طباعة هذه الصفحة

معالم التحريف في الثقافة الإسلامية (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعود فنتابع موضوعنا, معالم التحريف الفكري في الثقافة الإسلامية, ونتابعه في ما أسميناه بتحريف المفهومات في العصر الحاضر, لأننا أوجزنا القول فيه في ليلة سابقة, وقد قلنا إن العصر الحاضر جاءت للمسلمين فيه تيارات فكرية من الخارج سببت حصول تحريف في كثير من المفهومات الإسلامية مما أدى إلى تشويش أفكار كثير من الناس, ولعل أهم هذه المفاهيم التي تحرفت على الإطلاق هو مفهوم الدين, فالدين كما يفهم من النصوص الواردة في القرآن المجيد أنه مبدأ، ومعنى المبدأ عقيدة ينبثق منها نظام, فهو إذن يشمل الإنسان عقلاَ ونفساَ وحياةَ وموتاَ, ولا يختص بجانب دون جانب، وهذا هو المعنى الذي يفهمه المسلمون من مفهوم الدين, فهم لا يفهمون الدين على أنه خاص بالأمور الاعتقادية أو بالأمور العبادية, أو بمناسبات الزواج أو بحالات الموت, وإنما يفهمون الدين على أنه مجموعة من الاعتقادات تنبثق عنها وعن الإيمان بها تنظيمات تنظم حياة الإنسان حتى تنزله قبره، ثم أيضاَ تحدد له طريقه وتوضح له مصيره بعد أن يموت.

في أوربا مرّ الدين بأدوار مختلفة، واكتسب معاني أخرى، على أن المفهوم العام في أوربا وخاصة بعد سقوط دولة الكنسية وقيام النهضة الحديثة في أوربا انصبغ مفهوم الدين بصبغة خاصة هو قصره على الاعتقادات والطقوس العبادية, بل إن بعض ألفاظ لغات أوربا لا يمكن أن يفهم منها شمول اللفظة- لفظة الدين - لما يشمل العبادات, كاللغة الإنجليزية، فاللفظة الإنجليزية لمفهوم الدين لا تزيد على معنى الاعتقادات, وبذلك تكون حتى الطقوس العبادية غير مشمولة لهذه اللفظة في اللغة الانجليزية, هذا المفهوم للدين في أوربا حصل نتيجة لحياة سياسية واجتماعية معينة, على أن كثيرا من رجال أوربا في الوقت الحاضر يميل إلى أن الدين لا يحتاج حتى إلى الاعتقاد, فـ[راسل] مثلا وهو فيلسوف إنجليزي معاصر يرى أن الدين لا يحتاج  في قيامه وفي وجوده وفي بقائه وفي استمراراه  إلى الإيمان بالله الذي هو أهم الركائز التي ينبني عليها مفهوم الدين, ففي كتابه الذي يسميه [لماذا أنا مادي] يقول إن الدين لا يحتاج إلى الإيمان بالله فإن الصلاة ذاتها تتضمن حسنا عقليا بالاضافة إلى كونها عملا أخلاقيا, ومشاركة اجتماعية, فلا داعي لأن أجشم نفسي عناء البرهنة وإثبات وجود الله حتى أذهب إلى الكنيسة أو أن أؤدي الصلاة, بل بإمكاني أن أؤدي الصلاة بناء على حسنها الذاتي من كونها عملا أخلاقيا ومشاركة اجتماعية حتى إذا لم يثبت وجود الله , إلى هذا الحد صار مفهوم الدين عند الأوربيين, هذه النظرة بدون شك لا تتلاءم ومفهوم الدين عند المسلمين, إلا أن الاتصال غير المنظم الذي حصل في القرن الماضي والقرن الحاضر بين الأمة الإسلامية والشعوب الغربية سبب أيضاَ تحريف مفهوم الدين عند المسلمين, ولم تكن عملية التحريف عملية عفوية، وإنما كانت عملاَ مقصوداَ وهادفاَ، فمن جانب حملت  المفاهيم الغربية والدعوة إلى الحضارة الغربية، ومن أجل ذلك نجد أن هذا المفهوم قد حرّف على أساسين متباينين, الأساس الأول الذي حرّفَ على أساسه مفهوم الدين عند المسلمين في بداية الأمر هو محاولة الفصل بين المواضيع الحياتية بين ما هو ديني وما هو ليس بديني، وظهر مفهوم [الدين لله والوطن للجميع] بكل أبعاده بين الشعوب الإسلامية, كما ظهر مفهوم أنه لا علاقة للدين بالسياسة، وهذا لاشك قصدٌ واضحٌ لتحريف مفهوم الدين في أذهان المسلمين, وعلى أساس من هذا التحريف بنيت الأوضاع والنظم والحكومات, ونتج عن ذلك وجود مجموعة كبيرة من القوانين الوضعية في باب المعاملات وفي باب الحدود والجنايات بعمومها, بل في كثير من البلاد الإسلامية سرى تطبيق هذا المفهوم الجديد على الحياة بإخراج موارد كثيرة من باب الأحوال الشخصية والمدنية من حظيرة الدين لأن يحكم بقوانين وضعية, فعلاقة النسب في تونس مثلا لا تنظمها الشريعة الإسلامية وإنما ينظمها قانون وضعي, والطلاق والزواج في إيران إلى ما قبل الثورة كان ينظمها قانون وضعي ولا تنظمها الشريعة الإسلامية, ومن أجل ذلك وجدت قيود على الزواج يفترضها القانون ولا يوجدها الشارع المقدس, بأن يدفع الرجل تأميناً معيناً من المال يودع في البنوك لمصلحة الزوجة عندما يحصل سوء التفاهم, وكذلك رفع إيقاع الطلاق من يد الزوج ومن يد الزوجة وجعله في يد القاضي إن شاء طلق حتى ولو كان الزوجان يريدان الإبقاء على العلقة الزوجية، وإن شاء لم يطلق حتى ولو كان الزوجان يصران على الفراق, وكذلك في تونس والمغرب ومصر وسائر البلاد الإسلامية، كثير من الأحوال الشخصية والأحوال المدنية أيضاً خرجت عن حظيرة تنظيم الشارع، بالإضافة إلى الموارد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأخرى، هذا الذي حصل إنما كان مبنياً على تحريف مفهوم الدين من أنه لا علاقة للدين بالعمل الاجتماعي وأن الدين إنما يختص بالطقوس العبادية وبأحوال الموت، والسعي الحثيث لإبعاد سائر جوانب الحياة عن حظيرته وذلك عن طريق الفصل بين الدين والسياسة، وتحويل المجتمع إلى سلطتين، سلطة زمنية وسلطة دينية على نحو ما يجري في بلاد أوروبا، التيار الثاني أيضاً الذي وفد من الغرب وتدخل أيضاًَ في مفهوم الدين في البلاد الإسلامية هي المذاهب الاجتماعية التي نشأت في أوروبا نتيجة للثورة الصناعية، ولا شك أن المذاهب الاجتماعية التي نشأت في أوروبا نتيجة للثورة الصناعية، تنتظم أيضاً في قناتين، قناة المذاهب الفردية، وقناة مذاهب التضامن الاجتماعي، ونجد هنا أن دعاة المذهب الفردي قد ركزوا كثيراً أيضاً في أن يشرحوا للمسلمين بأن دينهم يتفق مع المذهب الرأسمالي في الاقتصاد والمذهب الديموقراطي الغربي، أو مذهب الديموقراطية السياسية في الاجتماع وذلك بالتركيز على ما يوجد في الشريعة الإسلامية من نصوص تبين فيها حقوق الفرد تجاه المجتمع، وإنما كان الدافع لهم هو أنهم يصرون على إظهار، أو على التركيز على الفرد على حساب المجتمع، ومحاولة قسر تلك النصوص حتى يتسنى صبغ الدين بالصبغة الرأسمالية، فمثلاً نأخذ الآية الكريمة: ]لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين[[1]، يحاول دعاة هذا المبدأ بأن يجعلوها أنه من كرامة الفرد في الإسلام ألا يكون مجبراًَ على الالتزام بسلوك معين، بل هو حر، وأنه عندما يطبق هذا السلوك أو ذاك، يجب أن يكون عن اقتناع، ولا يقسر على شيء من ذلك، فمثلاً زيد يشرب الخمر، مالي وله، إنه حر في ذلك، لأنه لم يقتنع حتى الآن بالإقلاع عنه، وأنه لا إكراه في الدين، ولا شك أن هذا المفهوم من الآية مفهوم خاطئ، فالآية إنما تتكلم في حرية الاعتقاد ولا تتكلم في حرية السلوك، بمعنى أن الإنسان إذا بلغ راشداً، فهو حر في أن يؤمن بالله أو لا يؤمن حسب قناعته البرهانية، ولكنه إذا آمن بالله سبحانه ترتبت عليه أحكام المؤمنين، فالإنسان مثلاً حر في أن يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ونبوة سائر الأنبياء عليهم السلام وكذلك سائر العقائد الإسلامية، أو أنه لا يؤمن، فهو لا يجبر على ذلك بحد السيف إذا لم يكن متولداً من مسلمين أبداً، كالمسيحي مثلاً أو اليهودي أو الوثني أو غير ذلك، وإنما يجب إقامة البرهان له، ولا يقسر على ذلك قسراً، ولا علاقة للآية بالسلوك العملي، فإذا رضي الإنسان، أي إنسان بهذا الدين وجب عليه أن يقوم بجميع مقتضيات هذا الدين في سلوكه العملي، وإذا لم يقم بهذا السلوك فهو منحرف، وتقام عليه الحدود، وتقام عليه التعزيرات، وحتى لو ولد من مسلمين، فالمفروض فيه أن يكون مسلماً ولذلك يُحَدّ الخارج عن الدين حد الارتداد، ولا يعفيه قوله إنني لم أقتنع؛ لأن هذا إنما يأتي فيما إذا لم يكن متولداً عن مسلمين.

دعاة هذا المبدأ حاولوا تفسير حتى هذه الآية للاستفادة منها على إعطاء الحرية صبغة رأسمالية معينة حتى يتسنى لهم إقامة المؤسسات الرأسمالية  المالية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وهم في ذلك يحاولون تبرير هذه العملية بطريقة علمية، فكاتب كبير من دعاة هذا المبدأ يقول في كتابه الذي يسميه [العلم والديموقراطية والإسلام]، يقول هذا الكاتب "إن العلم لا يستطيع أن يبقى في مجال البحث عن الأمور الكلية معتمداً على الاستنباط الرياضي، ذلك أن مجال الاستنباط الرياضي، لا يصلح إلا للبحث عن الأمور الكلية، ولكن العلم إنما يعتني بالأمور الجزئية التي لا يمكن التوصل إليها إلا عن طريق التجربة وطريق الاستقراء، والعلم إنما يركز على الأمور الجزئية ولا يركز على الأمور الكلية"، وبعد أن ينتهي من إثبات هذه المقدمة، ينتقل أيضاً ليقرر بأن الدين الحق هو الذي يعتني بالفرد وليس بالمجتمع، ذلك أن المبدأ الذي يعتني بالمجتمع ولا يهتم بالفرد إنما هو مبدأ لا يعتمد العلم أسلوبا وطريقاً في الحياة، ثم يخلص إلى القول "والإسلام لما كان ديناً يعتمد العلم ولا يعتمد الاستنباط لذلك نراه يركز على الفرد، ويحاول دائماً أن يوجد الروح الخلاقة المبدعة عند الفرد عن طريق إعطائه الحرية التامة، وعن طريق رفع قيمته"، والدعوى في أصلها وهو أن الإسلام يعطي الفرد الحرية والكرامة ويبعث فيه الروح الخلاقة هو أمر صحيح، ولكن بهذه الصورة التي يراد منها صبغ الإسلام بصبغة مذهب لم يتولد من الإسلام، وإنما هو مذهب اجتماعي معين، نشأ في بلاد أخرى، هو هدف مغرض، ذلك أن الإسلام لا يحاول أن يرفع الفرد على المجتمع، ولا يحاول أن يعطي الفرد قيمته على حساب المجتمع، وإنما هو دائماً يوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، ويضع الحدود الكفيلة بحماية كلا المصلحتين، القناة الثانية التي حاولت أيضاً أن تصبغ مفهوم الدين عند الأمة الإسلامية بمفهوم غربي هم دعاة الاشتراكية، أو كما نسميهم دعاة مذاهب التضامن الاجتماعي، هؤلاء أيضاً عكسوا المفهوم على أولئك، وادعوا أن الإسلام دين عقلي وليس ديناً يعتمد على خوارق الطبيعة والمعجزات كما كان الأمر في الأديان السابقة من اليهودية والمسيحية، فالدين الإسلامي جاء بعد تطور البشرية، ومن أجل ذلك اعتمد في ثبوت نفسه وفي أصلحيته وجدارته على العقل، ولم يعتمد على المعجزات وخوارق الطبيعة، وطالما نادى القرآن على لسان الأنبياء، ]أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ[، ]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ[[2]، ]وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل[[3]، فهو إذن لم يثبت للأنبياء قوة المعجزة ولا خرق الطبيعة، وإنما اعتمد في اثبات الدين على التدليل العقلي، والغريب العجيب أن كاتباً كبيراً من دعاة الاشتراكية أراد أن يدلل على ذلك في كتابه بحديث في أصله مختلق، فزاده هو اختلاقاً، يقول في كتابه "ولقد حدث مرةً أن مات ولد للنبي في مكة، فصادف ذلك اليوم يوم كسوف الشمس، فخاف الوثنيون من هذه الظاهرة وظنوا أنها خارقة طبيعية، وأن محمداً سوف يخسف بهم، فسارعوا ليؤمنوا بسببها، ولكن الجواب جاء حاسماً من محمد، إن الشمس لم تنكسف معجزة وخرقاً، وإنما هي ظاهرة طبيعية، وأنه يجب أن لا تسلموا إلا عن طريق العقل"هكذا يكتب بكل صلافة مع أنه لو راجع كتب الحديث التي روت هذه الرواية، لوجد أن هذه الرواية إنما وردت في المدينة، على الرغم من أن هذه الرواية أصلها غير صحيح بالمرة، ولكن الذين وضعوا هذه الرواية وضعوها على أساس أن الحادثة حصلت يوم وفاة إبراهيم عليه السلام، وأن ذلك كان بالمدينة وليس في مكة حتى يتراكض الوثنيون للإسلام بناء عليها، هذا التيار أول عمل عمله هو محاولة تحويل الإسلام إلى مبدأ فلسفي بدل أن يكون ديناً سماوياً، فنفي الخوارق والمعجزات في إثبات النبوة وهو في حقيقته إنما يقصد به تحويل الدين الإسلامي إلى مذهب فلسفي كسائر المذاهب الفلسفية التي يصح أن يؤخذ به وألا يؤخذ به، ويبقى الناس أحراراً في ذلك، ثم يمضي هذا الكاتب والذي يسمى [همايون كبير] في استدلالاته على أن الإسلام لم يجعل قيمة  للفرد مطلقا، ولا يركز أيضاً على الاستدلال الجزئي وإنما على الاستدلال الكلي، ومن أجل ذلك رأى بأن الحياة الحرة الكريمة التي يجب أن يعيشها المجتمع ويتساووا فيها في الديموقراطية الشعبية لا يمكن أن تكون إلا بعد إزالة الفوارق بين الطبقات، حتى ينتهي صراع الطبقات، ومن أجل ذلك ركز على توزيع التركات في نظام الإرث وعلى الزكاة في أرباح الكسب، وكأن هذا الكاتب يريد أن يوحي بأن الإسلام هو ذاته المذهب الاشتراكي الذي يدعو إليه، ولا أريد هنا أن أشرح كل أبعاد نظريته وهي تقع في كتاب ضخم، هذه تيارات جاءت لتحريف مفهوم الدين وإعطائه صبغات معينة، فتارة يكون الدين عندهم تماماً مذهباً رأسمالياً في الاقتصاد والاخلاق والاجتماع، وتارة أخرى يصير مذهباً اشتراكياً قائما على الديموقراطية الاجتماعية، وأنه لا قيمة للديموقراطية السياسية ما لم يتحقق تكافؤ بين فئات المجتمع، وعندئذ فالمراد هنا إنما هو الديموقراطية الاجتماعية، والتيار الثالث طبعاً هو التيار الفلسفي الذي حاول أن يشكك في الأسس الإيمانية التي يرتكز عليها مفهوم الدين عند المسلمين، فمحاولة زعزعة العقائد في أذهان المسلمين والتشكيك مثلاً في وجود الله سبحانه، أو التشكيك في عصمة الأنبياء، أو التشكيك في كون القرآن كتاباً سماوياً، وأنه لم يكن من وضع بشر، أو أن الدين كان مرحلة من مراحل النمو والتطور البشري، وأنها قد انتهت، كل ذلك إنما كان لتحريف مفهوم الدين في أذهان المسلمين، وإبعاده عن الحياة العملية للأمة، حتى يتسنى للمبادئ الوافدة والأفكار الأخرى التي تخدم الاستغلال الأجنبي من أن تتمكن من إقامة مؤسساتها المالية والاجتماعية والسياسية  في ربوع المسلمين.

ومن المفاهيم التي حرفت أيضاً، مفهوم المساواة في القرآن الكريم، وهذا المفهوم أيضاً حُرِّفَ عن طريق المذهبين، مذهب الفرد والمذهب الاجتماعي، فالذين كانوا ينادون بالحرية السياسية للفرد، يقولون ما هي قيمة الإنسان أن يعيش في مجتمع لا يشارك في قراره أو لا يشارك في سير أموره وتسيير دفته، وما قيمة المال بالنسبة إليه أو شبع البطن، إذا كان فاقداًَ لهذه الحرية، وهم يرون أن الإسلام قد أعطى للفرد الحرية في وضع القرارات وفي صياغتها وفي عملها، وربما ضربوا مثلاً بأمور حدثت في التاريخ الإسلامي كالبيعة مثلاً، ويرى هؤلاء بأن المسلمين بدفع من دينهم، تركوا نبيهم ملقىً لم يغسل، وسارعوا إلى صنع  القرار للقيادة العليا في المجتمع، وكذلك يؤخذ من مثال الشورى دليلاً على تثبيت هذا القرار، بينما لو تفحصنا كتب الكتاب من الجهة الأخرى لوجدناهم أيضاً يحاولون أن يساهموا في تحريف مفهوم المساواة في الإسلام، فأولئك أيضاً يقولون ماذا يصنع الإنسان في حرية لا يكون فيها متكافئاً مع غيره في القوة الاقتصادية وفي القيمة الاجتماعية، وينفون عن الإسلام أيضاً أنه يرضى بتلك الحرية الفردية في دنيا السياسة أو دنيا الاجتماع، بل يرون بأن المجتمع في حد ذاته هو الذي يستطيع أن يحقق صلاحية الفرد، ولا شك أن الإشكال الكبير على الديموقراطية الغربية لابد أن يورد في مثل هذه الكتب وهو أن صوت الفرد لا أثر له، وإنما أثره بانضمام أصوات أخرى وعندئذ تفقد الديموقراطية معناها؛ لأن الفرد يعود خاضعاً لرأي الأغلبية، فإذا لا قيمة مطلقاً للحرية الفردية في السياسة، وإنما القيمة كل القيمة في الديموقراطية التي يتولاها المجتمع عن طريق مؤسساته وقياداته، ولا شك أن كلا المفهومين خطأ، فالإسلام في هذه الناحية لا يذهب هذا المنحى، ولا يميل إلى ذلك المنحى، ولا شك أن الفرد في ضمن قيادة حكيمة يكون راضياً بالعمل الذي يقوم به، يكون عاملاً خلاقاً منتجاً، ومشاركاً في تنفيذ القرار، وموحياً للقيادة بنوعية القرار الذي ينبغي أن تتخذه، فليس هناك ترجيح لجانب الفرد على جانب المجتمع، ولا ترجيح لجانب المجتمع على حساب الفرد، وأن المساواة إنما هي مساواة في الحقوق والواجبات، فجميع الناس سواسية أمام الله، وأمام الشريعة، ولا قيمة مطلقاً للفرد في هذا الدين بسبب العامل الاقتصادي أو بسبب النسب أو بسبب غيره من الأسباب الدنيوية، وإنما القيمة للفرد في هذا الدين إنما هي بالتقوى وبالطاعة وبالانقياد لله والإخلاص له والعمل له، والعمل من أجله ومن أجل عباده، ولم يقصد الإسلام في هذه المساواة أن تكون مساواة بين الأفراد في جميع الأشياء، إذ لا يمكن تحقيق ذلك حتى في البلاد التي تحكمها المذاهب الفردية، كما أن الإسلام وهو يرجح المصلحة العامة في غالب الأحيان على المصالح الخاصة التي تكون للأفراد، وذلك لأن هذه المصالح الخاصة لا يمكن أن تكفل، ولا يمكن أن تحقق وأن تحمى وتصان إلا عن طريق المصلحة العامة، وأنه لا بد من التضحية بالمصلحة الخاصة إذا كان لا يمكن صيانة المصلحة العامة إلا بالتضحية بها، وأيضاً لا يميل إلى ترجيح جانب المجتمع على جانب الفرد، بحيث يجعله قناً وخادماً للمجتمع دون أن يحقق ذاتيته، ذلك لأن الإنسان -أي إنسان- هو في حقيقته نسخة خاصة من جهة، ونسخة عامة مشتركة مع غيرها من النسخ في جهة أخرى، والإنسان لا يستطيع بحكم فطرته إلا أن يعيش متعاوناً مع غيره في إيجاد القوت والملبس والمسكن والأمن وغير ذلك من احتياجات الحياة، ولكنه في نفس الوقت يملك أحاسيس وأفكارا وشعورا ينفرد به عن غيره، وحتى لو وجد شعور عام بين أفراد كثيرة، كشعور الفرح أو كالشعور بالحزن وكالشعور بالرضى وكالشعور بالغضب فإن كل فرد من هؤلاء له لونه الخاص بالنسبة إلى ذلك الشعور العام، وله طعمه الخاص عنده، فالإنسان إذن كما أنه لا يتمكن إلا أن يعيش ضمن مجتمع، فكذلك له ذاتيته الخاصة، وإن المبدأ الذي يقوم على أساس التضحية بصالح المجتمع أو بصالح هذه الذاتية، هو ليس بمبدأ عادل في تحقيق العدالة الاجتماعية أو تحقيق سائر مناحي الحياة.

بقي أن أعود على بدء في الكلام عن دور العمل الإسلامي وقد تكلمت قليلاً عنه في الليلة الماضية، ما هو مفهوم معنى العمل، وما هو الفرق بينه وبين النظر، يعني ما هو الفارق المائز بين الفكر والعمل، ولا شك أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر السهل، ولنضرب مثلاً أن اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة يتناقشون في مسألة ما من المسائل الاجتماعية، فمثل هذا النقاش لا نسميه عملاً، وإنما هو مجرد  تفكير، لكن خطبة تلقى على عشرة آلاف شخص فتثير حماسهم يسمى عملاً، نعم لو جرى هذا النقاش في اتحاد طلبة أو جمعية أو في قاعة كبيرة، فهو أمر متوسط بين العمل وبين الفكر، هكذا حاول بعضهم أن يميز بين الفكر وبين العمل، والواقع أن هذا التمييز عليه مآخذ كثيرة، بعضهم يدعو أيضاً إلى عدم التفرقة بين الفكر وبين العمل، والحقيقة أنه لا يمكن أن نفهم المائز بين ما هو فكر وبين ما هو عمل إلا إذا قلنا بأن الأمور النظرية هي أمور فكرية وأنه في حالة تطبيقها على الحياة والسلوك يسمى ذلك عملاً، فمفهوم العمل إذاً هو تطبيق النظرية على السلوك وعلى السير والجري العملي، إذا أخذنا ذلك وجعلناه أساساً وأردنا بناء عليه أن نفهم طبيعة العمل الإسلامي وما يتطلبه من حيث الغايات والوسائل، وقد قلنا في ليلة سابقة إن بعض الناس ينادي بعدم الاعتناء بالوسيلة وإنما المهم هو تحقيق الغاية، وهذا في نظرنا، أو في نظر الكثير طريق مغلوط، خاصة في العمل الاجتماعي، ولا أريد هنا أن أتكلم عليه من الناحية الشرعية، فلا شك أن الوسيلة إذا كانت حراماً، حتى لو كانت الغاية واجبة، تنقلب بالعنوان الثانوي إلى غاية محرمة، لأنه لا يطاع الله من حيث يعصى، وإنما سأتكلم عليها أيضاً أو على خطئها من الناحية الاجتماعية، ذلك أن العمل الاجتماعي يختلف تماماً عن سائر الأعمال، والغايات الاجتماعية التي يراد تحقيقها ليست كذلك في مجال الغايات المادية والعلمية الأخرى، فنضرب المثال السابق الذي ضربناه من أن هدفنا في الوقت الحاضر أن نقيم مجتمعاً إسلامياً، ولذلك لا يجب أن نركز تركيزاً تاماً على التربية الروحية والفكرية والسلوكية للأفراد، وأننا يجوز لنا أن نتجاوز ذلك من أجل تحقيق هذا المجتمع، هذا المنطق مغلوط من الوجهة الاجتماعية، ذلك أن هؤلاء الأفراد الذين نريد أن نكوّن بهم المجتمع هم في الحقيقة هم المادة الاجتماعية، وأن الصورة الإسلامية التي نريد أن نعطيها للمجتمع سيكونون هم ضمن إطارها، وفرق بعيد بين الصورة التي تنطبق على الخشب بعد تكوينه كرسياً أو طاولةً، وبين الصورة التي سوف يتخذها المجتمع، فالخشب أو الحديد أو أي مادة أخرى، هي مواد جامدة لا تستطيع أن تؤثر في الصورة بعد تركيبها به، بخلاف المجتمع، فالمجتمع تتكون مادته من البشر، من الناس، والناس ليسوا مادة جامدة، وإنما هي مادة متحركة، مادة متفاعلة، فعندئذ إذا لم تكن هذه المادة متجانسة مع هيئة المجتمع فلا بد أن هذه المادة بتفاعلها الذي لا يتلاءم مع تلك الصورة والهيئة الاجتماعية أن تفجر تلك الصورة في يوم ما، وهذا ما حدث في سالف الأيام، وهذا هو السر الذي أوصلنا على ما نحن عليه اليوم، لا بأس أن أضرب مثالاً طوبائياً، لو أقيم مجتمع شيوعي، على أنقاض مجتمع رأس مالي، وأشرف القوام عليه ولنفرضها الدولة ولو كان ذلك ينافي المفهوم الشيوعي، لأن الشيوعية معناها لا توجد دولة، أشرفت الدولة عليه بالحديد والنار، وبكل أنواع القسر، إلا أن الأفراد وهم الغالبية، وغالبيتهم العظمى لا تعتنق هذه الفكرة ولا تحافظ عليها ولا تمتثلها في سلوكها، سوف تعمل للتخلص من هذا الإطار الذي يتنافى مع نفسياتها، إنما في يوم أو في سنة أو في مائة سنة، وعندئذ لا يعود الاستقرار والهدوء مخيماً على ذلك المجتمع، وسبب ذلك هو العلاقة العنادية بين هيئة المجتمع وصورته، وبين مادة ذلك المجتمع، بخلاف ما لو فرضنا أن شعباً ما أو فئة ما اقتنعت بفكرة ولتكن الشيوعية، وأقامت مجتمعها على أساس هذا الاقتناع، فإنه عندئذ لا يكون هناك تفاعل اجتماعي مضاد لتلك الصورة الاجتماعية، وكذلك لو أردنا أن نقيم مجتمعاً إسلامياً صحيحاً، بمادة بشرية ليست إسلامية صحيحة، وإنما هي تحمل نفسية مزدوجة بين الإيمان بالإسلام كفكر، والتشرب بالانحراف السلوكي، أي مخالفة الإسلام؛ مما يسمى في مفهوم الفقهاء الفسق، فلا شك أن هذا الانحراف في السلوك والذي سيكون التفاعل الاجتماعي بين فئات المجتمع وبين أفراده مبنياً عليه، أو على الأقل ستكون هذه الأمور أو هذا الانحراف دخيلاً في التفاعل ولو على نحو القسر، لا بد أن يؤثر في الهيئة الاجتماعية، فإذا تضخم هذا التفاعل الاجتماعي كم سوف يتمطط الغطاء الذي يحمي الصورة؟ سيتمطط إلى حد محدود ثم ينفتق، وعندئذ تزول الهيئة الاجتماعية وهذا ما حصل، فالمسلمون الأوائل، لم يكونوا جميعا مقتنعين بالإسلام، ولذلك بقي الانحراف السلوكي قائماً بينهم، وأخذت الصورة تتمطط، وأخذت الصورة في كل يوم ترق وترق وترق، حتى زالت الصورة الظاهرية للمجتمع الإسلامي، وعادت مجتمعاً لا يمكن إعطاؤه لونا معينا، أو صبغة معينة، أو صفة معينة أو اسما معينا، لا نستطيع أن نقول عن مجتمعنا في الوقت الحاضر إنه مجتمع إسلامي، ولا نستطيع أيضاً أن نقول عنه إنه مجتمع كافر، وكذلك لا نستطيع أن نصفه بأنه أي صورة اجتماعية معينة ليست له، السر في ذلك هو الازدواجية الموجودة في المادة التي يتكون منها هذا المجتمع، فليس المهم إذا هو تكوين الصورة الاجتماعية، حتى نعتبرها غاية الغايات، أننا نسعى لإقامتها حتى ولو كانت بمادة لا تلائمها مطلقاً، لا تستطيع أن تقيم مثلاً سريراً من القطن وتقول سوف أنام عليه، أو تقيم سريراً من الخوص وتقول سوف أنيم عليه رجلاً وزنه 60 كيلو، لا يمكن ذلك، لأنه لا يتحمل مثل هذا الضغط، كذلك الصورة الاجتماعية تتحمل ضغطاً إلى حد معين، فإذا زاد ذلك الضغط الناتج من تفاعل المادة الاجتماعية على الصورة، فلا بد أن تنكسر الصورة ولا بد أن تزول، فلا يمكن إذاً أن يكون العمل جارياً وأن يكون النظر هو إقامة مجتمع إسلامي بغض النظر عن المادة التي سوف تكونه، لأننا في الحقيقة ننقض غايتنا، إن الكلام عن الغاية، يستلزم الكلام عن الوسيلة، كما أن أي شي يمس الوسيلة، يمس الغاية في ذات الوقت، فالغاية والوسيلة متلازمتان، ويخطئ ثم يخطئ ثم يخطئ من يقول إنني سوف أقيم مجتمعاً علمياً يتكون من جهلة، لا بد إذاً للعمل أن يجري على أساس الملء الروحي والملء الخلقي والملء الفكري بالإسلام، فإذا وجدت المادة الإسلامية الحقيقية فسوف يتحقق المجتمع الإسلامي الحقيقي عن طريق لزوم النتيجة للمقدمات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤال: فضيلة الشيخ لو سمحتم أن تبينوا لنا مفهوم الحرية في كل من الإسلام والرأسمالية والاشتراكية؟

جواب: أعتقد بأن شرح مفهوم الحرية في هذه المبادئ الثلاثة يستلزم وقتاً طويلاً, وإن كان المقصود بالإيجاز فأعتقد أنه مر شرح ذلك أو شرح بعضه في أثناء المحاضرة, والخلاصة أن الحرية التي تدعو إليها الرأسمالية تتباين عن الحرية التي يدعو إليها الإسلام وذلك لأن الرأسمالية إنما تريد حرية الفرد في السلوك والاعتقاد وفي الكلام بغض النظر عن المبدأ الذي يقوم عليه المجتمع؛ ولذلك يقول بعضهم إن من حسنات الديمقراطية أن صدرها يتسع لمعارضيها ما لم يصل إلى حد الهدم, فالمبدأ الفردي إنما يدعو لحرية الفرد وتخليصه من القيود والضوابط الدينية والاجتماعية والخلقية وغيرها, وهو يرى أن النظرة الخلقية والنظرة الدينية والمصلحة الاجتماعية إنما تحمى وتصان عن طريق إعطاء هذه الأفراد الحرية, بينما في المجتمعات الاشتراكية أو في المذاهب الاشتراكية يرون بأن الحرية هنا هي فقط حرية المجتمع، وأما الفرد فليست له حريته؛ لا في الاعتقاد ولا في السلوك، وخصوصاً في السلوك الاقتصادي والإنتاج، ولا حتى في الاعتقاد الديني لأنه لا يجوز له أن يعبر عما يخالف النظرية العامة لذلك المجتمع، ولا يخالف أيضاً النواحي العقائدية التي تنبني عليها النظرية الاجتماعية، وأن الحرية هي حرية للمجتمع بأسره ممثلة في قياداته، وأما هو فليس له حرية, أما الفرد بحد ذاته فليس له حرية إلا في حدود الاختيارات الضيقة كاختيار نوع المهنة أو نوع العمل هذا إذا لم تقتض أصلاً مصلحة المجتمع بتوجيهه لاختيار مهنة معينة أو لإنتاج سلعة معينة، وأما لو اقتضت المصلحة بأن يوجه الفرد حتى بالنسبة إلى ذلك فإنه يفقد حريته.

سؤال: لقد انتشر الآن بين أفراد المجتمع وبسبب من يسمون أنفسهم بالعاملين للإسلام أن العمل ليس كما ذكرتم وأنه لابد أن يتعرض الفرد لجميع أنواع المعارضة كالسجن والتشريد وما شاكل ذلك، وإذا لم يقترن العمل بذلك فليس عملاً إسلامياً. فما هو رأي فضيلتكم في ذلك؟

سؤال مشابه أيضاً: هناك من يرى أن إصلاح المجتمع يجب أن يكون عن طريق التغيير الجذري، وهناك من يرى أن ذلك يكون عن طريق الترميمات الإصلاحية لبعض الأعمال المنحرفة. فأين يجد الإسلام مكانه من هذا الأمر؟

جواب: لابد أن يكون العمل متجهاً إلى التغيير الجذري وهو بناء الأفراد على أسس إسلامية  وملء نفسياتهم وعقلياتهم روحياً وعقائدياً، وتدريبهم أيضاً على السلوك السوي، وانتشالهم من مهاوي الإنزلاقات التي يتعرضون لها, هذا بالنسبة للشق الخاص بالسؤال الثاني. أما بالنسبة للشق الأول فأنا لا أريد أن أتعرض إلى فئة دون أخرى ولكني أقول إن العمل الإسلامي يجب أن يكون وأن يقوم على أساس شرعي صحيح، وأن يكون في حدود الموازين الشرعية وفي أطرها، وفي إطار الإسلام تماماً, وأن يكون نابعاً من الحكمة والتبصر في الدين, فإذا جرى العمل على أساس ذلك وتعرض الإنسان بسبب جريه الإسلامي على أساس من ذلك سواء لسجن أو تشريد أو ضرب فإن عليه أن يتحمله صابراً، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يعتبر عاملاً إلا إذا سجن أو قتل أو غير ذلك، هذا شيء غلط، وأيضاً التطرف والعمل بدون بصيرة أو حكمة والخروج على الموازين الشرعية كل ذلك يسبب أضراراً للمسلم حتى في دينه وعقيدته، وليس مطلوباً منه أن يخرج عن الموازين الشرعية حتى يتحمل الضرر ويقال عنه أنه مجاهد؛ لأنه عندئذ إنما يعمل من أجل السمعة وهذا ليس عملاً إسلامياً.

أسئلة ثلاثة تتفق في الهدف:

الأول: ما هي الأساليب التي يجب اتباعها  لدعم النتيجة المنسجمة مع المقدمات في المجتمع الإسلامي؟

الثاني: ما هي الحلول التي تراها ليكون المجتمع الإسلامي متكاملاً في جميع الجوانب؟ 

الثالث: لقد ذكرتم فضيلتكم أنه لا توجد الآن في مجتمعنا الإسلامي صورة موحدة حيث توجد الازدواجية فكيف يمكن إرشاد المجتمع؟ وبأي وسيلة؟

جواب: الوسيلة في ذلك هو التثقيف العام والتثقيف الخاص، فلا بد أن يتثقف الإنسان المسلم ثقافة إسلامية، وعندما نقول ثقافة نستعملها بمعنيين: معناها الفكري ومعناها السلوكي، عليه أن يثقف فكره إسلامياً أي يهذبه إسلامياً لتكون نظرته إلى الحياة نظرة إسلامية، وعليه أيضاً أن يثقف سلوكه أي يهذبه بتدريب نفسه على العمل الإسلامي، وكذلك أن يقوم هو بمساعدة غيره على هذا الأساس, فإذا استطعنا أن نثقف المجتمع وأن نملأه بالثقافة الإسلامية فعندئذ سوف يتحقق وجود المجتمع الإسلامي الذي يأخذ صبغة إسلامية، وهذا هو السبيل إلى العمل الإسلامي في الوقت الحاضر.

سؤال: تقولون إن المجتمع الإسلامي يجب أن يقوم على أسس فكرية وعاطفية، ولكن ما رأيكم فيمن يدعو إلى إثارة العاطفة الدينية لإقامة المجتمع الإسلامي وبعد ذلك يبدأ دور نشر الفكر الإسلامي؟

جواب: الإيمان الذي يراد من المسلم ليس إيماناً عقلياً كإيمان الفلاسفة, والإيمان الذي يراد من المسلم يجب أن لا يكون مبنياً على العاطفة فيكون كالشمعة الضئيلة في مهب الريح ما أسرع أن تنطفئ؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد وصف قوماً فقال: ]وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ[[4]، التطرف العاطفي دون أن يكون ذلك بدفع من عقيدة راسخة هو تماماً كالذبالة المشعة في الصحراء ما أسرع أن تطفئها الرياح الهوج العاصفة؛ لأن العاطفة تتغير دائماً بالأفعال الصادرة عن الإنسان وليس لها ثبوت، إنما تمليها الميول وتمليها النزوات وغير ذلك, أما الأمور المبنية على التبصر والتعقل والحكمة مع الاعتقاد الراسخ فهي التي تثبت ولا تزول وتتحمل ما يرد عليها من فتنة وغير فتنة، والمطلوب من المسلم أن يكون كالجبال الرواسي، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت عقيدته مالئة له عقلاً وعاطفة، على أن تكون عاطفته تبعاً لعقله لا أن يكون عقله تبعاً لعاطفته.

سؤال: هل شعار الدين لله والوطن للجميع شعار يتنافى والتعاليم الإسلامية ؟ نرجوا التوضيح.

جواب: بينا ذلك في المحاضرة، وقلنا إنه مفهوم غريب عن الدين وأن هذا المفهوم نشأ من صراع الدعاة إلى قيام الحركات الجديدة في أوروبا مع الكنيسة ومن أجل ذلك وُجد مفهوم الدين لله والوطن للجميع حتى يحددوا سلطة الكنيسة من التدخل في أمورهم العامة، وكانوا قد اعتمدوا على فقرة موجودة في أحد الأناجيل الأربعة: [اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله]، فمعناه أنهم استفادوا من هذه الفقرة بأن الإنجيل ذاته يقسم الأمور إلى سلطتين زمنية ودينية، وأن السلطة الزمنية يختص بها القيصر الذي هو عبارة عن الحاكم، وأن السلطة الدينية يختص بها رجال الدين، وهذا المفهوم بطبيعة الحال لا يتفق ومفهوم الدين في الإسلام فإن الله سبحانه وتعالى هو مالك الأرض والسماء وهو الذي أنزل الدين، فليس هناك وطن للإنسان ودين لله، وليس هناك ناحية من نواحي الحياة لم ينظمها الدين حتى نحتاج أن نقول: الدين لله والوطن للجميع، ثم ما هو مفهوم الوطن؟ مفهوم الوطن مفهوم غامض يمكن أن يُفسر بأشكال مختلفة، ماذا لو فسرنا الوطن بمعنى الجنة؟ وقلنا قوله صلى الله عليه وآله: "حب الأوطان من الإيمان يعني حب الجنة من الإيمان"، - فيندفع الإنسان للعمل - هذا تفسير صحيح أيضاً للوطن، الوطن لا يجب أن يكون هو الإقليم أو هو جهة ما من الأرض، بل أي جهة من الأرض يمكن أن تُسمى وطناً للإنسان، سواءً كان فيها أو لا يكون فيها، فأصلاً لفظ الوطن هو مفهوم غامض فكيف يُمكن أن نُدخله قسيماً للدين مع أن مفهوم الدين مفهوم واضح في أذهان المسلمين.

 

سؤال: ما رأيك في من يريد من الإسلام العقائد، ومن الرأسمالية الديمقراطية، ومن الشيوعية الجانب الاقتصادي؟

جواب: ]أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[[5]، هذا مثله كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ونحن نريد من المسلم أن يؤمن بالكتاب كله وأن يؤمن بالإسلام كله، وإلا فهو ليس بإسلامي، بل إذا أخذ هذه الدعوى عن اعتقاد وحاول نشرها بين الناس فنعتبره ضالا ومُضلا.

سؤال: معظم البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر تفصل الدين عن الدولة، فما دور المسلمين تجاه ذلك في نظر الإسلام؟

جواب: معظم البلدان الإسلامية لا تزال تسيطر عليها مبادئ وافدة من خارج الحدود الإسلامية، والرجال القوامون في البلاد الإسلامية كلهم أو على الأقل 99% منهم قد تثقفوا ثقافة غير إسلامية، وهم يعملون ويُديرون أعمالهم من خلال هذه الثقافة غير الإسلامية التي تشبعوا بها في الجامعات الغربية، سواء التي في بلاد الغرب أو الجامعات الغربية التي أُنشئت في بلاد المسلمين وصُرف عليها من أموال المسلمين، وواجب المسلمين هو تثقيف المجتمع وتثقيف الشعب وتثقيف أنفسهم بأن هذه الفكرة خطأ، وأن يدرسوا الإسلام ويعرفوا ما هو، وأن يكون لديهم مثقفون وقادة يفهمون الإسلام ويقدرون على تفهيمه.

سؤال: هل الماركسية تنفي وجود الدولة مطلقاً؟ وهل هنالك فرق بين الدولة والحكومة؟

جواب: طبعاً هذا السؤال لا يدخل في اختصاص المحاضرة لأن المحاضرة عن الإسلام, ولكن لا مانع أن أجيب السائل على ذلك, وهو أن الماركسية قسّمت التطور الاجتماعي إلى مراحل, يبدأ بصورة الملكية المشاعة ثم بملكية القبيلة ثم بالملكية الفردية وتتطور الملكية الفردية من المرحلة الزراعية البدائية إلى مرحلة الإقطاع إلى المرحلة التجارية ثم المرحلة الرأسمالية، وبعد المرحلة الرأسمالية تأتي مرحلة الاشتراكية وبعد المرحلة الاشتراكية سوف تأتي كما يقولون المرحلة الشيوعية، وفي المرحلة الشيوعية يستغني البشر عن وجود دولة أو حكومة تدير شؤونهم, هذا هو شرح المراحل التي يراها الماركسيون.

سؤال: قلت إن المناقشة الاجتماعية لم تعد عملا ً, حتى لو كانت المناقشة في إقناع شخص أو أكثر في قضية إسلامية؟

جواب: لم أقل ذلك على أساس أن يكون رأيا مُمَثَلا وإنما ذكرته في معرض الكلام نظراً لأن هناك من حاول أن يفرق بين النظر والعمل بذلك, وقلت إن هذا لا يخلو من مآخذ كثيرة, وأن الفرق بين الفكر وبين العمل هو الفرق بين ما هو نظري وما هو عملي, ولم أقل أنه إذا كانت المناقشة في الدين من أجل الوصول إلى معرفة الحق ليست عملاً, بل هي من أجلِّ الأعمال.

سؤال: هل يصح أن يطلق على الإسلام بأنه اشتراكي بغض النظر عن المذهب الاشتراكي الموجود حالياَ؟

جواب: كلا, لأنك لا تملك الإسلام حتى تسميه بما تشاء, الله سبحانه هو الذي أنزل الدين وسماه إسلاماً, ومن يخترع فلسفةً له أن يسمي فلسفته بما يشاء, ولكنك لا تستطيع أن تسمي الاشتراكية مسيحية, بل لا يرضى الاشتراكيون أن تقول ذلك، ولا يرضى المسيحيون, وكذلك لا يرضى الإسلام ولا المسلمون بأن تسمي الإسلام اشتراكية, وإن اتفق مع الاشتراكية في بعض المسائل, كما لا نرضى أن تسميه رأسمالية وإن اتفق مع الرأسمالية  في بعض المسائل, ذلك أنه يتوصل إلى هذه النتيجة من غير نظر أو التفات أو اهتمام بما تقوله الاشتراكية أو الرأسمالية, وإنما هو مبدأ معينٌ بذاته, بل يعتبر أن تسميته بذلك من باب التحريف أيضاً ومحاولة لتمرير أفكار غير إسلامية.

سؤال: من المفاهيم التي حرّفت مفهوم [القيادة], وبودي لو سلطتم  قليلاَ من الضوء على هذا التحريف.......

جواب: أعتقد أن مفهوم القيادة لم يحرّف, وإنما حرّفت العلاقة بين القيادة والقاعدة, وهذا لو أردنا الكلام فيه لكان احتاج  إلى محاضرة خاصة.

سؤال: لقد ذكرتم عن تكوين الفرد عقائدياً وروحياً, ولكن لم تذكروا عن تكوين الفرد من كل الجوانب ونضيف على ذلك ثوريا ً.......

سؤال: هل توجد للفرد حرية في الرأي العام؟

جواب: لا أستطيع فهم معنى كلمة الثورية إذا جردت بنفسها, وإنما الذي يهمني أن يكون الإنسان أو الفرد إسلامياً عاملاً للإسلام, سمّه إن شئت ثورياً أو [فوريا], أو متراخيا أو متكاسلاً أو تقدمياً أو رجعياً, المهم أن يكون معتنقاً للدين عاملاً لأجله بقدر طاقته, فهذا أسميه إنسانا إسلاميا عاملا سواء كان في نظر بعض الناس ثوريا أم لم يكن, أما لو كان متطرفاً يصرخ آناء الليل وأطراف النهار بالعمل له وهو لا يحاول العمل الجاد الحقيقي من بناء نفسه وبناء من يحوطونه على أساس من الإسلام فهذا مسلم غير رزين وغير عاقل.

سؤال: من هم جماعة أو مبدأ لا إكراه في الدين كما ذكرتم في المحاضرة؟

جواب: طبعا هم أصحاب المذهب الفردي المعروفين حالياً بالرأسماليين.

 

سؤال: متى يرتبط الدين بالسياسة؟

جواب: لا توجد حدود فاصلة بين الدين والسياسية.

 

 

[1]  البقرة: من الآية256

[2]  الكهف: من الآية110

[3]  آل عمران: من الآية144

[4]  الحج: من الآية11

[5]  البقرة: من الآية85

آخر تعديل في الإثنين, 29 مارس 2021