طباعة هذه الصفحة

الحرية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.....

       يقترح بعض الإخوة أن تكون الكلمة التي نلقيها تتناول موضوعاً متسلسلاً، وقد كان المفروض أن نبدأ في هذه المحاضرات من الأسبوع الماضي ولكن شاء الله أن لا نبدأ فيه وقد جاء هذا الاقتراح هذا اليوم، ورأيت أن نخصص الكلام عن الأركان والمقومات والأصول التي تعتمد عليها وتنادي بها الديمقراطية، لأنها هي الموضوع الرائج في الساحة الداخلية في الوقت الحاضر، وربما الساحة الخليجية أو العربية أو الإسلامية الأوسع، ولما كانت الديمقراطية تعتمد أو من أهم أركانها بل ركنها الأهم هو المناداة بالحرية، سواء حرية العمل أو حرية القول أو حرية الاعتقاد أو غير ذلك، فإذاً مفهوم الحرية هو المفهوم الأهم الذي ترتكز عليه الديمقراطية، وهذه المحاضرات سنبدأ فيها بمعالجة هذا المفهوم من جوانبه المختلفة سواء منها الدينية أو الخلقية أو النفسية التي تسمى في العصر الحاضر بالسيكولوجية أو الناحية الاجتماعية أو الناحية السياسية.

وأول ما يسمع الإنسان لفظة [حر] يتبادر إلى ذهنه اللفظة المقابلة وهي لفظة [العبد]، وعندما يسمع الإنسان لفظ الحرية يحضر معها في ذهنه لفظ الرق ولفظ العبودية، فالحرية إذاً تقابل العبودية، والإنسان الحر هو الذي ليس بعبد ولا رقيق هكذا عرفها علماء اللغة، فالحرية هي مقابل العبودية ويعرفها بعض الكتّاب السياسيين العرب بأنها الملكة الخاصة التي تميز الكائن الناطق عن غيره في قدرته على فعل ما يريد وترك ما لا يريد بحسب إرادته واختياره.

طبعاً هذا التعريف لا ينتمي إلى التعريف اللغوي من جميع جوانبه بل يزيد عليه بكثير، فالإنسان قد لا يكون رقاً وقد لا يكون عبداً ولكنه لظروفٍ قاهرة لا يستطيع أن يفعل كل ما يريد أو أن يترك كل ما يريد بحسب إرادته واختياره، ومن حين ما يولد الإنسان فإنه يولد في أسرة بين أبوين ويحاول الأبوان تدليله وهو صغير لعدم ردعه أو منعه عن أشياء كثيرة يرغب هو في عملها، ولكنهما في حالاتٍ يخشون فيها عليه فيحدان من حريته في هذا التصرف أو ذاك شفقةً منهما عليه وخوفاً عليه، وهذا تدخلٌ إذاً في حريته وحدٌ من ملكته الخاصة بحسب نظر هذا الكاتب العربي الحديث، وتنشأ مع هذا الطفل المدلل إخوان وأخوات في البيت وتأتي مشكلة الأبوين حين تتعارض حريات الأطفال، اللعبة الزرقاء يريدها كل طفل لا لشيء إلا لأنها زرقاء، ماذا يفعل؟ يتعاركون، هل يمكن حل هذه المشكلة بشراء ألعاب متشابهة تماماً في اللون والشكل والحجم ومن جميع الجهات، بمعنى جعل المساواة بين هؤلاء الأطفال في اللعب المتساوية من جميع الجهات حلاً لمشكلة تعارض الحريات؟ لا أظن أن ذلك يكون حلاً ناجحاً، عندما تنكسر لعبة من هذه اللعب المتشابهة تماماً لن يعترف مالكها بأنها لعبته بل سيقول هي لعبة فلان ولعبتي لم يصبها شيء.

فإذاً المشكلة - مشكلة الحرية - تنشأ عند الإنسان من حين ولادته، ولو ترك هذا الإنسان حراً طليقاً يعود كالبهيمة، يعود كالحيوان السائب، فإذاً كيف يمكننا أن نعرف الحرية بأنها الملكة الخاصة بالكائن الناطق التي تميزه عن غيره بقدرته على فعل ما يريد وترك مالا يريد بإرادته واختياره، والحال أنها إما أنها لا يمكن أن تتحقق له، ولو تحققت له لعاد حيواناً بهيمياً، ولكن هذا الكاتب في الحقيقة يعتمد على المفكر الليبرالي الغربي الذي عرف الحرية بأنها: [أن لا تكون هناك ضمانة قانونية عليك].

الحرية إذاً هي رفع الضمانة القانونية، فهذا حد واسع لأنها لو رفعت الضمانة القانونية سواءً في البيت أو خارج البيت ماذا يكون؟ ثم يدخل هو في شرح صميم الحرية ويقول إن الحرية هي أن يكون الإنسان قادراً على فعل كل ما يريد وترك كل ما يريد بإرادته واختياره، وأي تدخل في حد هذه القدرة هو تدخلٌ في الحرية، ولا فرق بين أن يكون هذا التدخل نبيلاً كمنعه من التصرفات اللاخلقية والتصرفات المضرة به، أو لأن الضرورة تفرضه حتى لا يتعارض مع حريات الآخرين وإرادات الآخرين، لا فرق هناك بين أن التدخل نبيل أو أن التدخل تفرضه الضرورة أو أن التدخل تعسفي ومن أجل غاية خاصة، كل ذلك هو تدخلٌ وحد من الحرية.

طبعاً هذا هو رأي المفكر الليبرالي الغربي [جان جاك روسو] والذي كان له تأثير كبير في أوروبا، ولكن ونحن ننظر إلى المجتمعات الأوربية ونزورها، وقد أخذت بهذا المفهوم فلم تتحقق لهم الحرية الاجتماعية ولا الحرية من جوانب أخرى، فانطلقت الشعوب الأوربية لتحقق ذاتيتها وتحقق حريتها في ترك الضوابط الخلقية، هذا الذي قدر عليه لأن ترك الإنسان للضوابط الخلقية لا يضر رجال السياسة، ولا يضر رجال الحكم في شيء، فأطلقوا لهم العنان من أجل ذلك، بل ساعدوهم عليه وشجعوهم عليه حتى ينصرفوا عن الجوانب الأخرى.

إذاً مفهوم الحرية بهذا المعنى أما أنه لا يمكن تحقيقه في الحياة الاجتماعية، وإما أنه لو تحقق للإنسان المفرد الذي يعيش في غابة ولا يوجد معه أحد من بني الإنسان يحوله إلى حيوان من البهائم أو من آكلات اللحوم.

على أي حال هذه الليلة باعتبار أن كثيراً من الشباب لم يسمع عن البحث نكتفي بهذا القدر على أن نعيد تعريف الحرية والكلام فيه في الأسبوع القادم إنشاء الله حتى يستفيد الجميع ونستفيد نحن أيضاً من المراجعة لأنه لم تنبثق الفكرة إلا قبل صلاة المغرب بقليل.

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في ليلة الخميس 28جمادى الأولى 1423هـ المصادف 7 أغسطس 2002م بجامع جدحفص