طباعة هذه الصفحة

تحريف الكلم (2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

نتكلم هذه الليلة عن كلمة طالما أطلقها الناس ضد بعضهم البعض، واستعملها كل فريق منهم سيفا حادا في رقاب من خالفه، في صحفهم وفي كتبهم وفي خطاباتهم، على الجدران في أي مكان يطلقونها، وهي الكلمة المشهورة " الساكت عن الحق شيطان أخرس".

والكلام عن هذه الكلمة من جهات ثلاث:

الجهة الأولى: هذه الكلمة لا أستطيع أن أجزم إن كانت حديثا له سند أو هي مجرد قول مأثور ليس له سند، لا أستطيع أن أجزم بذلك لأن استقرائي للموضوع في مظانه حتى الآن غير تام، وتتبعي غير كامل، ولكنني لم أجدها في المصادر التي تتبعت فيها هذه الكلمة من أحاديث الشيعة لحد الآن، ولا أستطيع أن أنفي أن تكون حديثا وأجزم بذلك؛ لأنني لم أتتبع جميع المظان وجميع المصادر التي يحتمل أن تكون الكلمة موجودة فيها في كتب الروايات. فإذن، كونها حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أو عن أحد الأئمة عليهم الصلاة والسلام تروى عنهم فضلا عن أن تثبت لهم أمر مشكوك لا نستطيع أن نجزم به ولا نستطيع أن نجزم بنفيه.

الجهة الثانية: أن هذه الكلمة لو كانت حديثا فانه إذا أخذ على إطلاقه حتى لو كان له سند صحيح يكون باطلا، وإنما يصح أن يصدر عن أحد المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذا أخذ على نحو الموجبة الجزئية، أي القضية الجزئية التي تنطبق على  مورد ولا تنطبق على موارد أخرى، وذلك لأننا لو أخذنا هذا الحديث على إطلاقه فإنه يكون متناقضا مع مواقف جميع رسل الله وأوصيائهم المعصومين. ونضرب مثلا برسولين من أولي العزم وإن كانت جميع الأنبياء وجميع المرسلين يشتركون في هذه الخاصية وكذلك كل أوصيائهم، نأخذ أولا موسى بن عمران على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، تربّى هذا الرجل في مصر، وعاش في مصر سنين طويلة وهو يرى فرعون يقتل الرجال ويستحيي النساء، يرى فرعون يظلم بني إسرائيل ويحملهم ما لا طاقة لهم به، عايش فرعون وهو يدعي أنه الله الذي يجب أن يعبد سنين كثيرة وما حدثنا التاريخ الموافق أو المخالف، اليهودي أو العربي أو القبطي أن موسى عليه الصلاة والسلام في تلك السنين الطويلة تكلم ببنت شفة لفرعون وقومه، ولا تقل لي إنه لا يعلم بما هو حق وبما هو باطل. لأنه أولا وحسب اعتقادنا نحن الشيعة أن الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من حين الولادة، ولا تقل لي إن موسى كان عاصيا فتاب، تاب بعد النبوة، ربما يجري هذا على مذهب غير الشيعة، ولكن عقيدة الشيعة أن الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين معصومون من حين الولادة؛ فلا نتصور أنه كان عاصيا بسكوته على ما يرى من المظالم والفظائع والقتل المتعمد من دون ذنب، وهتك الأعراض ونهب الأموال وهدم البيوت، ولا تقل لي إنه لا يعرف حتى نسبه، فالقرآن يحدثنا أنه يعرف المؤمنين ويعرف شيعته: ]فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ[[1]، فإذن كان يعرف أن هذا مؤمن وهو من شيعته وهذا كافر وهو عدو له، وعندما أخبره حبيب النجار صهر فرعون وكان مؤمنا يكتم إيمانه بأن القوم قد عقدوا اجتماعا وقرروا فيه قتلك، وأن الفرعون قد أجاز ذلك وقال له : اخرج إني لك من الناصحين، فخرج إلى مدين وبقي في مدين عشر سنوات، ولا ندري ما فعل موسى أيضا في مدين، وعندما رجع ونبأه الله وطلب من ربه أن يشرك معه في الرسالة أخاه هارون عندئذ ذهبا إلى فرعون، ولكن طيلة بقائه في مصر لم يذكر التاريخ أنه تكلم بكلمة، هذا موقف من مواقف النبي، فهل كان موسى عليه السلام من حين تكليفه إلى حين أن بعثه الله رسولا شيطانا أخرس، لأنه كان ساكتا عن الحق؟

محمد صلى الله عليه وآله عاش في قومه قبل النبوة أربعين سنة، وكلهم كانوا يثقون فيه، ويأتمنونه على أموالهم وعلى أعراضهم ويلقبونه بالصادق الأمين، وهو يراهم يعبدون الأصنام، ويراهم يستحلون الحرام، ويراهم يرتكبون من المظالم ما يرتكبون، ولا إشكال أنه صلى الله عليه وآله نبئ وآدم بين الماء والطين، كان يخرج عنهم صلى الله عليه وآله إلى غار حراء يتعبد فيه، وأخذ معه علي بن أبي طالب عليه السلام منذ أن كان صغيرا، كان يصاحبه ويعلمه، ولكن ما حدثنا التاريخ بأن محمدا صلى الله عليه وآله وقف عند الكعبة وهي مجمع قريش قبل البعثة ونادى أيها الناس أنتم ظالمون، أو يا زعماء قريش كفوا عن ظلم الغرباء، على الرغّم من أنه قبل زمنه بقليل قد وجد في قريش من تحرك لرفع بعض المظالم وعقدوا حلفا أسموه بحلف الفضول، وكان منهم بعض أعمامه وبعض أبناء عمه، ومعروف أن حلف الفضول إنما تشكل كحزب لمحاربة المظالم التي ترتكبها قريش ضد من يأتي إلى مكة. على أي حال كانت هناك سابقة، وكان صلى الله عليه وآله يستطيع أن يحتذيها وأن يجمع من تبقى من أعضاء حلف الفضول، ويستطيع أن يجمع من يشعر بذلك الظلم ويتكلم، ولكنه لم يفعل حتى بعثه الله رسولا، فهل كان محمد صلى الله عليه وآله قبل بعثته شيطانا أخرس.

وكذلك وصيه علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه بقي ساكتا في بيته لا ينطق بشيء خمسا وعشرين سنة، ولا تقل إنه لا يعرف هذه الفتنة، ولا يعرف المظالم وهو الذي يقول "فطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يشيب فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه،فرأيت الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي القلب شجى"، ربما كان علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه مدة الخمس وعشرين سنة شيطانا أخرس، إذا صح هذا الحديث على إطلاقه أو إذا صحت هذه الكلمة على إطلاقها؟

الحسن بن علي عليه السلام بعد الصلح يرى معاوية وأتباعه وقد اتخذوا مال الله دولا وعباده خولا، ويرى المظالم ويرى القتل بالظلم والسجن بالظلم ونهب الأموال وهتك الأعراض ولم ينطق بكلمة حتى توفاه الله، فهو إذن بعد أن كان مجاهدا أصبح شيطانا أخرس، لو صحت هذه الكلمة على إطلاقها! والحسين عليه الصلاة والسلام سيد الشهداء وأبو الأحرار وأبي الضيم من حين ما صالح أخوه الحسن معاوية وإلى أن مات معاوية وقد عاش بعد أخيه أيضا سنين أخرى صامتا لا يتحرك وهو يرى كما كان أخوه يرى ما يفعل معاوية ورجال دولته وأتباعه، فهل كان في تلك المدة شيطانا أخرس؟

زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي قتل أبوه وإخوته وأعمامه وأهل بيته، وهو الذي استبيح رحله وسبيت أخواته وعماته ونساؤه يكون في المدينة، ويعلن أهل المدينة الثورة على يزيد بن معاوية، فكان الأولى به في نظر الناس أن ينضم إلى هذه الثورة وأن يقف مع هذه الانتفاضة، وعلى الأقل أن لا يكون شيطانا أخرس يجلس في بيته ويغلق بابه، والناس تجزر كالأضاحي في المدينة، والبيوت تهدم والأعراض تهتك، حتى ورد في التاريخ أن جيش يزيد بن معاوية افتض أربعين ألف بكر في تلك الواقعة.

ويخرج عبد الله بن الزبير بدعوى الدفاع عن الإسلام - وإن كان كثير من الناس يعلن دائما الدفاع عن الإسلام وهي كلمة حق يراد بها باطل- ويعرض الكعبة المشرفة للمهانة، وعلي بن الحسين عليه السلام أيضا ساكت لا يحرك ساكنا، ولا يتكلم لا ضد عبد الله بن الزبير ولا ضد يزيد بن معاوية؛ لأن الاثنين طلاب دنيا ليس فيهما أحد من وجهة نظره  على الأقل أنه يريد الله؛ لأن من يريد الله لا يعرض الكعبة للمهانة، ومن يريد الله لا يعرض المؤمنين للمهانة، ولا يعرض المؤمنين للأذية وهو يريد شيئا آخر.

الإمام الباقر عليه السلام والصادق والكاظم والرضا إلى آخر الأئمة، كلهم كانوا ساكتين مع ما يشاهدون من التلاعب بمقدرات الأمة، ومع ما يرون من خروج الخلفاء في أزمنتهم على الإسلام وأحكامه، حتى اتهم بعضهم كالإمام الصادق بأنه أرخى ستره وهادن الظالمين، فهل كانوا جميعا شياطين خرسا عن الحق؟

فإذن الحديث لو ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله، أو ثبت عن أحد الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يمكن أخذه على إطلاقه، إضافة إلى أننا قلنا إننا لا نزال في محل شك هل هو حديث أو هو قول مأثور، ولو كان حديثا هل تصح طريقه أو لا تصح، لا نعلم، لكن لو ثبت وصح طريقه إلى أحد المعصومين فإنه لا يمكن قبوله على إطلاقه، ولابد من قبوله على نحو الموجبة الجزئية أي أن الساكت عن الحق في بعض الموارد يكون شيطانا أخرس، هذا إذا صح، هذه هي الجهة الثانية.

أما الجهة الثالثة: فهي في الكلام على متن الرواية ودلالتها، فنقول إنه لا يصلح للحرب في الدعاية السياسية، لماذا؟ لأن فيه مفهومات غامضة، ولا نريد إلا أن نركز على مفهوم واحد من المفهومات التي تعرضت لها هذه الكلمة أو هذه الرواية، وهي كلمة الحق، "الساكت عن الحق شيطان أخرس" يا ترى ما هو الحق الذي يكون الإنسان إذا سكت عنه شيطانا أخرس؟ طبعا يتبادر إلى الأذهان؛ وهذا هو موضع اللبس في هذه الرواية أن الناس تفهم من لفظ الحق، الحق الذي جاء به الله، ولكن هل أن الحق في موارد الاختلافات الاجتماعية والسياسية في الوضوح كالحق الذي جاء به الله سبحانه واضح تمام الوضوح مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، مثل حرمة الخمر، والزنا، والسرقة، واللواط؟ الأمور السياسية في وضوح أحقيتها وبطلانها أهي بهذه المثابة المنكشفة لكل مسلم حتى يطلق لفظ الحق عليها؟ لا إشكال أن الأمور الاجتماعية والسياسية مداثة اختلط فيها الحق بالباطل، يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لسليم بن قيس " ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيخرجان إلى الناس". كل إنسان ينظر من زاويته ويقول هذا حق، وذاك ينظر من زاويته ويقول هذا باطل، فيختلفان، "ولو أن الحق خلص لم يخلتف عليه اثنان، ولو أن الباطل خلص لما اتبعه اثنان، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ويخرجان إلى الناس".

فإذن الحق الذي تصورته أنا حقاً فصرت أنا مقياس الحق والباطل، فيصبح الرجال هم مقياس الحق والباطل؟ وهذا خلاف المقياس الشرعي، يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لرجل يوم البصرة " اعرف الحق تعرف أهله، إن الحق لا يعرف بالرجال" فلكي تقول إن فلانا على حق وإن فلانا على باطل ينبغي أولا أن تعرف ما هو الحق وما هو الباطل في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله، وعندئذ تقول إن فلاناً على حق لأنه أتبع كتاب الله وسنة رسوله، وفلان على باطل لأنه خالف كتاب الله وخالف سنة رسوله. في الأمور الاجتماعية والسياسية ربما يكون هناك كتاب وربما تكون هناك سنة ولكن هذا الكتاب وهذه السنة ليست على نحو النص الذي لا يحتمل التأويل ولا يحتمل الاختلاف، بل تجد الروايات متضاربة، والآيات مختلفة، فكل إنسان يُحمّل القرآن ويُحمّل السنة وجها، فعندئذ لا يمكنك أن تحكم على شخص بالضلال والخروج عن الدين لأنه خالفك، وغاية ما هناك وفي أحسن الفروض تقول إنه مخطئ، أكثر من التخطئة في هذه الأمور لا تجوز شرعا، ومن زاد على هذه التخطئة يكون لا إشكال تعدى طوره، مثلا يقول إن فلانا فاسق لأنه يقف هذا الموقف، لا يجوز له أن يقول ذلك، أو أن يقول: فلان لأنه يقف هذا الموقف كافر، لا يجوز له، هذه أمور لا يجوز فيها أكثر من التخطئة.

نعم لو تعصب لرأيه، وتعصب لموقفه وخالف حكما ثابتا من الدين يكون فاسقا، فمثلا من استحل غيبة من يخالفه في الرأي هذا ارتكب مخالفة الشيء الثابت بالضرورة من الدين فأصبح فاسقا، وكذلك لو أنه بسبب تعصبه لرأيه أبطل عبادة من عبادات المسلمين، طبعا يكون قد فسق، أو أنه لتعصبه لرأيه ترك فريضة أوجبها الله عليه، فصار مثلا لا يحضر جماعة زيد لأنه يختلف معه في الرأي أو لا يحضر جمعة عمرو لأنه يختلف معه في الرأي، طبعا إذا فرضنا أنه يقلد من يقول بوجوب الجمعة، أو هو لا يجيد الصلاة ويلزمه الحضور في الجماعة، لا يحضر لأن من لا يجيد الصلاة يجب عليه الحضور في الجماعة لأنه لا يجيد القراءة فهذا ترك واجبا عليه تعصبا لرأيه فهذا فاسق . أما في هذه الأمور فلا يمكن أن نقول إن ما تصورته هو الحق وما تصوره زيد فهو الباطل، وأنه يعلم أن ما أتصوره أنا حقا فهو حق، وعندئذ يكون شيطانا أخرس لأنه ساكت عن الحق الذي يعلم أنه الحق مع عدم العذر الشرعي له في السكوت.

أضرب لكم مثلا، الآن في الجمهورية الإسلامية في إيران، حكامها علماء أجلاء فضلاء عدول، ويوجد آخرون أيضا فقهاء عدول يختلفون معهم في الرأي ويرون أن القائمين على الحكم في الجمهورية مخطئين في هذا السير، ما رأيكم لو طلبوا من الناس الكلام واعتبروا كل ساكت شيطانا أخرس؟ إذا كان ما أتصوره أنا حقاً فهو الحق تجيء هذه النتيجة، بل الذين في الحكم أيضا ليسوا قسما واحدا، أقسام متعددة وكل قسم منهم يتصور الحق بشكل خاص، فيوجد مصطلحات في إيران جماعة يسمونهم روحانيان مبارزان منهم كروبي، وآخرون، وجماعة يسمونهم روحانيان فقط منهم رفسنجاني وبقية الجماعة، وهم طبعا على خلاف دائم في بعض الأمور، فهؤلاء يتصورون الحق بشكل وهؤلاء يتصورون الحق بشكل آخر، ما رأيك لو أن هؤلاء وهم يرون أولئك مخطئين طالبوا الناس بالكلام وتفسيق أولئك لأنهم يختلفون معهم، وربما يعتقدون أنهم يعلمون بالحق، وقالوا أولئك يعلمون بالحق ويعاندون ويسكتون عن الحق وأن كل من لا يقف ضدهم فهو شيطان أخرس، هل هذه النتيجة صحيحة؟ إلى أي شيء تؤدي هذه النتيجة؟

فإذن مفهوم الحق مفهوم غامض خاصة في الأمور السياسية والاجتماعية، وليس مثل الحق في العبادات، وحتى في المحرمات، اليوم ابتدأ مفهوم الحق يزيد غموضا، بعض المحرمات التي كان متسالماً على حرمتها، أصبح اليوم بعض العلماء يشكك في حرمتها ولو من جهة أخرى فكيف بها في الأمور السياسية والاجتماعية.

وإذا كان مفهوم الحق في الغموض بهذا المعنى فهذا القول المأثور أو هذا الحديث إن ثبت له سند لا يصلح أن يكون سيفا في الصراع السياسي، ولا يصلح أن يشهره أحد على أحد؛ لأن من يشهره على المختلف معه يكون ظالما فعلا ما دام هو يعلم أنه لا يوجد هناك حق واضح أبلج بالذي هو يتصوره، وأن الإنسان ربما تكون له أعذار، وأنه لو رأى الحق الأبلج لا يجب عليه الكلام، ربما تكون له أعذار كما كانت للأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أعذار، وكما كانت للأنبياء في مواقع سكوتهم عن الحق أعذار، فإذن هذا الحديث لا يصح إطلاقا إن صح أنه حديث أن يكون سلاحا في المخاصمات والمهاترات السياسية، ولا يصلح مطلقا أن تشهره فئة على فئة، وأن أي فئة تستعمله إنما تعد مفلسة، بل لأنها لا تجد ما تحج به تلك الفئة فتعمد إلى أمر مضلل للبسطاء، يسمعون لفظة الحق فيتيهون ميسا وهم لا يعرفون معنى الحق.

ولو قام شخص  فوزع أوراقا على الحاضرين وطلب من كل شخص أن يُعرّف معنى كلمة الحق لوجدتم تعريفات بعدد أفراد الجالسين، لأنه ليس مفهوما متضحا في الأذهان، ولو وزعت أوراق على جميع الجالسين وطلبت من كل شخص أن يُعرّف مفهوم الظلم لجاءتك تعريفات بعدد أفراد الحاضرين.

فإذن هذه الكلمة إنما يدل استعمالها على إفلاس المستعمل لها في التشويه على مخالفيه،  وعلى عصبيته. ولا يدل على أكثر من كونه مفلسا فكريا ومتعصبا لرأيه، فهذا الاستعمال لا يدل على شيء أكثر من ذلك، ومع الأسف كنت أود أن أختم الحديث برواية عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ولكن المجال قد طال وربما نذكر هذه الرواية في وقت آخر وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

*  محاضرة للشيح سليمان المدني في ليلة الثلاثاء 7/8/1995م بجامع جدحفص

[1]  القصص: من الآية15