طباعة هذه الصفحة

مفهوم الوحدة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

بعض الشباب الخريجين يقول: لقد كثر في هذه الأيام الكلام في الدعوة إلى الوحدة وأنت ممن ساهم في ذلك بكلمات متعددة، فقد دعوت إلى الوحدة مرتين في ليالي الثلاثاء ومرتين في خطب الجمعة، ولكن هذه الوحدة التي تدعو إليها هل هي خواء أم أنها تقوم على أساس؟ وما هو الأساس الذي تقوم عليه الوحدة التي تدعو إليها؟

لا شك أن مفهوم الوحدة مفهوم يستعمله كثير من الفئات، البعثيون مثلا شعارهم يتكون من ثلاث كلمات، الوحدة والحرية والاشتراكية, فمفهوم الوحدة إذن يدخل في شعارهم وهو الكلمة الأولى في هذا الشعار, والكلمة الثانية تعني أن هذه الوحدة لا تقوم على الإكراه وإنما على الاختيار, والكلمة الثالثة تبين الأساس الذي يدعون بناء عليه إلى الوحدة وهو الاشتراكية. وكثير غيرهم أيضا يدخل مفهوم الوحدة كعنوان عام في برنامجهم السياسي والاجتماعي.

مفهوم الوحدة أيضا يدخل في برنامج المسلمين، فلا تجد مسلما سواء كان هذا المسلم من السياسيين أو من غير السياسيين، من الشرعيين الدينيين، أو من غير الدينيين، أياً كان مذهبه، وأياً كان انتماؤه إلا ويدخل مفهوم الوحدة في برنامجه.

مفهوم الوحدة لا يجوز أن يكون خواء، ولا يجوز أن يقوم إلا على أساس معلوم وواضح, ونحن عندما ندعو إلى الوحدة فإننا ندعو إلى الوحدة منطلقين من قوله سبحانه وتعالى: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[[1], واللافت للنظر في هذه الآية أنها أمرت بالاعتصام بحبل الله، فهي عندما أطلقت مفهوم الوحدة واعتبرته عنوانا على البرنامج الإسلامي في العمل، إنما أطلقته بناء على هذا الأساس، أساس الاعتصام بحبل الله.

فبرنامج الوحدة التي ندعو إليها هي الوحدة التي تقوم على الالتزام بالوحي النازل من الله على أنبيائه؛ لأن ذلك هو حبل الله، يقول النبي صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين: "إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي"، فعبر عن القرآن بحبل الله، فأساس الوحدة التي ندعو إليها هو الاعتصام بالقرآن، ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[، والاعتصام بالوحي معناه الالتزام بمقتضيات هذا الوحي،  فلا يمكنني أن أقول إنني أعتصم بالقرآن ثم أتجاهر بأشد ما نطق القرآن بحرمته أو منعه. ولا يمكنني أن أدّعي أنني أدعو الناس إلى القرآن ثم أجانبه في أخطر ما يقول وفي أخطر ما يدعو إليه.

فإذن أساس الوحدة التي ندعو إليها هو الاعتصام بكتاب الله, وكتاب الله منع من التفرقة في الدين، يقول سبحانه وتعالى: ]أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ[[2], فأساس الوحدة في الإسلام هو الوحدة في مقابل الكفر، وليس وحدة جماعة من المسلمين في مقابل جماعة أخرى؛ لأن هذا هو التفرقة بعينها، وإذا كنا حين ندعو إلى الوحدة إنما ندعو لأن تتوحد جماعة من المسلمين ضد جماعة أخرى من المسلمين ففي الحقيقة نحن ندعو إلى الفرقة، ولكن الوحدة التي ندعو إليها هي الوحدة التي تكون ضد غير المسلمين فيما إذا أرادوا أن يحاربوا المسلمين، أو أن يفرقوا المسلمين، ]أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ[، ]إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[[3].

فإذن الذين يجعلون الدين شيعا وأحزابا وفئات يضرب بعضها بعضا يقول الله سبحانه تعالى لنبيه: ]لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[؛ لأن هذه الوحدة لا تقوم على التمسك والاعتصام بحبل الله، وإنما تقوم على التفرقة بين المؤمنين بكتاب الله، إن التعاون له قانون في القرآن, والتعاون من مقومات الوحدة، ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[[4]. فإذن عندما تكون الوحدة وحدة فئوية، وحدة ضيقة، وحدة جماعة من المسلمين ضد جماعة أخرى من المسلمين فإنها تخرج عن مفهوم الوحدة المطلوبة قرآنا.

إن الوحدة القرآنية لا تشمل غير المسلمين, وهذا صحيح لأن أساسها هو الاعتصام بحبل الله، وأما من لم  يكن من المسلمين فهو لا يؤمن بحبل الله حتى يمكنك أن تتوحد معه على طاعة الله، وعلى الالتزام بشرائعه, وعلى التمسك بأحكامه.

الوحدة التي ندعو إليها إذن ليست خواء وليست مجرد لفظة نطلقها، وعندما ندعو إلى الوحدة ندعو فإنما للوحدة على الأساس القرآني، هذا الأساس الذي يقول: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[[5], فكل المؤمنين إخوة في هذه العقيدة, فهم جميعا ينطبق عليهم قوله تعالى: ]آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ[[6]، فكل من دخل في مظلة هذا الإيمان اعتبره الإسلام أخا, وإذا اعتبره الإسلام أخا وجب عليك أن تعطيه كل حقوق الأخوة, من الحب، ومن الإخلاص، ومن الإعانة، من إعانته على نفسه، وإعانته على الشيطان، وإعانته على العدو الخارجي، فهذه ثلاث إعانات؛ أن تعينه على نفسه بإرشاده ووعظه إذا رأيته يخالف أحكام الله، وأن تعينه على الشيطان بتوبيخه إذا رأيته يصر على مخالفة أحكام الله، وأن تعينه على العدو الخارجي؛ أن تكون حائلا بينه وبين ذلك العدو الخارجي أن يعتدي على جسمه، أو على ماله، أو على عقله أيضا، فإذا كان العدو الخارجي لا يريد في الوقت الحاضر أن يعتدي على جسمه أو على ماله أو على عرضه ولكن يريد أن يسمم أفكاره بعقائد وأفكار لا تمت إلى دين الله بصلة فعليك أيضا أن تعينه على نبذ تلك الأفكار ونبذ تلك المعتقدات.

إن مفهوم الأخوة يجب أن يتجسد بين الناس المتوحدين والمعتصمين بحبل الله، ومن أجل ذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى حرم أمورا كثيرة لأنها تضر بالوحدة بين المعتصمين بحبل الله؛ منها السخرية، ولمز المؤمنين بالألقاب، والتجسس والغيبة، بل اعتبر الغيبة أكلا للحم الأخ، وحرم التجسس واعتبره أكلا للحم الأخ: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ & يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ[[7]، ضرب له أبشع الأمثلة، وصوره بأقبح الصور، بالنسبة للمتجسس على المؤمنين الذي يأتي إلى جماعة ويجلس بينهم لينقل كلامهم إلى جماعة أخرى قد يكونون أيضا من المسلمين لإضرام الفتنة، أو يكونون من غير المسلمين لإعانتهم عليهم، أو الذي يغتاب المسلمين بأن يذكر أحد المسلمين بعيب فيه في غير حضرته، صوره بأقبح صورة؛ بصورة شخص له أخ مات فأخذ هذا الأخ يأكل لحم أخيه الميت، لماذا عبّر عنه بالأخ، لأن هذه الأعمال بالإضافة لأنها مخالفة لدين الله فإنها تفرق المعتصمين بحبل الله، والقرآن منع من كل ما من شأنه أن يفرق بين المعتصمين بحبل الله.

انظروا كم هم أصحاب المعاصي والكبائر؛ ما وردت في القرآن لفظة شتم لهم، ولكن ذلك الإنسان الذي يمشي بالنميمة بين المسلمين لم يكتف القرآن بتهديده وإنما شتمه، وقال: ]هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ & مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ & عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ[[8]، لأن من أشد ما يفرق المعتصمين بحبل الله هو النميمة بين فئاتهم وبين أفرادهم، وبين الأخ وأخيه، وبين الابن ووالده، وبين الجار وجاره.

فإذن فالوحدة التي ندعو إليها إذن ونتمسك بها ونُصِّر عليها هي الوحدة القائمة على أساس التمسك بشريعة الله، ]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[[9]، وأما من خرج عن قانون الإيمان فليس لنا ولاية عليه، وليس له ولاية علينا، وعندئذ لا يمكنني أن أجعله أخا أفضي إليه بالمودة، ولست كما قال إلياس فرحات:

ما دمت محترما حقي فأنت أخي     آمـنت بالله أو آمنت بالحجـر

لا، هذا المفهوم لا يمكننا السير عليه، إنه مفهوم غربي ينبع من قولهم الدين لله والوطن للجميع، والقرآن يقول: ]إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[10]، وليس الدين فقط لله، فإذن لابد من وجود الأخوة الإيمانية بين المتآخين، ولابد من الاعتصام بحبل الله لمن يريد أن يتوحد مع الموحدين والمؤمنين، وكيف يمكنني أن أجعل من لا يؤمن بالله أخا أبادله الود والولاء والقرآن يقول: ]لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[[11].

إن الوحدة التي ندعو إليها إذن أساسها القرآن، نحل حلاله ونحرم حرامه ونلتزم بكافة أحكامه وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في ليلة الثلاثاء 9/10/ 1995م بجامع جدحفص

[1]  آل عمران: من الآية103

[2]  الشورى: من الآية13

[3]  الأنعام: من الآية159

[4]  المائدة: من الآية2

[5]  الحجرات: من الآية10

[6]  البقرة: من الآية285

[7]  الحجرات:11-12

[8]  القلم:11-13

[9]  التوبة: من الآية71

[10]  الأعراف: من الآية128

[11]  المجادلة:22