طباعة هذه الصفحة

الفتنة (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

إتماما لما مضى من حديث عن الفتن, نقول الفتنة في أصل اللغة واضح أنها الاختبار والامتحان, والفتن تعتبر امتحانا من جهة, ومن جهة أيضا هي ابتلاء. فعادة يكون الحدث الذي يشكل الفتنة كما ذكرنا سابقا مشتبها تماما أو متشابها تماما بين الحق والباطل, وعادة تنزلق في الفتنة أرجل شخصيات يكون لها موقع قدسي في القلوب, وتكون هذه الشخصيات موضع احترام من نطاق واسع من أبناء ذلك المجتمع تنزلق بالفتنة, وعندئذ تزيد الشبهة التي تلون والتي تغطي الحقيقة عن أفكار غالبية الناس.

وفي الأمم السابقة نجد أن الذين يقودون الفتن هم كبار شخصيات ذلك المجتمع كقوم موسى مثلا، فالذين قادوا فتنة العجل مثلا ليسوا بأناس عاديين في نظر بني إسرائيل, كانوا من كبراء القوم, ومن أجِلَّةِ الذين يعتبرون قد آمنوا برسالة موسى عليه السلام, انزلقوا في فتنة العجل وقادوا تلك الفتنة وصاروا ألسن دفاع عن [الحق]، وكذلك في المجتمع المسيحي. وكيف حدث أن انحرف هذا المجتمع عن إيمانه على الرغم من أن عدد أفراد المؤمنين في ذلك الوقت كانوا قلة, ولم تمض السنين الكثيرة حتى يتطاول العهد على الذين آمنوا بعيسى بن مريم, إذ لم تزد المدة عن الستين إلى خمس وستين سنة عندما ألغي العمل بالشريعة بين المسيحيين, وعندما حرف الإنجيل عند المسيحيين, لقد قاد بولس تلك الفتنة, وبولس في الحقيقة لم يكن مؤمنا بالمسيح في حياة المسيح, ولم يكن قد آمن على أيدي حواريي المسيح, وقد كانوا موجودين هناك, كان بولس من أشد الذين حاربوا السيد المسيح، وحاربوا المؤمنين بالسيد المسيح لمدة خمسين سنة أو أربعين سنة على الأقل, ولكنه في الأيام الأخيرة يرى أن حرب هؤلاء, وأن تقتيلهم, وتشريدهم, واستضعافهم, لن يؤدي إلى استئصال الإيمان من نفوسهم, فماذا يفعل بولس؟ هذه الفكرة تراوده وهو في كل يوم يقتل كثيرا ممن آمن من بني إسرائيل بالسيد المسيح.

ويأخذ بولس من الحاكم الروماني إذناً بالذهاب إلى دمشق لاستئصال المؤمنين فيها بالسيد المسيح, ولا تزال تلك الفكرة تراوده. كيف يمكن استئصال فكرة الإيمان بالسيد المسيح وتغييرها؟ وفي الطريق وهو ذاهب إلى دمشق تأتيه الفكرة المناسبة, فلماذا لا يدعي النبوة؟ ولماذا لا ينزل عليه الروح القدس وتكون مؤدى نبوته هو التبشير بالسيد المسيح، وحث الناس على الإيمان به, وبالتالي يلتف حوله المؤمنون بالسيد المسيح، ويستطيع أن يغير معالم هذا الدين في نفوس البشر, أليس هذا أجدى عليه وأسهل عليه من تتبعهم وقتلهم واستئصالهم, وربما اغتالوه في يوم من الأيام, القتل الروحي أسهل كثيرا من الاستئصال البدني, فيعمى الرجل -لا يرى- يصرخ في القافلة لقد جاءه الملاك جبرائيل وضربه على عينيه وأنه لا يرى شيئا، فيقاد في القافلة إلى أن يدخل دمشق ولا يذهب إلى الحاكم الروماني ليسلم إليه المؤمنين بالسيد المسيح لقتلهم, يبقى لأنه أصبح لا يرى, أصبح أعمى.

وفي اليوم الثالث تنفتح عيناه لأن الملاك جبرائيل نزل عليه مرة أخرى ومسح عينيه وقال له إن الله اختاره ليكون نبيا, وأن عليه أن يدعو إلى الإيمان بالسيد المسيح, لأن السيد المسيح هو ابن الله, وأن عليه أن يكرس نفسه لهذه الدعوة. وبدلا من أن يمارس عملية القتل الجسماني للمسيحيين يرجع إلى بيت المقدس كما يسميها اليهود إلى أورشليم, داعيا إلى الإيمان بالسيد المسيح بأنه ابن الله, ويأمر بحذف اسم موسى عليه السلام من الخطب، ومن المواقع التي يجب فيها ذكر الأنبياء, ويوقف الختان, ويقول لا داعي للعمل بالشريعة لأن الله أنزل الشريعة امتحاناً وابتلاء لبني إسرائيل, وأن ابنه ـ السيد المسيح ـ قد جاء وأنقذهم من هذا الابتلاء وهذا الامتحان, ولا داعي إذن للعمل بأحكام الشريعة مطلقا, وإنما الناموس أنزل لعنة لنا, أي أن الشريعة إنما أنزلت لعنةً وانتقاماً من بني إسرائيل لعصيانهم, وأما قضية الحلال والحرام فليس هناك حلال ولا حرام بل كل شيء طيب للطيبين, ويجتمع من تبقى من تلاميذ السيد المسيح وحوارييه ينادون بولس لهذا التكريس، ولمناقشته في هذا التكريس, ولمناقشته في إلغاء الشريعة, ولمناقشته في قضية الشرك بالله سبحانه وتعالى. فماذا يقول لهم؟ إن كنتم أنبياء الختان فأنا نبي الغرلة.

وهكذا يتغير الدين المسيحي, ويبقي المؤمنون الذين لا يتمكن هو من إقناعهم, المؤمنون الحقيقيون, الذين أدركوا السيد المسيح وسمعوا كلامه, فكيف يتخلص منهم؟ وأمر بسيط أن يتخلص منهم بأن يثير بني إسرائيل على المؤمنين بالسيد المسيح, وإذا ثاروا يقول لهم اخرجوا من المسجد إلى الجبال, اخرجوا من المسجد إلى البراري قبل أن يدرككم هؤلاء اليهود فيقتلوكم, وعلى الرغم من أن السيد المسيح أمرهم بأن لا يخرجوا من المسجد حتى لو قتلوا فيه, ولكنه لشدة الإرهاب الذي عمله خرج هؤلاء القوم خوفا وهربوا إلى الجبال وإلى البراري, فأدركهم الرومان من جهة وبنو إسرائيل من جهة, وأبادوا من أبادوا منهم, ومن تبقى لا يعرف مصيره, واسْتَمَرَّ القتل في تلاميذ المسيح و حوارييه ولم يبق منهم إلا برنابا الذي أصر عليه بولس أن يسافر معه إلى روما, وفي جزيرة قبرص افتقد برنابا ولم يعرف كيف مات, هل هو قتل أو هو مات.

وفتنة بولس طبعا لو لم يدخل فيها كثير ممن أدرك السيد المسيح، وعصوه بسذاجتهم لما أمكن إقناع المؤمنين بالسيد المسيح بها, ولكن كثيرا ممن أدرك السيد المسيح وآمن به في حياته ويظنه كثير من الناس قديسا انخدعوا بهذه الحيلة, وغالبية الناس الذين يغترون بالمظاهر فتحصل القدسية في أنفسهم لشخصيات لمجرد أنه أدرك فلان أو لمجرد أنه صاحب فلان, أو لمجرد أنه يلتقي بفلان، أو عاش مع فلان, فهذا تحصل القدسية له في النفوس, وعندئذ فما يتبعه هذا الرجل وما يقوله لا يُشَك في أحقيته فينزلقون في طريق الفتنة.

الفتنة التي حصلت في الإسلام أيضا كلها من هذا القبيل, فالصحابة مثلا هم موضع التقديس والتقدير والثقة عند جميع المسلمين، بل لا تزال الغالبية من المسلمين لا ترضى بالنظر حتى في أصل عدالة الصحابي، وترى أنه يجب التسليم بعدالته وفهمه وفقهه ومعرفته للدين ومن دون نقاش إلى اليوم, وعندما يتخذ الصحابي موقفا فهذا الموقف يكون لا غبار عليه عند كثير من الناس, والحمد لله أن تعريف الصحابي صار واسعا وفضفاضا حتى شمل الطلقاء وأبناء الطلقاء, وحتى شمل أولئك الذين حاربوا النبي والإسلام، وخاضوا المعارك ضده من بداية الدعوة إلى يوم الفتح, وحتى أولئك بجرة قلم اضمحلت الرواسب الجاهلية في أنفسهم، وأصبحوا قرآناً يمشي على الأرض, وبجرة قلم أصبح أبو سفيان وهو الذي يحمل راية الشرك وهو الذي يؤلب على الرسول صلى الله عليه وآله كل قبائل العرب وهو الذي يتحالف مع اليهود على قتله وعلى محاربته, مع كل ذلك أصبح أبو سفيان صحابيا لا يجوز حتى التشكيك في عدالته، فضلا عن التشكيك في فهمه للدين ومعرفته له.

وقد كان خالد بن الوليد سيف الشرك وحامي هبل, وبجرة قلم أصبح سيف الله لأنه حارب في اليرموك، ولأنه حارب في القادسية, كل شيء قد تبدل في جرة قلم.

وعندما يتخذ هؤلاء الرجال موقفا يكون عند كثير أو عند غالبية المسلمين هو الحق الذي لا يصح التشكيك فيه، ويكون هذا الموقف الذي يتخذه هؤلاء الرجال غشاوة على عقول الناس, ويجعل الحق باطلا والباطل حقا, ولا شك أنه ما منا شخص إلا التقى في حياته بشخص أو أكثر وهو يبرر ارتكاب عمله المحرم أو ارتكابه للعمل المستهجن لأن زيدا من الناس يفعله, وأن العالم الفلاني يفعله, والعالم الفلاني يقوله, ولا إشكال في أن هذه تكون شبهة وينزلق كثير في طريق الفتنة بسبب هذه الشبهة.

ولا تظنوا أن الشيعة أفضل من غير الشيعة في هذا الطريق, وإذا كان علي عليه السلام, وإذا كان الأئمة عليهم السلام قد ربَّوا من آمن بهم على أن لا يجعلوا لأحد غير من عصم الله عصمة, وعلى ألا يتخذوا دون المعصوم رجلا يصدقونه في كل ما قال ولا يحتملون فيه الخطأ إلا أنه على الرغم من كل ذلك فإن عقلية الإنسان الشيعي لا تزال تحمل أسباب الفتنة, وهي الوثوق التام في الرجال, وفي الشخصيات الدينية إلى حدٍ لا يحتمل فيه الخطأ, ومادام فلان هو الذي يقول ذلك فهذا لا بد أن يكون هو الحق, ومادام زيد يتخذ هذا الموقف فهذا الموقف هو الحق, ويتحول الدين وتتحول الشريعة إلى أنها تؤخذ من مواقف زيدٍ أو عمرو، ومن أعمال بكرٍ أو خالد.

فالشيعة, إذا كانوا قد نجوا من تقديس الخلفاء و تقديس الصحابة فإنهم قد وقعوا في تقديس الفقهاء والمجتهدين, بل وقعوا في تقديس العلماء بجميع مراتبهم, وأصبح العلماء عند تابعيهم لا يصح احتمال الخطأ فيهم. ولا يصح عرض مواقفهم وكلماتهم على الشريعة ذاتها, فينظر هل هي مطابقة فتقبل؟ أو هي مخالفة فينبه هذا الإنسان على أنك قد خالفت الشريعة وأن عليك تعديل موقفك؟

طبعا كثير من الناس يقع في الفتن بسبب تقديسه للعلماء, وبسبب تقديسه للفقهاء, وبسبب تقديسه للمجتهدين.

والفتنة كما قلنا أسبابها هو ما يشبه على العقل بين الحق وبين الباطل, وما هو الحق وما هو الباطل؟ في محاضرة الأسبوع الماضي وفي آخر سؤال رجل يقول إنه حائر وذلك بسبب اختلاف فتاوى الفقهاء فمنهم من يؤيد ما يحدث في البحرين ومنهم من يراه حراما. وهذه الحيرة عند أخينا لا تزال تعتبر صحة, لأن غير الصحيح أن ينظر ماذا يرغب في نفسه فإذا حصل ما يؤيد ذلك من الفقهاء اتبعه وقال هذا هو الحق, فإذا كان يؤيد في نفسه ما كان يجري فما كان يجري هو الحق وقد أيده فلان, وإذا كان هوى نفسه مخالفا لما يجري فإن هذا الأمر حرام وقد أعلن ذلك فلان, من دون النظر؛ فقوله أنه يحتار هذا دليل صحة, و أن عقله لا يزال يفكر وأنه لا يزال قادرا على تقليب نظره لمعرفة الحق من الباطل, معناه أنه لا يزال قادرا على الخروج من الفتنة, هذا مثل من الأمثال, والذي يجعل هذا الأخ أو غيره يحتار في هذا الموضوع لأنه يتعجب في نفسه كيف يختلف العلماء في هذا الموضوع, أو الذي يجعل هذا الإنسان ينساق انسياقاً تاماًّ لمجرد وجود كلمة تقال عن هذا الموضوع طبعا هو الوثوق في العلماء, وعندئذ لا ينظر إلى هذا العالم ومدى اتصاله بالبلد, ومدى معرفته بما يجري, ومدى تطبيق كلمته أو كلماته على ما يجري, وهل أن كلماته تطابق ما هو الواقع وما هو الجاري.

هناك بعض المنشورات التي وردت وتتحدث عما يدور في البحرين وتقول إنهم جماعة يطالبون بتطبيق الإسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, طبعا عندما أقرأها في ورقة هذا العالم ماذا أعرف؟ ماذا يتبين لي؟ ما يتبين هو أن هذا العالم لا يعلم بما يجري في البحرين، وأن الذي قد سأله قد غشه, لأنني أنا أعيش في البحرين, فما يتكلم عنه هذا العالم من أن القوم يطالبون بتطبيق الإسلام أعلم أنا عدم صحته, وإنما هم يطالبون بتفعيل الدستور, وإعادة المجلس الوطني, ولا يطالبون بتطبيق الإسلام. وهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لأنهم رأوا وسمعوا كل ما يجري على المؤمنين من حرق أموال ومن إتلاف ومن تفريق ومن غير ذلك, ولم يحصل أي شجب من أي إنسان منهم، ولا تزال المنكرات جارية في كل مكان ولا يزالون يبررون ويؤولون لهذه المنكرات الجارية في كل مكان.

فإذن عندما يقول أحد العلماء البعيدين عن البلد إن هؤلاء القوم يدعون إلى تطبيق الإسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ أعلم أنه على أحسن الفروض لم يطلع على ما يجري في البلد, وأن الذي سأله قد غشه. هذا على أحسن حال، وإذا كنت أريد أن أبقي ثقتي في ذلك العالم مثلا؛ ولأنه من كلماته يظهر أن ما يقوله ليس ما هو جاري, ولكن إذا كان هوى النفس مع ما يجري فإنك تجد أن الإنسان يندفع اندفاعاً تاماً مع ما يجري, لماذا؟ لأن للهوى هيمنةً وسيطرة مما يجعله يريد مجرد المبرر ومجرد المعذر حتى ينزلق الإنسان في الفتنة.

خذ لك مثلاً علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه, نرى أنه لا يختلف اثنان من المسلمين على رواياتٍ قالها النبي صلى الله عليه وآله في علي؛ منها حديث الدار والإنذار، وآخرها حديث الغدير مثلاً, ولا يختلف اثنان من المسلمين على صحة هذه الروايات, وهذه الروايات مؤداها باللغة العربية أنها تجعل علياً هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله, وأنه الوصي الأول, وأنه القائم مقامه؛ ولكن الغالبية من المسلمين إلى اليوم لا يقولون ولا يعترفون لعلي عليه السلام بهذا الحق، لماذا؟ لأن الصحابة أبَوْا على علي عليه السلام أن يأتي أول القوم في هذا المنصب, ولو تمكنوا أن لا يأتي أبداً لفعلوا, ففعل الصحابة - كما قلنا والنظر إلى الصحابة وإلى عدم جواز مناقشة مواقفهم أو كلماتهم أو أعمالهم - باعتبار أنهم الحجة على الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كما يدعون لهم, أبوا على علي ذلك, ولو كان هذا الأمر حقاً لعليٍ لما أبوا عليه, وهكذا تشكلت الفتنة.

هل صحيح أنه لمجرد أن هؤلاء القوم اتخذوا هذا الموقف أبى الناس على علي ذلك؟ ربما يكون هذا صحيحا في زماننا ولكن في زمان الصحابة ليس كل هذا صحيحا؛ لأن علياً عليه السلام ومن معه من الصحابة أيضاً صحابة, وإنما لوجود الضغائن, ووجود الأحقاد, على علي من جهة وعدم الرغبة النفسية الحقيقية في مجيء علي إلى المنصب من جهة أخرى توجد المبرر, وتوجد الرغبة الشديدة في أن لا يأتي، وتقبل كل معذرٍ وكل مبررٍ لعدم مجيء علي عليه السلام.

فالفتنة إذاً حتى يكون السبب الخارجي الذي قلنا إنه يكون سبباً للشبهة وسبباً للغشاوة على العقل لا بد أن يرافقه هوى النفس, ولو لم يوجد هناك هوى النفس لا تتكون الغشاوة, فالسبب الخارجي ليس سبباً كافياً للانزلاق إلا مع اجتماعه بالسبب النفسي وهي الرغبة النفسية, وهي الهوى في ذلك الذي يستدعي قبول هذا المبرر وذلك المعذر من دون نظرٍ إلى مدى قوته وضعفه. فإذاً لكي يتجنب الإنسان الفتنة عليه أولاً أن يتجنب الهوى, وما يخالف نفسه. وما لم يخالف رغبته في ذلك, فلا يمكنه التوصل والنظر إلى دليل الحق حتى يتوب, ولذلك تجد أن من يتربى في بيت وفي مجتمع يشب مؤمناً بقيم ذلك البيت وبقيم ذلك المجتمع, ولا يناقش نفسه في صحة تلك القيم, فالنصراني يكون ابنه نصرانيا لأنه يولد بين أبوين نصرانيين, ويعيش في مجتمعٍ نصراني, ولا يلتقي إلا بالنصارى, وتكون هذه العقائد التي يحملها ليست مجرد عقائد تربطه بالله, ولكنها أيضاً عقائد تربطه بأهله، وتربطه بمجتمعه، فتكون عزيزةً عليه، وهو مستعدٌ لتأييدها بأي مبررٍ وبأي معذر, واليهودي كذلك, والمسلم السني كذلك, والمسلم الشيعي كذلك, فإذاً [الململة] أي لولم تكن هناك الرغبة للفكرة ولو لم يكن هناك حب لهذه الفكرة المعينة فإن السبب الخارجي لا يجعل الشبهة تامة بحيث تستحوذ على العقل وتمنعه عن التفكير.

وأنا أذكر قضية أو قصة رأيتها في يومٍ من الأيام, فقد جاءني أحد المسيحيين وهو [هولندي] ليسلم, فسألته لماذا؟ ما الذي جعلك تشك في إيمانك بالعقائد المسيحية حتى تحصل عندك هذه الرغبة؟ وما الذي جعل عندك القناعة بالعقائد الإسلامية حتى تأتي لتغير دينك أو تتخلى عن العقائد المسيحية إلى العقائد الإسلامية؟ فقال إنه عندما كان صغيراً كان يذهب مع أمه إلى الكنيسة ويسمع الخطبة يوم الأحد, وعندما يخرج تقول له أمه يا بني لا تصدق هذا, هذا رجلٌ كذاب, وفي كل أسبوع عند خروجها من الكنيسة تقول لولدها لا تصدق هذا الرجل القس فإنه رجلٌ كذاب وهذا رجلٌ يستهزئ بالناس, ويتحدث إليهم حديثاً كاذبا, فأصبح عنده شك كبير في رجال الكنيسة, وعندما يجمعون المال للكنيسة, تدفع الأم كما يدفع سائر المسيحيين ولكنها تقول لابنها انظر يا بني إنهم يجمعون المال ويأكلونه هم أنفسهم ولا يدفعون للكنيسة شيئا ولا يعطون الفقراء شيئا.

على أي حال فإن هذا الرجل نشأ صغيراً وأمه في كل يومٍ تزرع الشك في نفسه في القسسة الذين يقومون في كنيسة قريتهم, وعندما أكمل المدرسة الثانوية أخذ إجبارياً إلى الجيش ورمي به في أندونيسيا وبقي في أندونيسيا خمس سنوات, فصارت هناك الثورة الأندونيسية وجاء الأندونيسيون مشياً على الأقدام وبدون أسلحة ليحتلوا القاعدة الهولندية هناك, وكان هو يأبى أن يضرب هؤلاء القوم لأن أمه أيضاً علمته عدم احترام هذه الدولة, وقالت إن الدولة دائماً لا تؤيد أو لا تعمل في صالح الفقراء, ولا في صالح الناس الذين هم في حاجة, وعندما حوكم وسئل لماذا لم تضرب وقد أمرت بالضرب؟ قال: لأنهم لم يأتوا إلى بلادي, أنتم نقلتموني إلى بلادهم وهذه بلادهم, وهم أحق بها, ولا أريد أن أضرب قوماً أنا جئت إلى بلادهم وهم لا يريدوني فأنا أخرج. لماذا أبقى في بلادهم وهم لا يريدوني أن أبقى فيها؟ فزج به في السجن خمس سنوات.

وفي السجن سمع عن الإسلام ولكنه لم يقرأ عنه في السجن, وهو في السجن تكونت له قناعة بأن الله سبحانه وتعالى لا يريد من البشر أن يتحاربوا وأن يتضاربوا وأن يترفع بعضهم على بعض, وأن يتكبر بعضهم على بعض وإنما يريد منهم أن يكونوا إخوة, وأن يكونوا متحابين, فالدين الحقيقي هو الدين الذي يأمر أتباعه بالأخوة وليس الذي يأمر أتباعه بالحرب وبالقتال.

وبعد خروجه من السجن ذهب ليدرس الهندسة البحرية, ودرس الهندسة في السفن وطرق صناعتها وتركيبها وجاء ليعمل في البحرين في هذه المهنة, وفي البحرين قال إن الإسلام هو الحق, لماذا؟ لأنه وجد طبقات جميع الذين يعملون في الشركة يأكلون على مائدة واحدة, ولا فرق بين رئيس ومرؤوس, ويمثلون الأخوة الإنسانية بتمام معانيها, ولا بد أن هذا ناشئٌ من دينهم, ودينهم طبعاً هو دين الأخوة, وبالتالي فالإسلام هو دين الحق لأنه دين الأخوة, ودخل إلى السوق واشترى بعض الكتب باللغة الإنجليزية, وفعلاً وجد فيها أن الإسلام يحث على الأخوة, وأن [المؤمنون أخوة], لذلك فهذا المقياس هو الذي جعله يقبل عقائد الدين الإسلامي.

ولو أردنا أن نحلل هذا الدخول في الإسلام نجد أولاً وجود التشكيكات التي كانت أمه تقولها له في علماء الدين الذين يأتون إلى قريتهم, والشيء الثاني هو نظره وتحليله للمجتمع الأوروبي, وأن كل إنسان يعيش بنفسه ولا يكترث في الآخرين, وهذان الأمران جعلاه يكفر ويشمئز من العقائد التي كان عليها, وعندما يسمع بالإسلام وهو لا يعرف عن الإسلام شيئاً ثم يضع لنفسه مقياساً وهو مقياس الأخوة فإنه عندما يجده في الإسلام يقبله بسرعة, وطبعاً لو لم تكن أمه قد شككته في علماء الدين لكان قد ذهب إليهم وعرض عليهم ما يحصل له من الشبه بالنسبة للعقائد المسيحية ومدى ارتباطه بالمجتمع الأوربي ومدى تفاعل المجتمع الأوربي مع العقائد المسيحية.

فإذاً لا بد أن يكون هناك هوىً, ولا بد أن تكون هناك رغبة نفسية, حتى يكون السبب الخارجي كافيا للاندفاع في ذلك الطريق, طريق الحق, أو الإنزلاق في طريق الفتنة.

وما جرى في البحرين أيضاً كانت له مقدمات, أولها التشكيك في العلماء الموجودين ومحاولة إبعاد الناس والشباب عنهم بكل وسيلةٍ من الوسائل, وقد عملت الأحزاب الشيوعية على هذه الفكرة من أواسط الخمسينات, واشتد عملها في الستينات وبداية السبعينات, وعندما ابتدأت الصحوة الإسلامية ابتدأت هذه الصحوة أيضاً بطريقةٍ محرفة, فكان أول شيءٍ يقال في مجتمعات الشباب والمسائل التي تطرح بين الشباب هي شخصيات العلماء ومدى صدقها وعدم صدقها, ومدى ارتباطها بالدين وعدمها من جهة, وزعزعة الأسس الثابتة التي كانت تنبني عليها الانتماءات في المجتمع بطرح مسائل التقليد والتشكيك في مقام التقليد الذي كان سائداً في البحرين, وتحويل قضية التقليد إلى إعلانات تجارية, والاندفاع الكلي في ذلك. كل ذلك أدى إلى قبول أفكارٍ وإلى الدخول في انتماءاتٍ حزبية وغير ذلك بسهولة, ولو لم تحصل هذه الأمور وبسبب حصول هذه التشكيكات يبقى الشاب في رغبةٍ جامحةٍ لمن يخرجه من تلك الدوامة الفكرية التي كان يعيشها ويقبل أي مبررٍ وأي معذرٍ خارجي في السير والاتجاه في هذا الطريق أو هذا الطريق سواءً كان طريق الحق أو طريق الفتنة, فأهل البدعة اندفعوا وقبلوا مبرر الأحلام لأنهم كانوا يعيشون في أنفسهم نفس هذا التبلبل ونفس هذا التململ، وبمجرد أن وجدوا ذريعةً تنقذهم من مثل هذه الشكوك قبلوها ولم يناقشوا مدى حجيتها من الناحية الشرعية أو غير ذلك, وكذلك أصحاب الفتنة إنما انجرفوا في مجال الفتنة لأنه كان هناك هوى,ً وكانت هناك رغبةٌ وكان هناك في المجتمع من يعمل منذ أربعين سنة أو تزيد على إبعاد الناس عن العلماء, والناس ما كانوا يردعونه عن ذلك, والعلماء أنفسهم كانوا مشغولين في التطاحن بعضهم مع بعض.

في الأيام الأخيرة نرىكثيراً من العلماء أو العلماء كلهم سلموا مقاليد الأمور ليد شبابٍ جددٍ جاءوا من جامعاتٍ غير دينية، ولم يدرسوا الدين بالطريقة المتوارثة, هذا متخرجٌ من كلية الهندسة, وهذا متخرجٌ من كلية الطب وهذا متخرجٌ من كلياتٍ مختلفة, فأصبحوا هم الذين يمسكون زمام التعليم الديني وزمام توجيه الشباب, والعلماء تخلوا عن القيام بهذا الواجب وقبلوا أن يقوم به غيرهم, وقسمٌ من العلماء أهمل المجتمع تماماً وأهمل الشباب إهمالا كاملا, وأصبح عمله إما الجلوس في بيته أو القيام بالواجبات الاجتماعية من زيارة الفواتح وتهنئة المتزوجين, فلا تفوته فاتحة في البحرين من أولها إلى آخرها إلا ويذهب إليها ولا يفوته متزوجٌ إلا ويذهب ويبارك له, ولكن لا يدري ماذا يحصل حتى في قريته التي يسكن فيها, وما يأتي فيها من أفكار جديدة, وما يجد فيها من أمور, فيسمع عن الأشياء ولا يحللها أو لا يبالي بنتائجها, فكان لا بد أن نصل إلى هذه النتيجة التي وصلنا إليها.

فإذاً لو لم تكن هناك الرغبة, ولو لم تكن هناك الأشياء النفسية التي كانت تأز في نفوس الشباب وكانت تجعل الململة وتجعل البلبلة وتجعل الشبه في مواقف العلماء, في أمثال العلماء, لما وصلنا إلى هذه النتيجة, فإذاً لا يكفي أن يكون هناك سببٌ خارجي للانزلاق في الفتنة, بل لا بد أن يكون هناك أيضاً سببٌ نفسي يرافق هذا السبب الخارجي, ولكي ننجو من الفتنة لابد من محاسبة النفس, ولابد من تحليل النفس, ولابد من معرفة ما هو هوىً وما هو فطرة, حتى يمكننا أن نتجنب تأثير الأسباب الخارجية فينا.

وصلى الله على محمدٍ وآله الطاهرين.

سؤال: ما رأي سماحة الشيخ في القول بأن الظروف التي عاشها الأئمة عليهم السلام من بعد الحسين عليه السلام تختلف عن الظروف التي نعيشها اليوم وبالتالي فلا يجوز قياسها على ما يجري في هذه الأيام؟

جواب: بسم الله الرحمن الرحيم, النقطة الغريبة في السؤال هي استبعاد الأزمنة التي عاشها الأئمة بعد الحسين, وهل أن الظروف التي عاشها الأئمة قبل الحسين موافقة تماماً ومطابقة لما نعيشه اليوم حتى يخصص هذا الكلام بظروف الأئمة الذين جاءوا بعد الحسين عليهم السلام أم أن هناك مقصداً يراد التوصل إليه وهو رفع سيرة تسعة أئمة من أن يكونوا موضع اقتداء, وإلا فإنه لا الظروف التي عاشها أمير المؤمنين عليه السلام تكون مشابهة لظروفنا ولا الظروف التي عاشها الحسن ولا الظروف التي عاشها الحسين, بل ربما الظروف التي عاشها الأئمة بعد الحسين هي أقرب كثيراً من الظروف التي عاشها علي والحسن والحسين عليه السلام, كيف؟

عليٌ عليه السلام عاش في أيام أبي بكر وعمر، وقد كانا على الأقل يقولان إنهما يعملان على تطبيق الإسلام إلا في مسائل قليلة اجتهدا فيها. وكذلك كان وضع الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام, وأما الأئمة الذين جاءوا بعد الإمام الحسين فقد عاشوا في دولٍ تحكمها ملوكٌ وأباطرة لا تريد أن يذكر لها الإسلام، وإنما تريد أن تذكر لها شهواتها وأتباعها كما هو الحال اليوم, و الدول أيام عليٍ, وأيام الحسن, وأيام الحسين لم تكن فيها جيوشٌ مرتزقةٌ منظمةٌ برواتب معينة, ولم تكن فيها قوات أمنٍ مرتبة ومنظمة ومرتزقة تأخذ أجراً شهرياً أبدا, هذه الأمور, والجيش المنظم, وقوات الشرطة المنظمة, والعسس, وغير ذلك, كلها خرجت وتكونت كدولةٍ مدنيةٍ لا علاقة لها بالدين إلا في الاسم كلها في عهود الأئمة الذين جاءوا بعد الحسين عليه السلام.

فإذاً عهود الأئمة الذين جاءوا بعد الحسين عليه السلام وظروفهم هي أكثر تشابهاً مع ظروفنا وحياتنا, فعلي بن الحسين عليه السلام كان يعيش في دولة يزيد ودولة مروان ودولة عبد الملك بن مروان, دول كانت تعيش على جيشٍ منظم وشرطة منظمة وقوات أمنٍ منظمة, والباقر عليه السلام كان يعيش في ظل دولةٍ وجدت فيها معظم الدوائر ومعظم الدواوين التي كانت تشرف على حياة المواطنين وتقيدها بأنظمتها, والصادق عليه السلام ظرفه أيضاً كذلك، وكذلك الرضا وغيره من الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, بخلاف عليٍ عليه السلام, فإنه حتى في أيامه لم يكن الجيش جيشاً منظماً يأخذ أجراً شهرياً ويعمل طيلة السنة، ولم تكن قوات الشرطة, المعروفة في زمنه بشرطة الخميس, لم تكن أيضاً قوات منظمة تأخذ أجراً شهرياً وتلتزم بأوامر معينة, وبالطبع فإن ظروف علي بن الحسين عليه السلام والأئمة من بعده إلى ظروف الحسن العسكري عليه السلام أقرب لزماننا في تنظيمات المجتمع من الظروف التي عاشها الحسين عليه السلام أو علي عليه السلام أو الحسن عليه السلام, فلماذا يا ترى يقول السؤال بأن ظروف الأئمة الذين جاءوا بعد الحسين عليه السلام لا تتشابه والظروف التي نعيشها, وبالتالي فسيرتهم لا تنطبق على حياتنا, هل هناك هدف من استبعاد سيرة تسعة أئمة معصومين ورميها في البحر؟ وماهو هذا الهدف؟ حبذا لو كتب لي السائل عن هذا.

سؤال: سماحة الشيخ, أنتم تضعون اللوم في الفتنة على الناس فقط, لماذا لا تضعون اللوم على أولئك الناس الذين لا يتقون الله ويقولون للناس, فالناس يتبعونهم من باب [قلدها عالم واِطْلَعْ سالم].

جواب: أنا لم أضع اللوم على فئة من فئات المجتمع دون فئة, ولا على شريحة دون شريحة, ولم أخص قوماً دون قوم, بل تكلمت عن العلماء وتقصيرهم في واجبهم, وعن سكوتهم وسكوت المؤمنين عن الشيوعيين لمدة عقود وهم يبثون فتنتهم وأفكارهم؛ لا يرد عليهم, وعن سكوت الناس والمؤمنين عن فتنة الحزبيين، وقد مضى عليها على الأقل عقدان من الزمن وهم يبثون فتنتهم وأفكارهم في المجتمع؛ ولا يردون عليهم. وأنا لا أخص فئة دون فئة ولا شريحة دون شريحة, وإنما أحلل, لماذا تكون هناك فتنة؟ تكون هناك فتنة لوجود سببين, سبب خارجي وسبب نفسي داخلي, ولو لم يوجد هذان السببان لا تكون الفتنة مسيطرة على نفس ذلك الإنسان, ولذلك عندما ينتبه إلى نفسه تزول تلك الفتنة، ويتنبه إلى مواضع الخطأ، ومواضع الهفوات, ولذلك يقول علي عليه الصلاة والسلام: "الفتنة إذا أقبلت شبهت, وإذا أدبرت نبهت".

سؤال: ما هو السبيل الآن للخروج من هذه الفتنة؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب في ذلك؟

جواب: لا سبيل إلا بالتوعية, أن يقوم الشباب بتوعية بعضهم بعضاً إلى عدم تطابق ما يجري مع أي هدف سواء كان هدفاً سياسياً أو هدفاً اجتماعياً أو هدفاً دينياً, وأن ما يجري يعود بالضرر على المجتمع عامة، وعلى الشيعة خاصة بحيث يؤخرهم عشرات السنين عما وصلوا إليه من جراء تمزيق صفوفهم, ومن جراء تفريق كلمتهم, ومن جراء بث العداوات والخصومات في أنفسهم على بعضهم البعض, وأيضاً من جراء إعطاء طابعٍ عامٍ عن كل شيعي بأنه مخرب وأنه فوضوي, وأنه إرهابي, وأنه يرضى ببيع البلاد لمجرد أنه يحب الحاكم أو يبغضه.

سؤال: شيخنا الفاضل, هناك بابٌ لم تطرقوه إلى الآن, وهو الوصول لفكر الفقهاء والعلماء خارج البحرين وبيان الموقف السليم والأحداث الحقيقية في البحرين, فهل هناك تخطيطٌ أو برنامجٌ لهذه الخطوة؟

جواب: في الحقيقة لا يوجد برنامجٌ ولا تخطيطٌ لهذه الخطوة, لأننا أولاً لا نريد أن نحرج العلماء في الخارج بهذه الأمور, فقسمٌ منهم يعيش في دول, تلك الدول لها مواقف معينة لو اتخذ العالم فيها موقفاً مخالفاً عن موقف الدولة لربما يتضرر, وبعض الفقهاء لا علاقة له بأحدٍ في البحرين ولا يتأثر أحد بكلامهم في البحرين؛ قالوا أو لم يقولوا, وفقهاء النجف وقد عرفوا بما يجري في البحرين اتخذوا موقفا,ً ولا إشكال أنهم أقرب الناس إلى البحرين، ومعرفة ما فيها ومعرفة الناس بهم، وهذا يكفي ويكون حجة على الناس لمن أراد حجةً من الفقهاء.

سؤال: قد يقول قائلٌ لماذا يكثر سماحة الشيخ من ضرب الأمثلة في محاضراته في الأمم السابقة كأمة موسى وعيسى مثلاً؟

جواب: أكثر من ضرب الأمثلة بالأمم السابقة لأننا من الناحية الدينية مرتبطون, يقول النبي صلى الله عليه وآله: "لتركبن طبق من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وحتى أنهم لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه". فكل ما يجري في هذه الأمة له مثيلٌ ومشابهٌ في الأمم التي سبقتنا, ونحن إنما نتكلم عن تاريخ النبوات, تاريخ الرسل, وتاريخ الديانة الإسلامية في مراحلها المختلفة, في المرحلة الموسوية, وفي المرحلة العيسوية, وفي المرحلة المحمدية, ولو كان لنا اطلاعٌ وكتبٌ وتاريخٌ مدون عن الديانة الإسلامية في مراحل الأنبياء الذين سبقوا هؤلاء الأنبياء والرسل أيضاً لضربنا أمثلةً منهم لأنها دينٌ واحد وشريعةٌ واحدة.

سؤال: أليس واجباً على الفقيه قبل الجواب عن أي سؤالٍ كان أن يبحث عن الوضع السائد في البلاد ثم الإجابة.

جواب: بلى, هذا هو الواجب, خاصةً في مثل بلادٍ يسمع أنه قد حصل فيها فتنة لمدة سنةٍ أو تزيد وأن هناك اختلافاً بين أهلها, كان الواجب عليه في أي سؤال يرد إليه من ذلك البلد أن لا يجيب إلا بعد أن تكون له المعرفة الواسعة بما يجري, ولكن إذا قيل له إن أناساً يدعون إلى الإسلام, ويريدون تطبيق الشريعة, ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, يشجبون حرق بيوت الناس, ويحاربون من يهدم أسواقهم, وينددون بمن يأمر بمقاطعة العلماء والخطباء فيأخذون ويسجنون, طبعاً هذا لا يحتاج إلى سؤال, لأن من يقوم بهذه الأعمال يجب مناصرته, حتى أنا لو قيل لي إن قوماً يدعون إلى تطبيق شريعة الله في الأرض ويحاربون المنكرات وبث الخصومات بين الشيعة ويطلبون من الشيعة أن يكونوا يداً واحدةً على الشيوعيين والملحدين ويحاربون من ينسق مع الشيوعيين, لكنت رأساً بدون شك, على مفروض السؤال سأؤيده, ولكن المشكلة هي أن الإنسان الذي يسأل العالم هذا السؤال إنما يريد تأييد أناس يؤيدون التفريق بين الشيعة, وهم أنفسهم الذين يدعون إلى المقاطعة, وهم أنفسهم الذين يشجعون على إهانة العلماء وحرب المساجد, وتسليط الشرطة على المساجد, وغير ذلك, ويطالبون بالبرلمان وينسقون مع الشيوعيين ومع ذلك يقول في سؤاله - في مفروض سؤاله - يدعون إلى تطبيق الإسلام, ما رأيك فيه؟ هل يجوز مناصرة مثل هذا أو الدفاع عنه أو تبرير عمله؟

سؤال: يقول السائل: في إحدى الليالي سمعت سؤالاً موجهاً إلى المحاضر هناك [لا نريد كلاماً عن الجنة أو النار بل نريد حلاً للمشاكل الحاضرة], فما رأي سماحتكم في مثل هذا السؤال؟

جواب: هذا كلام شخص منزلق في الفتنة تماماً, لماذا؟ لأنه إذا كان لا يريد الكلام عن الجنة والنار, فالمشاكل هذه إنما نخاف منها لأنها توصل إلى النار, وإلا لو كانت توصلنا إلى الجنة لكنا نحمل أعلامها, ولو كنا نعتقد اعتقاداً جازماً واضحاً من الشرع, من كتاب الله, ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله أنها توصلنا إلى الجنة لكنا ممن حمل أعلامها, وكل شيءٍ عند المسلم إنما هو للفرار من النار وللدخول في الجنة, وربما ليس رغبةً في الجنة لهذه الدرجة, لا, لكن خوفاً من النار, هناك أسباب:

أولاً: النار ليست فقط محل عقاب, بل محل إذلال، ومحل إهانة, لأنها ناتجةٌ عن سخط الله وغضبه وعن طرده ولعنته, وطبعاً المؤمن لا يريد أن يكون بعيداً عن ربه.

والشيء الثاني الرغبة في الجنة, ليس فقط لأن بها نعيماً, وفيها قصورا, وفيها الحور, فيها الولدان, وفيها الأنهار, ليس كذلك فقط, فهي من جانبٍ ثانٍ هي دار كرامة الله, ودار عزته, ودار رحمته, فكل مؤمنٍ يحب أن يكون قريباً من ربه, فالمؤمن لا بد أن ينظر في جميع  الأمور إلى الجنة والنار, ولا نريد كلاماً إلا كيف نصل إلى الجنة وكيف نفر من النار.

وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في 12 رمضان1417هـ  المصادف 21/1/1997م بجامع جدحفص