طباعة هذه الصفحة

الإشاعة (2)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

عنوان هذه المحاضرة كما هو مبيت منذ الأسبوع الماضي، كيف نحارب الإشاعة. وحرب الإشاعة يتوقف على معرفة طبيعة الإشاعة، ومعرفة هدفها، ومعرفة طرق وأساليب بثها. والكلام عن هذه الأمور إذا أردنا أن نفصّل فيه القول لا تتسع له أمثال هذه الكلمات، لكننا مضطرون أن نتكلم ولو على شكل إجمالي عن هذه الأمور الثلاثة.

لابد ونحن نريد أن نحارب الإشاعة أن نعرف طبيعة هذه الإشاعة التي نريد أن نحاربها، أهي من أجل التوجيه والحث على القيام بعمل ما، أو التثبيط عن عمل ما، أم هي من أجل مجرد إلهاء الناس بأمر يتحدثون فيه حتى يلهوا عن غيره، أهي للتأليب أو لتخذيل أو غير ذلك، فإنه بدون معرفة هدف الإشاعة لا يمكن محاربتها. نضرب مثلا بإشاعة وقعت في يوم أحد، ما هو سبب هزيمة المسلمين في يوم أحد ؟ لو نظرت إلى كتب التاريخ لوجدتها تذكر أن سبب الهزيمة هو أن النبي صلى الله عليه وآله أوقف جماعة من الرماة على الجبل وقال لهم كل من أراد أن يسلك هذا الطريق فارموه بالنبال كائنا من كان، ولا تنزلوا عن مكانكم سواء انتصرنا أو وجدتمونا مقتولين. وعندما أبتدأ المشركون ينهزمون ورأى الذين على الجبل بقية المسلمين يأخذون أسلاب المشركين، خافوا أن تفوتهم الأسلاب فتركوا أماكنهم ونزلوا ليأخذوا الأسلاب مع غيرهم، فاغتنم خالد ابن الوليد الذي كان قائدا لفرسان المشركين الفرصة وكبس المسلمين من الخلف. هذا ما تذكره كتب التاريخ وفي رأيي أن هذا ليس هو السبب الكافي للهزيمة التي وقعت على المسلمين، فلو أن الجيش كان متماسكا، ومترابطا، ولو كان واقفا في مواضعه لما كان فتح هذه الثغرة وإن كانت من الخلف تؤدي إلى هذه الهزيمة المنكرة التي جعلت جيش المسلمين يصل إلى بيوتات المدينة. في الحقيقة إن المنافقين أطلقوا في صفوف الجيش وهم يرون خالد ابن الوليد قد اجتاز هذه العقبة إشاعة تقول إن محمدا قد قتل، هذه الكلمة التي يذكرها المؤرخون ببساطة  وينصرفون عنها ولا يعلقون عليها هي السبب الحقيقي في انهزام الجيش، فعندما أطلق المنافقون هذه الإشاعة بأن محمدا قد قتل انهزم أهل يثرب، وطبعا أول من انهزم، أول من أظهر الانهزام وأظهر الضعف هم الذين في قلوبهم مرض . وانثال المسلمون من خلفهم يركضون تاركين رسولهم وراء أظهرهم، خاصة وأنه لما عبر خالد بن الوليد تلك العقبة هرب الذين كانوا في العريش وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وحده ليس معه إلا أربعة نفر من بني هاشم وهم الذين وقفوا يجالدون قريشا حتى علم المخلصون من المسلمين كذب الإشاعة ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله. فإذن هذه الإشاعة هي السبب في هزيمة هذا الجيش المنتصر في أبّان انتصاره. إذا درسنا هذه الإشاعة نجد أنها اعتمدت على عناصر، فالظرف جد ملائم لإطلاقها، الذين أوقفهم رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة قد نزلوا عنها، وفرسان معسكر العدو عبرت العقبة، والذين في العريش - العريش هو مركز القيادة - مع الأسف هربوا، والناس في حالة انشغال ذهني، أذهانهم في تلك الحال فارغة إلا من عملية الحرب، فعند ما يأتي خبر موت الرسول صلى الله عليه وآله يصادف عقولا فارغة غير قادرة على التفكير السريع وعلى التماسك السريع خاصة إذا انهزم مروّج الإشاعة ذاتها، انهزم الجيش إذن بسبب الإشاعة أكثر من انهزامه بسبب عبور العقبة. الدليل على ذلك وأنت تقول هذا مفندا التحليلات الموجودة في كتب التاريخ، نقول إن أربعة ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله استطاعوا أن يمنعوا خالد بن الوليد وفرسانه وكل جيش قريش، فما بالك فلو بقي الجيش متماسكا؟ إذن لم يكن لهذا العبور ذلك الأثر الفعال.

مثل آخر من الإشاعة هزمت جيشا في أبان انتصاره، في أثناء الحرب الإنجليزية السودانية حرب بريطانيا العظمى مع المهدي وهو محمد المهدي الشخص الذي ادعى المهدوية في السودان وثار ضد الإنجليز، وهو أحد أجداد الصادق المهدي أحد الزعماء السياسيين في السودان إلى اليوم. هذا الرجل وفي أثناء الحرب طبعا لم يتمكن بدراويشه وصوفيته أن يقف أمام الجيش البريطاني وهو مدجج بأسلحته الحديثة والقوية، ورأى الرجل بأن جيشه ينهزم أمام الإنجليز، فماذا فعل ؟ أشاع بوجود النصر، ثم جعل جنودا من جنوده يرجعون من مقدمة الجيش إلى مؤخرته وهم يحملون قبعات إنجليزية و[بدل عسكرية] إنجليزية فظن الذين في المؤخرة أن الهزيمة قد وقعت فعلا بالإنجليز، وأن القوم يسلبونهم، فاندفع الصوفية والدراويش الذين يقودهم المهدي إلى مقدمة الجيش اندفاعة واحدة مما أربك التنظيمات العسكرية الإنجليزية وأوجد الهزيمة في صفوف الإنجليز. في الحقيقة ما الذي دفع هؤلاء المنهزمين إلى هذا الاندفاع الشديد الذي أثر على ذلك الجيش المدجج بالسلاح في أبان انتصاره؟ هو الإشاعة المعاكسة والمضادة. الإشاعة في مثل هذا الوقت تجد كما قلنا أذهانا فارغة، تجد أفكارا منحصرة في معان تولدها الحرب، النصر، الموت، الهزيمة، فعندما يكون الإنسان في الحرب أمامه ثلاث معان ينتصر، يموت، يفر. لا إشكال أن أحب الأشياء للمحارب أن يكون منتصرا حيا، فعندما يحصل خبر بوجود النصر يحصل ذلك الاندفاع وكذلك إذا حصل الخبر بقضية الهزيمة يحصل الاندفاع المعاكس. طبيعة الإشاعة هنا هو استغلال فراغ الذهن إلا من معان محددة، أحيانا تكون طبيعة الإشاعة وهدفها ليس للتوجيه لإيجاد عمل، تكون طبيعتها لنشر فكرة ضد فكرة، أو ضد جماعة، أو ضد شخص، كيف يمكن نشر فكرة عن طريق الإشاعة ؟ لابد أن تتحين الفرصة لتلك الفكرة في حالة اجتماع عام، وكلما صار الاجتماع العام مملوءاً بالحماس و مملوءاً بالشدة، وكان الغالبية فيه ممن لا تصل إليهم المعلومات الصحيحة بسرعة كلما كان ذلك أكثر تأثيرا و أسرع تأثيرا. نضرب مثلا بقضية التحكيم في حرب صفين، عندما طرحت فكرة الاحتكام إلى القرآن طبعا كان العرب في الجيشين قد ملوا الحرب، في ليلة الهرير وحدها قتل من الطرفين عشرات الآلاف من الرجال فما بالك بحرب صفين وأيامها ووقائعها من أولها إلى آخرها، والمشكلة في حرب صفين أن ابن العم يقتل ابن عمه، كندة العراق تحارب كندة الشام، قيس العراق تحارب قيس الشام، فإذن الرجل يقتل ابن عمه، الرجل يحارب أخاه، عندما يجد بصيصا من أمل لإيقاف هذه المجزرة لا يفكر هل أن ذلك على حساب المبدأ أو ليس على حساب المبدأ، خاصة وأن المعلومات ليست متوافرة لكل أحد، والعقول ليست كلها قادرة على تحليل الموقف واستنتاج النتيجة الصحيحة، والغالبية العظمى من جيش العراق لا ترى في علي عليه السلام إلا أنه رجل عادي من الناس وجب له حق الطاعة بالبيعة بعد عثمان، وليس إماما مفترض الطاعة من الله. ومادام يمكن أن يحتكم ويترجح أحد الرجلين وفي معسكر العراق من يرجح معاوية على علي لأن عليا عليه السلام ما كان يحابي أحدا في العطاء، وهؤلاء يريدون المحاباة فهذه الإشاعة، أو هذه الفكرة لما تطرح تقبل بسرعة، استغل أهل الشام ذلك وطرحوا فكرة الاحتكام إلى القرآن، لم يقبل جيش العراق من قائده كلمة، أصروا أن يلتجئوا إلى التحكيم، وأصروا عند اختيار الحكم على أبي موسى الأشعري؛ لأن الإشاعة الثانية جاءت لتطرح بينهم أن عليا إنما يختار ابن عمه وقريبه، لم يوازنوا بين كفاءة عبد الله بن عباس حبر الأمة وبين كفاءة هذا الرجل الذي يختارونه، ولو نظرتم إلى البخاري اليوم لوجدتم الروايات عن هذا الرجل وهو يدعي أن هناك سورا من القرآن بكاملها قد ضاعت، هذه عقلتيه، عقلية الرجل تحتمل أن يعتقد أن كثيرا من القرآن ضاع مع الأسف وهو يحفظ قسم منه وقسما منه لا يحفظه، ومن بعضها سورة الحفد وأمثالها، هذا الرجل بهذه العقلية لا يصح اختياره للتحكيم، ولكن الإشاعة رجحته وحصل الإصرار. إذن لابد من معرفة هدف الإشاعة إذا أردنا أن نحارب الإشاعة، هدف الإشاعة ربما يكون التشويه على فرد، وربما يكون التشويه على جماعة من الناس، وربما يكون التشويه على أمة بأسرها. الإشاعات التي تبث ضد الشيعة لا تفرق في الشيعي بين أن يكون عربيا، أو فارسيا، أو هنديا، أو تركياً، عنوان عام يشمل أمة أو مذهبا بكامله. الإشاعة التي تشاع مثلا عن الأشخاص الذين يحرسون في جدحفص تشمل المجموعة بكاملها، ربما حتى أناس من جدحفص يقبلونها - مع أنهم يستطيعون أن يلتقوا بهم -  إذا كان للإشاعة قوة ، فينبغي أن تلتفتوا إلى  أن الذي يطلق الإشاعة يختار في البداية أفكارا وقلوبا قابلة لتصديق الإشاعة لا تناقش في الإشاعة؛ لأنه لو كان يطرح الإشاعة ويجد من يناقشها في أول طرحها يفسد أمره، ومن أجل ذلك تجدون أن الإشاعات أول ما تطرح أمام أقوام تميل نفوسهم إلى أن تكون الإشاعة صادقة. آتي إلى جماعة تحب شيئا ما فأطرح إشاعة ترغب في تحقق ذلك الشيء، فيصدقها الكل بسرعة من دون أن ينظر في صحتها وبطلانها، فمثلا كل الناس يحبون تخفيف الأزمة فيأتي إنسان ويطرح إشاعة، وفد من مجلس العموم البريطاني سيصل غدا إلى البحرين، وسوف يضغط على الدولة لتفعل كذا وكذا. تجد مثل هذا الخبر يسري كأنه النار في الهشيم، وكأن مجلس العموم البريطاني يملك من الصلاحية أن يضغط على أي دولة من الدول، وكأن مجلس العموم البريطاني ضغط على دولته لتوقف التعامل مع الدول التي لم تحترم حتى الحرية الدينية لمواطنيها،  شيء غريب لكن حين تكون النفوس متوجهة إلى إيجاد حل فإن الكل يحب أن يصدق الخبر فينتشر، لكن لو جاء إنسان وطرح خبرا معاكسا مضادا للآمال حتى إذا كان هو الواقع فإنه لا يقبل، ولذلك هناك حقيقة يقررها علم النفس وهي أن أصحاب التوجهات الموحدة تسري بينهم أفكار موحدة، ولا ينظر إليها إن كانت صحيحة أم  مخطئة، إنها تجمع أصحاب المصلحة المشتركة، فأينما تذهب تجد نفس الرأي، نفس الفكر ونفس الاقتراح. صاحب الإشاعة يستغل التيار العام الذي يجري في ذلك الوقت في البلد ليطرح إشاعته. ربما يطرحها بصورة سؤال لا بصورة خبر، هل سمعت كذا وكذا ؟ لا، يقول أنا سمعت، لو سألته ممن سمعت ؟ يقول سمعته من ثقة، من هو هذا الثقة؟ لا يخبر به لأنه كذاب، لأنه إذا كان ثقة لماذا لا تخبر باسمه، لو قلت له أذهب معك إلى الشخص الذي قلت في حقه هذا الكلام يرفض، لماذا ؟ لأنه كذاب، لو قلت له مثلا سأخبر هذا الشخص الذي تقول في حقه هذا الكلام فإنه يرفض، لماذا لأنه كذاب، المهم أن صاحب الإشاعة أول ما يطرحها ويعطيها إلى المروجين يوصيهم إن لم يكونوا أذكياء بطرحها في الوسط التي تكون ميوله وتكون توجهاته إلى تحقيق ذلك الخبر. خذوا لكم مثلا لو جاء شخص  وأخبر أن [صدام حسين] قد مات، من منكم يحب أن يكذب هذا الخبر، لا أحد منا يحب أن يكون هذا الخبر كذبا، هذا هو الواقع، ربما تجد كل واحد منا يركض ويخبر من يلتقي به أن صدام حسين قد مات، من قال لك، الناس يقولون، أخبرني به ثقة، ألا ينبغي لنا أن نتحرى صحة الخبر قبل التسليم به والمساهمة في نشره وترويجه ؟  هذا الخبر لا يترتب عليه أثر عملي لمعظم الناس في البحرين، لكن لو طرح هذا الخبر في العراق  وصدقه الناس وخرجوا إلى الشوارع مهللين مصفقين عندئذ ماذا يحدث ؟ تنزل عليهم الزبانية بالرصاص وتفنيهم، هذه هي النتيجة. ليس كل خبر في كل محل له أثر عملي، خبر موت صدام حسين في البحرين ربما لا يكون له أثر عملي، لكنه في العراق ذو أثر عملي خطير، عندما يطرح مثل هذا الخبر وهو كذب فإن واضع الخبر ومروجه يتسبب في قتل عشرات الآلاف من الأبرياء، لأنهم لفرحهم سيخرجون يهللون ويرقصون ويصفقون في الشوارع، وعندئذ تنزل زبانية صدام حسين وترميهم بالرصاص. الخبر دائما إذا صادف قلبا ميالا لتحقيقه أو إلى تحققه تراه يتبناه بسرعة، وكذلك العقل الخالي بالمرة، إنسان غافل، ليس الخبر واردا في ذهنه إطلاقا، ليس هو مع الخبر وليس هو ضد الخبر، إنسان لم يفكر في هذه الناحية وتلقي عليه الخبر يصدقه بسرعة ولا يحقق فيه، أو إنسان ليس له عداوة مع زيد وليس عنده صداقة معه، وقد لا يعرفه، وربما سمع بوجود شخص اسمه  فلان بن فلان، تذهب إليه في الليل وتقول له : يقولون مات فلان، يتأوه لكنه يصدقك بسرعة، إنه لا يحتمل أن لك غرضا في إشاعة موته، تراه في اليوم الثاني يخبر أخاه وابن عمه ويناديهما ليذهبا معه لتعزية ذويه، لماذا؟ لأن قلبه فارغ، لا يهمه أن يتحقق الخبر أولا يتحقق، فالقضية كما يقول الشاعر العربي:

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى      فصـــادف قلـبـا خــالــيا فتمـكّــــــــــــــــــــنا

الفكرة مثلا التي يلقيها صاحب الإشاعة قد تكون من هذا القبيل، تفتش عن أفكار خالية بالنسبة لزيد أو بالنسبة لبكر ليلقي عليها الفكرة عنه، فتتمكن تلك الفكرة من قلوب هذه الجماعة وعندئذ يعسر قلعها. فإذن أهداف الإشاعة مختلفة، هل هي ملء قلب، هل هي تأليب، هل هي توجيه لأحداث وقعت، هل هي لردع إنسان عن القيام بعمل أو الوقوف في موقف، تختلف أهدافها. وعندما تلقى الإشاعة وأنت تريد أن تحاربها عليك أن تعرف الهدف الذي يراد منها. أحيانا لا يكون الهدف من الإشاعة ظاهرا، أو يتظاهر ملقي الخبر بأنه لا يقصد به هدفا معينا، مجرد خبر، اسأله ماذا تقصد بهذا الخبر؟ عندئذ تكتشف أمره ويتضح هدفه.

الأساليب التي تلقى بها الإشاعة أيضا تختلف، فتارة يلقى الخبر بصورة سؤال، يقال إن فلان فعل كذا، هل سمعت ذلك؟ ما معنى هذا السؤال؟ لماذا اختارني ليسألني بالذات؟ أو لماذا اختار هذه الجماعة ليسألها بالذات؟ أحيانا لا يذكر اسم الشخص أو الجماعة التي يراد طرح الإشاعة ضدها، يقال إنه في البلد الفلاني حصل كذا، كأن يقال أن كل من يدخل جدحفص ليلا يسأل عن بطاقته، وتفتش سيارته مثلا، - وهذه الإشاعة موجودة بالفعل -، أو يقال إن في البحرين كذا، يقال إن في الحجاز كذا، ما هو الهدف من إلقاء الخبر؟ الخبر له فائدتان، إما توصيل معناه إلى ذهن السامع أو أخبار السامع بأنك تعلم به، لوجئت لشخص يسكن مع أخيه في البيت وقلت له جاء أخوك من السفر أمس، تريد أن تخبره بأنك تعلم أن أخاه جاء أمس، طبعا هذا أسلوب من أساليب ترويج الإشاعة. وأسلوب آخر، يبحث عن شلات، مجموعات [بسطات] يجلس معهم ويأخذ في سرد الأحاديث المختلفة  ويطرح الخبر الذي يريد ترويجه من خلالها، بعض مروجي الإشاعات يكونون كالثعلب المراوغ لا يستقر في مكان، يحبذ أن يلقى كل فرد على حدة  يسره بالخبر  وينصرف عنه إلى شخص آخر و هكذا.

طبعا هناك أساليب مختلفة أخرى في نشر الإشاعات‘ المهم أن حرب الإشاعة تكون أولا وبالذات بتتبع مصدرها، هذا هو الشيء الطبيعي، إذا أردت أن تعرف مصدر الإشاعه اتبع مصدر الخيط الذي تجيء به الإشاعة، لكن ملقي الإشاعة ذكي يختفي وكأنه الجني الذي تراءى في الظلام ثم يختفي كالشيطان، فلو سألت صاحب الإشاعة ممن سمعت هذا الخبر؟ نادرا يقول لك سمعته من فلان، قد يقول لك الناس يقولون، طبعا الطريق الطبيعي لإفسادها معرفة مصدرها ولكن قد لا يكون الوصول إليه ممكنا،  لابد من اتباع أسلوب آخر وهو إلقاء التهمة على المروج ذاته بأنه هو المخترع، لو قال سمعته من الناس قل الناس كثير أعطني منهم عشرة، إذا قال من ثقة، قل له أنا أذهب معك إلى ذلك الثقة، لا تتركه يفلت من بين يديك، وإذا رفض قل له أذهب معك لمن تكلمت عنه، ستجده يرفض، ويخترع من المبررات ما يقدر عليه، إذا رفض قل له أنت المخترع وعليك التبعة وسوف أخبر الناس عنك بأنك تؤلب على الجماعة الفلانية أو تكذب على الجماعة الفلانية أو تكذب على زيد أو عمرو أو غير ذلك، عندئذ يضطر أن يخرس لسانه أو يخبر بالمصدر الذي جاءت منه الإشاعة.

وهناك أساليب أخرى لكن لا يتسع الوقت للكلام أكثر، ولا يستطيع الناس العاديون في محاربة الخبر أو الإشاعة أكثر من هذا الطريق وهو أن يلزموا كل مشيع للشر أو للغيبة بأنه المخترع وأن يُحارَب حتى لا يعود يروّج خبرا آخر ويشهّر بين مجتمعات الشباب بأن فلاناً مروج إشاعة وكذاب. وبهذه الطريقة يمكن القضاء على الإشاعات التي تفرق الصفوف والإشاعات التي توهن الأمر، والإشاعات التي تسبب الهزيمة للمجتمع، وتنشر الخرافة، وتلهي الناس عما يدور حولهم، وتشغلهم عن شئونهم.

طبعا الشباب المثقف عليه واجب أكبر من الناس العاديين، عليه القيام بمهمة التبصير،فإذا لم يقم الشباب المثقف كل في مجاله بتبصير من حوله ومن هم أقل منه ثقافة أو أصغر منه سنا أو من أقرانه وزملائه فإنه لا يمكن حفظ المجتمع. الحقيقة أن الأمر الذي يؤسف له أن مجتمع البحرين ومنذ وعينا وحتى الآن تتحكم فيه الإشاعة، ونحن صغار ونحن لا نزيد على العاشرة من العمر، فتحنا أعيننا على إشاعة أن الرفاع قد أعدت للهجوم على جدحفص، واشتغل أهل جدحفص ليلا ونهارا بمراقبة الطرق والاستعداد والسهر طيلة الليل جماعات يتوزعون للحراسة، ومضت الأيام والليالي، واكتشفنا أن الخبر كذبة مدبرة،  ثم أدركنا أن مجتمع البحرين كله تتحكم فيه الإشاعة وتوجهه، لا يسأل أحد من الذي أمر، ومن الذي قال، ومن الذي فعل، ولا تجد كبيرا أو صغيرا يكلف نفسه بالسؤال، بل ينساق وراء كل خبر كما يعبر بعضهم " جماعة بلا قائد " صحيح بلا قائد لماذا؟ لأنهم يمشون مع الإشاعة، والذين تقودهم الإشاعة قائدهم الشيطان، يقول المثل الشعبي: [من لا كبير له فكبيره الشيطان]، وإلا هل هناك أحد من العقلاء، أو جماعة من العقلاء  تسير من دون قائد، أو لا تعرف من يقودها، وما مدى صلاحيته، ما مدى إخلاصه؟ عجيب!. عندما تسأل يقال لك بلا قيادة، كيف تمشي؟ في ظل من تمشي يا أخي؟ الحقيقة هو يمشي مع الإشاعة، الإشاعة تقول إنه سيحدث شيء هذه الليلة في المكان الفلاني،  تراه يركض إلى ذلك المكان، على الشباب المثقف إذن القيام بحملات التبصير، بحملات التثقيف حتى يتخلص المجتمع من مروجي الإشاعات، على الأقل لا يبقى مجتمع إشاعة، يتحول إلى مجتمع لا يتحرك حتى يعرف ماذا يريد على الأقل، ومن يريد. لا يصح أبدا أن يبقى المجتمع إلى مالا نهاية له بهذه الطريقة من التفكير وبهذه الطريقة من السلوك ويتحكم فيه الخبر المجهول، ويوجهه الشخص المجهول. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

* محاضرة للشيخ سليمان المدني في ليلة الثلاثاء 17/7/1995 بجامع جدحفص