بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليكم أيها المؤمنون الكرام جميعا ورحمة الله وبركاته.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ]إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ[[1]، ولفظة الاعمار في اللغة لها معنيان، الاعمار بمعنى البناء والتشيِّيد, ولذلك ربما يطلق على البنَّاء معماراً أي أنه يقوم بالعمارة، والاعمار يُؤخذ أيضاً من التواجد والحضور، ولذلك يقال عُمّار الأرض، عُمّار البيت. الله سبحانه وتعالى شرَّك في هذه الآية الذين يبنون المساجد, والذين يتواجدون فيها في صفةٍ واحدة, وهي أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، والتواجد في المساجد لا يعني مجرد الجلوس من أجل لقاء صديقٍ أو الكلام الفارغ في الدنيا, أو ربما في المحرم من غيبةٍ أو مثلها، إعمار المساجد بالحضور فيها إنما يكون من أجل عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته بكل ما للفظ العبادة من معنىً واسع، سواء منها ما يعرفه كل إنسان بالعبادة من الصلاة والدعاء وأمثاله, أو من التدريس والدرس ومناقشة العلم والمحادثة في العلم ، أيضاً يدخل في مفهوم العبادة، وكذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو السياج الحقيقي لحفظ العبادة, فالمسجد ليس محصوراً في جهةٍ من جهات عبادة الله، والفرق بين المسجد وبين الكنيسة عند النصارى, هو أن دين المسيحية بشكله الحالي ومنذ أن حرفه [بولس] ابتعد عن الحياة وابتعد عن النشاطات الحياتية, سواء منها الاجتماعية والسياسية، وأعلن المحرِّف الأول للإنجيل [متٌى] بقوله أو بكذبته على نبي الله عيسى عليه السلام, [أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله]، فقسَّم الوجود قسمين قسم لله وقسم لقيصر، ورضيت هذه المسيحية المحرَّفة أن تعترف بأن لله شريكاً يكون له حصة.
الإسلام يختلف تماماً عن المسيحية، ولذلك يختلف المسجد تماماً عن الكنيسة، فإذا كانت الكنيسة موضعاً لتأدية الطقوس التي يؤديها النصراني غير العربي وهو لايعرف معناها, بأنها أدعية عربية كتبت له بالحرف اللاتيني ويُكتفى في ذلك، فإن المسجد منذ أن أُسِّس في أول يومٍ لم يكن بنايةً تُؤدَّى فيها الطقوس, ولذلك لايمكن قصر المسجد على الصلاة وحدها, القراءة الحسينية عبادة, إذن يجوز إقامتها في المسجد ، الاحتفال بذكرى المعصومين عبادة, إذن يجوز إقامتها في المسجد، المسجد هو كل شيئٍ بالنسبة للمسلم, نعم للمسجد حرمة ويجب أن تُصان هذه الحرمة، فلو أراد أحدٌ أن يستغلَّ اسم الدين, ويُدخل أطوار الغناء في المسجد يُرمى به خارج المسجد، لو أراد أحدٌ أن يستغلَّ الدين ويعبث بأفكار المسلمين من المسجد يُرمى به خارج المسجد، لكن لا يمكن قصر المساجد على الصلاة وحدها, وليس من حقِّ أحدٍ أن يحجر على المسلمين أن يقوموا بكل أنشطتهم الدينية في مساجدهم, وإذا كان الشيعة يملكون مؤسستين إحداها المأتم بالإضافة إلى المسجد, فإن غير الشيعة لا يملكون المؤسسة الثانية، فماذا سيفعلون بمناسباتهم الدينية؟ ألا تُقام في كل البلاد الإسلامية ذكرى الإسراء والمعراج في المساجد؟ هل هذه صلاة؟ ألا تُقام في طول البلاد الإسلامية وعرضها الاحتفالات بليلة القدر, وليس فيها صلاة عند غير الشيعة وإنما هو قصائد وكلمات في المناسبة، صحيحٌ أننا نملك مؤسسةً أخرى هي الحسينية, وهذه أيضاً تُقام فيها الاحتفالات إذا كانت تلك الاحتفالات تتعلق بأهل البيت عليهم السلام وبمذهبهم. نعم إن أهم ركيزة للمسجد هي الصلاة, ولا يجوز أن يتعارض أي نشاط يُقام في المسجد مع فريضة, لا يصح إقامة تعزية في مسجد ويستطيل الخطيب في قراءته مع دخول وقت الفريضة، الفريضة أحقُّ بالمسجد من التعزية، المسجد أيضاً مدرسةً ويصح أن يكون كل مسجدٍ مركزاً للتعليم ومركزاً للتدريس، تعليم القرآن، تعليم العقائد، تعليم الأحكام، تعليم الأخلاق، فالمسجد إذن من أول يوم أسَّسه النبي صلى الله عليه وآله لم يجعله مقتصراً على أداء الصلاة، وبقيَّة المساجد التي في العالم إنما هي فروع من مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، وإنما هي بدل عنه في بلدانهم, وفي أقطارهم وأمصارهم, ونحن نرجو أن يكون هذا المسجد قائماً برسالته في هذه البلاد، في هذه الدار، بأن يُعلَّم فيه كتاب الله, وتُعلَّم فيه العقائد, ويُحفظ فيه هذا النشأ, بالإضافة إلى كونه مركزاً للصلاة وللأدعية وللابتهالات.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لعمل الخير, وأن يجنب الجميع السوء, وأن يبارك سبحانه لمن قام وتبرَّع بإشادة هذا المسجد, ولقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: "من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، قال: أبو عبيدة فمر بي أبو عبد الله عليه السلام في طريق مكة وقد سوَّيت بأحجار مسجداً فقلت له: جعلت فداك نرجو أن يكون هذا من ذلك, فقال: نعم".
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيد الجميع لما فيه الخير والصلاح, ومنذ الليلة الآتية سوف تُقام الجماعة في هذا المسجد بإمامة فضيلة الشيخ ميرزا سند.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* كلمة ألقاها في 6/3/1994 الموافق 20 رمضان 1414هـ بمناسبة افتتاح مسجد الفردان بمدينة حمد
[1] التوبة: من الآية18