طباعة هذه الصفحة

كلمة بمناسبة مولد الإمام المنتظر (عج)

نشكر الله على ما أنعم من الايمان به سبحانه, وهدانا إليه من توحيده, ووفقنا باتباع أنبيائه ورسله، الذين آخرهم وأفضلهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والانصياع تحت لوائه ولواء أهل بيته, الذين هم في هذه الأمه كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، السلام عليكم أيها المؤمنون جميعاً ورحمة الله وبركاته.

قضية الإيمان بوجود مُصلحٍ للكون ليست قضيةً خاصةً بالشيعة, ولا هي بقضية من خصوصيات دين الإسلام, فكلُ الكتب السماوية بشَّرت بمصلحٍ للكون, والغريب في هذه الكتب أنها اتَّفقت في صفات هذا المصلح, واتفقت في موضع ظهوره, ولا أدري إذا كانت الأديان الأرضية أيضاً تحمل أملاً أو لا تحمل أملا, على أي حال إن قضية المهدي عليه السلام ليست قضية خاصة, ولكن الذين يتبنَّون هذه القضية بجدٍ وباعتزازٍ هم خصوص الشيعة من المسلمين, إن تبنِّي قضية المهدي المنتظر عجل الله فرجه ما لم تكن مقرونةً بالعمل الحقيقي والمجاهدة النفسية لا تعني شيئاً مطلقاً.

ففي الرواية عن الصادق سلام الله عليه: "لا يخرج المهدي حتى يكون القائل بإمامته أقل من الكبريت الأحمر, أو أندر من الكبريت الأحمر, أعيانهم موجودة وأشخاصهم مفقودة, وحتى أن الرجل منهم لا يستطيع أن يجهر بعقيدته فيه أمام زوجته وأولاده".

هذه الرواية صحيحة السند ومع ذلك فنحن نرى أن القائلين بإمامة المهدي عليه السلام يبلغون في وقتنا الحاضر أكثر من مائة مليون من البشر، وهم في ازدياد, فيا ترى هل لهذه الكلمة التي أطلقها إمامنا الصادق صلوات الله وسلامه عليه معنىً أعمق مما يتبادر إلى أذهاننا في أول وهلة؟ صحيح أننا كلنا نؤمن بالإمام المهدي عليه السلام, ولكن هل نحن نسير على نهجه ونهج آبائه بحقيقة الحال؟ هل حاربنا الشهوات في أنفسنا؟ هل تتبعنا وبحثنا في يوم من الأيام عمَّا يريد منّا أهل البيت  صلوات الله وسلامه عليهم أن نكون عليه من الخُلق الصالح, ومن العمل الخيِّر؟ ففي الحديث النبوي المشهور عن الأزمان المتأخرة من أمته صفات منها انتشار المعازف والمزامير, ومنها الغناء, ومنها خروج النساء كاسيات عاريات, والتعبيرٌ دقيقٌ جداً في قوله صلى الله عليه وآله تخرج النساء كاسيات عاريات, هنّ كاسيات يرتدين الثياب ولكنهنَّ عاريات, لأن هذه الثياب تبدي كل ما تحتها, إن باللّون أو بالحجم.

لا تظنوا أن من صفات آخر الزمان أن الصلاة تقف, لا, أو أن الجماعات تقلّ, أو أن المساجد تُهدم, أو أن المصاحف تُحرق, لم يأت بأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك حتى يخرج المهدي، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: تطول المنائر, وتكثر الجماعات وتمتد الصفوف, إذن ما هو موطن الفساد؟ أجسامهم مجتمعه وقلوبهم متفرقة, هذا هو الفساد في هذه الصفوف الممتدة, والجماعات المتعددة, تعدد الجماعات وكثرة المصلين في هذه الجماعات مظهر حسن, ولكنه لا يكون مرضيّاً عند الله سبحانه وتعالى لمجرد أنه مظهر حسن, ما لم تكن النية فيه مخلصةً لله سبحانه وتعالى, وما لم يكن الإقبال على الصلاة بدافع الإخلاص لله لا بدافع المراءاة والمباهاة.

إن التشاجر الذي يحصل بين كثيرٍ من الناس في زماننا هذا على الجماعة يكشف عن عدم الإخلاص في النية, وإلا ما هو الفرق أن يصلي في هذا المسجد زيد أو عمرو؟ مثل هذه الأفكار أو مثل هذه الأعمال والتي تكثر في الوقت الحاضر بين الشباب, يؤسفني أن أقول لهم إنها تبعدهم عن حقيقة الجماعة, وعن أهداف الجماعة, أن يصرّ قوم على إخراج عالمٍ يصلي في مسجدٍ ما لمجرد أنه يختلف معهم في بعض الأفكار أو الآراء أو التقليد أو غير ذلك, هذا لا يرتضيه الإمام المهدي, ومن يفعله في حقيقته ليس قائلا ًبإمامة المهدي عليه السلام مائة في المائة وكما ينبغي, أيضاً التسيّب في الأخلاق, تجد الشخص أو الشاب من جهة ملتزماً بالدين في صلاته, وربما في لباسه, وربما في نفسه, لكنه لا يمتنع عن سماع المعازف والمزامير بحججٍ واهية ورخصٍ متداعية, ينطبق عليه أوصاف رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل آخر الزمان "يضربون بالدفوف والمزامير", وفي رواية أخرى "تنتشر بينهم المعازف", يقول النبي صلى الله عليه وآله في خطبته التي خطبها في حجة الوداع وهو مستندٌ إلى ركن الحجر الأسود وهو يصفُ أواخر رجال أمته قال: "إن النساء يشاركْن أزواجهنّ في التجارة", طبعاً البيع والشراء ليس حراماً, فماذا يقصد الرسول صلى الله عليه وآله بمشاركة نساء أمته في آخر الزمان لأزواجهن في التجارة؟ ألا يعني مشاركتهن في الأعمال في الدواوين والدوائر والشركات؟ لا أقول إن عمل المرأة محرّم, لا أقول ذلك, ولكن كما أن الرجل مملوء بالشحنة الجنسية, فالمرأة أيضاً مملوءة بالشحنة الجنسية, وكما أن الشيطان يستخفُ الرجل, فهو أيضاً يستخف المرأة, ما قاله الشعراء الذين وقفوا هنا من كثرة تفشي السفور في هذه البلاد أو تفشي الفساد والزنا, ما هو سببه؟ لا تلقوا اللوم على النساء وحدهنّ, هذه الجريمة دائماً جريمة مشتركة, لا يُعقل أن امرأة تزني من دون رجل, كما لا يُعقل أن رجلاً يزني من دون إمرأة, اللوم على الآباء والأزواج, من الذي أخرجَ المرأة إلى الأسواق والى سواحل البحار وإلى الحدائق العامة المختلطة؟ المرأة لعلها شيطان كانت في قُمقُم سجنها فيه سليمان بن داود عليه السلام فخرجت؟ ولكن من كسر هذا القمقم إذا كانت هي شيطان؟ أليس أبوها أو زوجها؟‍‍‍ جعل الله المسكن لها حرزاً تحترز فيه من الذئاب, فأبى عليها أهلها إلا أن يخرجوها من هذا الحرز ـ أخرج مالك يا أخي واجعله على قارعة الطريق إن بقي لك منه درهم ـ ومع ذلك يأتي فينعى على المرأة سلوكها, وتفور المشاكل والاصطدامات ويكثر الطلاق.

ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له         إياك إياك أن تبتل بالمـاء

يُسمح لها أن تسافر بمفردها بحجة طلب العلم أو بحجة زيارة أهل البيت عليهم السلام أو بحجة النزهة أو غير ذلك, ثم تشنّ عليها الحرب, مازلنا إلى اليوم في البحرين وما من أبٍ إلا ويستطيع أن يمنع ابنته من الخروج من البلد من غير إذنه، وما من زوجٍ إلا وهو متمكن أن يمنع زوجته من ذلك، وما من معيل في العائلة يعجز عن القيام بذلك, هل من يرضى بهذه الأفعال يكون قائلاً بإمامة المهدي عليه السلام كما ينبغي أن يقول بها؟ وهل هذا الأمر هو سلوك الشيعة؟

على أي حال نحن نعيش آخر الزمان, وإذا أردنا أن نتمسك بالإمام المهدي عليه السلام وأن نكون فعلاً مِمَن يؤمنون بقضية الإمام المهدي عليه السلام, فعلينا أن نعدَّ أنفسنا خُلقياً وسلوكياً, ولا يكفي مجرد الاعتقاد, صحيح أن النجاة في الآخرة ترتكز على الاعتقاد, ولكن درجات الآخرة تتفاوت بالأعمال, وتتفاوت بالجهاد ,جهاد النفس.

لكي نكون صادقين مع أنفسنا علينا أن لا نأخذ بهذه الحضارة الغربية, يقول النبي صلى الله عليه وآله في الخطبة التي خطبها في حجة الوِداع وهو مستند إلى ركن الحجر: "ثُم يؤتى بشيءٍ من المشرق وشيءٍ من المغرب فتلون به أُمتي", ما هو هذا الشيء الذي يؤتى به من المشرق ومن المغرب فتلون به الأُمة؟, هو هذا , ما تسمونه حضارة, وتسمونه تقدما, وتسمُّون ما خالفه تصحراً وبداوة, يعترض عليه سلمان رحمه الله فيقول: "أو هذا كائنٌ يا رسول الله؟ قال: إي والذي نفسي بيده, وعندئذ تليهم حُكامٌ إن سكتوا ظلموهم وإن تكلموا قتلوهم", هذه هي النتيجة بطبيعة الحال, لأنه صلى الله عليه وآله في حديث آخر يقول: "كيفما تكونوا يُوَلّ عليكم", معناه أن الذين يتولون عليكم يكونون مثلكم, إن كنتم عُدُولاً يكونون عدولا, وإن كنتم ظلمةً يكونون ظلمة, وإن كنتم صالحينَ يكونوا صالحين, وإن كنتم فاسقينَ يكونوا فسقة, وهذا مقتضى الطبيعة, مقتضى ما يؤكده علم الاجتماع أيضاً، لأن الحاكم في كل مجتمع هو فردٌ من أفراد هذا المجتمع, والحكام في كل بلد هم من أفراد ذلك البلد, فكيفما تكون غالبية الناس يكونون.

انظر في نفسك لو تمكنت ألا تظلم؟ هل أنت عادل في أهل بيتك؟ تساوي بينهم في كل شيء؟ هل أنت عادل في منعهم مما يهلكهم؛ من السماح للبنت بالخروج بهذا المظهر, ومن السماح للزوجة بأن يتصفح وجهها الرجال في الأسواق؟ ويتحدث معها الزملاء في الجامعة والأعمال؟, انظر نفس كل إنسان, هل أن غالبية البلد عادلة؟ ـ انظر كل بلاد المسلمين , لماذا نتكلم عن اليهود وعن الصرب وعن غيرهم؟ كلنا نعيش نفس الأخلاق, من منا تمكن من غيره فأخذته الشفقة والرحمة؟ ومن منا عرف حق غيره فأداه إليه؟ ومن منا مكَّنه الله سبحانه وتعالى من رئاسة عائلةٍ, زوجةٍ أو أُختٍ أو بنتٍ أو أُمٍ فذادها عما يؤدي بها إلى الضرر في الدنيا والآخرة؟ أليس كلنا مسئولين؟ "كلكم راعٍ وكلُ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته".

فإذن لا نفرح لمجرد أننا نعتقد بالإمام المهدي, فأممُ كثيرة تعتقد بوجود المصلح الآخِر, ولو جِئت للنصارى وسألتهم ـ إذا أرادوا أن ينصفوا في الجواب من إنجيلهم ـ عن المصلح الذي ينتظرون, لأعطوك صفات الإمام المهدي المنتظر, ولوصفوا المكان الذي يظهر فيه بأنه مكان يدخله الرجال بثوبين كاشفي رؤوسهم, وتدخله النساء مغطيات الرؤوس, هذا بلد يذكره الإنجيل, بلد المصلح الأخير, لا ينطبق إلا على مكة, فإذن هم يشاركونك نفس الاعتقاد وإن كانوا لا يعتقدون بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وآله, ولا بإمامة عليٍ وبقية آباء المهدي عليهم السلام, ما هو الفرق إذن إذا لم أكن خيراً منهم في العمل والسلوك، إذا لم أكن أنا الذي أُمِّهد لظهور المهدي, امتحاناتٌ تمر بنا, هل نجحنا في امتحانٍ من الامتحانات؟ لا تقولوا لأننا سقطنا فقط في الامتحانات السلوكية, حتى في الامتحانات العقائدية سقطنا، ظهر أهل البدعة بيننا, وادعوا السفارة على الإمام المهدي عليه السلام, وأعلن العلماء مقاطعتهم وتشديد النكير عليهم, ما هي إلا فترة وجيزة ثم يبرد هذا الحماس, وكأن هذه القضية لا ترتبط بعقيدتكم وأنتم تدعون الإيمان بقضية المهدي صلوات الله وسلامه عليه, لماذا؟ نجحنا في هذا الامتحان؟ لم ننجح, يعني أننا سقطنا في الاختبارات, ليس فقط في الاختبارات العملية والسلوكية بل حتى في الاختبارات الفكرية والعقائدية.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يجعلنا ممَّن تنطبق عليه هذه الرواية, رواية النبي صلى الله عليه وآله, وأن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى التوبة من كل الذنوب والآثام، وإلى محاربة العدو الأكبر وجهاده, ليس هو الشيطان ولكنه النفس, فمتى ما تغلبنا على أنفسنا, فقد تغلبنا على الشيطان؛ لأنه عدو خارجي.

وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفور رحيم, وأشكركم جميعاً على هذا الحضور والمشاركة لنا في افتتاح هذا المسجد، وفي تشريفنا في مولد سيد الكون وإمام الإنس والجان عجل الله تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه.

والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

 

*  كلمة ألقاها الشيخ سليمان المدني في مولد الإمام المنتظر (عج) في 15 شعبان 1414هـ بمناسبة افتتاح مسجد المشرف بجدحفص