بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، والسلام عليكم أيها المؤمنون جميعاً ورحمة الله وبركاته.
قضية الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه أو المنقذ المنتظر، منذ أقدم الأزمان, ومن حين ما تسلط أحد ابني آدم وقتل أخاه، ووُجد الباطل على الأرض، ووُجدت المعصية، ابتدأ أهل الباطل يظهرون على أهل الحق، واستمر هذا الظهور إلا في أوقاتٍ قليلة، يقيضها الله سبحانه وتعالى للمؤمنين ليأخذوا فيها الراحة ويحصل لهم الهدوء والاستقرار، ويتنفسون الصعداء من الضغط والظلم الذي يقع عليهم.
وكل نبي يأتي يبشر الناس بالمنقذ المنتظر، ومن قرأ أسفار التوراة الموجودة – على ما فيها من تحريفٍ كبير – يجد أنّ هناك آيات منها كثيرة تبشر بالمنقذ المنتظر، ومن قرأ صحائف الأناجيل الموجودة – على الرغم من تحريفها من بدايتها حتى نهايتها – يجد فيها أيضاً آياتٍ قد بقيت تبشر بالمنقذ المنتظر.
ويأتي النبي صلى الله عليه وآله، وفي وقت ظهوره وسيطرته وسلطانه, يخبر أمته بأن الإسلام سيعود غريبا، ويخبر أمته بأن الأرض ستمتلئ جورا، ويُخبر أهل بيته بأنهم المستضعفون من بعده، ويبشر الأمة بالمنقذ المنتظر "ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً صالحاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا"[1]، وفي روايةٍ أخرى [ويوافي اسمه اسمي], وتشاء الأهواء أن تضيف في هذا الحديث لفظاً "ويوافي اسم أبيه اسم أبي" ومع ذلك لا يتضرر مؤدى الحديث ولا يختلف معه.
ولكن لماذا كل هذه المعاناة من المؤمنين طيلة هذه الأزمان المتمادية، التي تزيد في حقيقتها على ملايين السنين, وإن كانت بحسب التواريخ الموجودة تزيد على ثمانية آلاف سنة حتى اليوم، ولكن في الحقيقة تزيد على ملايين السنين، لماذا كل هذه المعاناة ولا يأتي المنقذ المنتظر؟! لأنه بعد أن أصبح الإنسان ليس مخلصاً لله تعالى، وإنما عبد الشيطان وأطاعه كما عبد الله وأطاعه فلا بد إذن من الامتحان، ولا بد إذن من الابتلاء، ولأنه لو جاء المنقذ من البداية لما كان منقذاً، بل لأصبح في أيامه وبعد أيامه للشيطان دولة وللباطل جولة أخرى، فلا يستقر عهد الإيمان على هذه الأرض.
لا بُدَّ إذن من الابتلاء ومن الامتحان واختبار المؤمنين، فسؤال الشاعر:
هل أعددت العدة للخروج أم ما زلت فردا؟ وهل اكتمل جند الحق أم ما زلت فردا؟ هذا السؤال يمكن الإجابة عنه بأن جند الإمام صلوات الله وسلامه عليه لن يكتمل إلا بتمام الامتحان والاختبار، فالإمام مستعد للظهور في أي لحظة، ولا يمنعه من الظهور إلا الإذن الإلهي له، والإذن الإلهي يتوقف على تمام الاختبار. ومن أراد أن يخدم الإمام صلوات الله وسلامه عليه فليقم بالعمل الجاد للتهيئة لظهوره، والعمل الجاد للتهيئة لظهور الإمام صلوات الله وسلامه عليه هو أن يصلح الإنسان نفسه أولا، فإذا أصلح نفسه وأصبح شعلة من الضياء أنار الطريق لغيره، وأما من لم يصلح نفسه فلا يستطيع أن يصلح غيره.
يقول النبي صلى الله عليه وآله: "ميدانكم أنفسكم فإذا قدرتم عليها فأنتم على غيرها أقدر"، وفي الآية الكريمة المحكمة ]عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[[2].
من قال إنني أريد أن أهيئ لظهور الإمام صلوات الله وسلامه عليه, فليبدأ بميدانه هو الخاص؛ أي يجاهد نفسه، فإذا استطاع أن ينتصر على نفسه التي بين جنبيه استطاع أن ينتصر على العالم كله، وعندما ينهزم في ميدان المعركة النفسية, لا يستطيع أن ينتصر في الميدان الخارجي.
مفهوم التهيئة لظهور المهدي صلوات الله وسلامه عليه – هذا المفهوم الديني الصريح – مع ذلك استغله الشيطان.
فمن هنا نقول إنه يجب على من يعمل للتهيئة أن يجعل ميدانه نفسه، فالشيطان مستعد أن يستغل كل شيء حتى الصلاة، وحتى الصوم، وحتى العقائد الإسلامية، وحتى التوحيد يستغله الشيطان فيحوله شركاً. المُعَطِّلَة – مثلا – الذي عطلوا الله سبحانه وتعالى ونفوا عنه الصفات، استغل الشيطان قضية التوحيد الخالص عندهم فحولهم مشركين، والمُجَسِّمَة الذين نسبوا لله الجسم وصفات البشر استغل الشيطان عندهم أيضا التوحيد فحولهم مشركين، الشيطان على استعداد لاستغلال أي شيء، وأي مفهوم.
ومن المفهومات المستغلة حالياً وبقوة لإضلال شباب الشيعة وإبعادهم عن المهدي المنتظر عجل الله فرجه هو مفهوم التهيئة لظهور الإمام، الأحزاب التي قامت تفرق صفوف الشيعة وتقوقعهم، وتجعلهم جماعات متبددة، في أي بلد من بلاد المسلمين، قامت على مفهوم التهيئة للإمام المنتظر، فهل أن التهيئة للإمام المنتظر عجل الله فرجه تعني العمل على تمزيق الصف الشيعي وجعله يضرب بعضه بعضاً؟!
وفي الحقيقة فإن غير الشيعة الذين يطمعون في الحكم ويطمعون في الوصول إلى مناصب الدنيا يكونون صريحين مع أنفسهم؛ مثلا العلمانيون صريحون مع أنفسهم فهم يشكلون الأحزاب ويعلنونها صراحة بأن لدينا منهجاً نريد أن نطبقه على الناس، ونعتقد أنه أفضل المناهج، ونحن نكون حكاماً من قِبَلِه، وجميع الأحزاب العلمانية قائمة على هذه الفكرة، وهي فكرة صريحة لمن أراد أن يتبعهم, والأحزاب الإسلامية الأخرى أيضاً صريحة كالإخوان المسلمين وغيرهم فهم يقولون إننا نريد أن نصل إلى الحكم لنطبق الإسلام, ولكن المشكلة هي أن الحزبيين الشيعة لا يتمكنون أن يصارحوا الشيعة بأننا ندعوكم أن تساعدونا وتساندونا لأن نصل إلى الحكم.
فلا بد إذن أن يغطوا أهدافهم الدنيوية بأغطية دينية مذهبية, فما هو الغطاء الذي يغطون به الطمع في الوصول إلى المناصب؟ جاءهم الشيطان وقال لهم إن الشيعة يعتقدون بوجوب التهيئة للإمام المنتظر عجل الله فرجه فيمكنكم أن تقولوا بأننا نؤيد هذا الحزب لنهيئ للإمام المنتظر عجل الله فرجه, لماذا؟ لتأسيس دولتنا, نؤسس الدولة ونحن في عملنا لتأسيس الدولة لا نعمل لمصلحتنا ولا نعمل لأن نكون حكاما، وإنما نعمل لتهيئة الأمور للإمام المنتظر عجل الله فرجه ؛ فبهذه الطريقة أغراهم الشيطان باستغلال هذا المفهوم الديني، وهذا الواجب الديني, فأصبحت الأحزاب تنخر في جسم الشيعة في كل مكان، وتفرقهم يمينا وشمالا, وكل من لم يقف مع هذا الحزب, فهو عدو لله، وعدو للأئمة صلوات الله وسلامه عليهم, والذي يكون في الحزب الآخر أيضاً عدو لله، والذي لا يكون في أي حزب من الأحزاب فهو أيضاً عدو لله.
فهكذا أصبح مفهوم التهيئة للإمام المنتظر عجل الله فرجه, ولو رجعنا للروايات الواردة عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم في كيفية خروج المهدي عليه الصلاة والسلام لوجدنا أن أشد الناس عليه عند خروجه, هم القائلون بإمامته, وحتى أنه في الحديث الشريف الصحيح في أصول الكافي وبسند صحيح لا يشك فيه أحد أنه لا يبقى على القول بإمامته عند خروجه, إلا أفراد قليلون, أعيانهم موجودة وأشخاصهم مفقودة، وحتى أن الواحد منهم لا يستطيع أن يخبر زوجته وأولاده بعقيدته في الإمام المنتظر, لماذا؟ هل سينقرض الشيعة والعياذ بالله فلا يبقى من الشيعة إلا أفراد؟ هكذا؟ لا, الواقع الذي نراه أن الشيعة في ازدياد, والقائلون بإمامة الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه هم في ازدياد مستمر, وليسوا في انخفاض, وأعدادهم في التكاثر، وقوتهم وهيمنتهم في الظهور, ولكن المشكلة أنهم يقولون بإمامة الإمام, ويعملون لغير الإمام، ويطبقون مبدأ غير مبدأ الإمام, فإذا كان الرجل تابعاً لحزب من الأحزاب فهو يطبق منهج ذلك الحزب, وأول ما يبدأ أي حزب من أحزاب التشيع, فإن عليه أن يقسم الشيعة إلى فريقين, فريق مهتدي وهو الذي يطيعه, وفريق غير مهتد وهو الذي لا يطيعه, وأن يقسم العلماء أيضاً إلى قسمين, فالعلماء الذين هم بعيدون عن السياسة مسكوت عنهم، والذين يعرفون حِيَلَه وَأَحَابِيلَه إن ساروا في صفه وخطه فهم علماء الإسلام الحقيقيون, وإن فضحوا حبائله للناس فهم أعداء الدين والعقيدة, وهكذا يصبح الشيعة فرقاً متناحرة، وأحزاباً متضاربة، فتتقوقع كل جماعة منهم على بعضها, ويهملون أمر العمل الجماعي, الذي به قُوَّتهم وبه قدرتهم.
ولا إشكال في أنه لا يوجد امتحان يمر كمثل هذا الامتحان, وكلما قرب وقت الإمام صلوات الله وسلامه عليه كلما ازداد هذا الامتحان, ولقد مرت بلادنا ولا تزال بفتنة من الفتن الموعودة, من الفتن التي تمر بالشيعة لتمتحنهم، ففي قول الصادق عليه السلام وقد سُئِلَ عن خروج الإمام فقال: "لا والله حتى تفرقوا, لا والله حتى يبصق بعضكم في وجه بعض, لا والله حتى يلعن بعضكم بعضا, لا والله حتى يكفر بعضكم بعضا, لا والله حتى يقتل بعضكم بعضا". هل كان الإمام بقول ذلك يريد للشيعة أن يحدث هذا التمزق؟ وهذا التضارب، وهذا الاختلاف؟ لا, ولكن ما لم تأت هذه الاختبارات لا يظهر المنافق من المؤمن الحقيقي, ولا يعرف من الذي صبر في ميدان معركة النفس, وهيأ نفسه ليكون جندياً في جيش الإمام سلام الله عليه, أو رضي أن يكون جنديا من جنود حزب من الأحزاب, فلا يخرج الإمام عجل الله فرجه حتى تستعد شيعته, لا حتى يستعد هو عجل الله فرجه، أيها الشاعر: الإمام عجل الله فرجه مستعد منذ أربعة عشر قرنا, وهو لم يتخل عن وظيفته التي وظفه الله فيها, ولم يتخل عن مهمته التي عينه الله لها, ولكن الخطأ خطؤنا، والعجز عجزنا، واللوم يكون علينا, فنحن الذين لم نهيء أنفسنا جنودا مخلصين له, فنحارب الأحزاب، أي حزب كان, باسمه عجل الله فرجه أو باسم أعدائه, فقد وجدنا الأحزاب التي تنادي باسمه لم تستحي على وجهها؛ فتحالف من ينكر إمامته، ومن ينكر حتى وجود الخالق, وهذه هي نتيجة الحزبية.
إذاً الإمام - روحي فداه - مستعد للظهور ومنذ أربعة عشر قرنا, ولكن الشيعة ليسوا مستعدين حتى اليوم لأن يتلقوا إمامهم فينصروه, فعلينا إذاً أن نهيء أنفسنا جنودا للإمام عجل الله فرجه, أن نعمل على أن نكون له جنودا مخلصين، إذا قال لنا الحزب نهيء نقول نهيء من دون تحزب؛ لأنك إذا تحزبت تقوقعت، وحاربت من خالفك, فإذا كنت مخلصا للتهيئة فأصلح نفسك, أصلح نفسك قبل أن تصلح غيرك, ثم أصلح غيرك, أرشده إلى العقيدة السليمة الصحيحة، أرشده إلى العمل السوي، حارب الخمر، حارب اللواط، حارب الزنا، حارب المنكر، لا أن تحارب المؤمنين لأنهم يرفضون أن تستغل شبابهم، وتضحي بدماء أبناء الشيعة، وأن تزج بأبنائهم في السجون، من أجل أن تصل أنت إلى كرسي، وليس لكرسي الحكم بل كرسي برلمان!!
فإذن العجز هو عجز الشيعة، وليس عجز الإمام عجل الله فرجه، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى ونتوجه إليه بإمامنا عجل الله فرجه وجعل أرواحنا فداه أن يوفقنا من أجل تهيئة أنفسنا لنكون جنوداً مخلصين للإمام أرواحنا فداه.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* كلمة ألقاها في الاحتفال بمناسبة مولد الإمام الحجة عج في 14 شعبان 1419هـ المصادف 2/12/1998م بمأتم قائم آل محمد بإسكان جدحفص
[1] بحار الأنوار-ج14-ص33-العلامة المجلسي
[2] المائدة: من الآية105