إلا أننا لم نعثر منها إلا على هذا الشريط ونرجو أن ينشر البحث كاملا في المستقبل.
[1] الممتحنة: من الآية12