almuhadhrat

غربة الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليكم أيها المؤمنون الكرام ورحمة الله وبركاته.

الإسلام الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وآله بدأ في مكة غريبا، يُطارَد أتباعه ويحاربون ويستضعفون، والذين يحاربونهم يدَّعون أيضاً أنهم أبناء إبراهيم الخليل, وأنهم أتباع أبناء إبراهيم الخليل، وأنهم على ملة إبراهيم الخليل، وإبراهيم عليه السلام وهو خليل الله وأبو الأنبياء ينتسب إليه كل أهل الأديان، وَيُجْعَل راية ترفع أيضاً في وجه كل الأديان، فيهود كذبت عيسى عليه السلام, لأنهم أبناء إبراهيم, وأنهم أتباع إبراهيم, وأنهم يعملون بدين إبراهيم، والمسيحيون ومشركوا العرب أيضاً كذَّبوا محمداً صلى الله عليه وآله وحاربوه باسم إبراهيم, وحملوا في وجهه ملة إبراهيم، ولذلك يقول القرآن في معرض خطابه لهم: ]إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[[1]، ويقول في مخاطبة اليهود والنصارى: ]مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[[2]، ويقول للعرب عن الإسلام إنه ملة إبراهيم، وموضع الشاهد أن الذين حاربوا محمداً صلى الله عليه وآله حاربوه باسم الإسلام أيضاً، حاربوه باسم إبراهيم خليل الله عليه السلام, وباسم الحنيفية التي جاء بها إبراهيم، فالحنيفية لم يبقَ منها شيءٌ يَعمل به أهل مكة أو العرب إلا الحج وعقود الزواج والطلاق وأمثال ذلك، بل ربما تجاوزوها حتى في هذه الحدود الضيقة, وحرفوها حتى في هذه الأمور الصغيرة، ولم يبقَ من الحنيفية شيءٌ يعمل به أهل مكة أو العرب، فالأصنام كانت على الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل، كانت في كل مكان يُسجد لها من دون الله, ويُتقرب لها من دون الله، وبسبب تطاول الزمن وتطاول الأمد وقسوة القلوب لم يكونوا يشعرون بأنهم في مفارقةٍ عظيمةٍ مع دين إبراهيم، ومع ملة إبراهيم, فالتجارة عندهم كانت تقوم على الربا، والربا الفاحش، ومن يقرأ القرآن الكريم وينظر محاربته للتعامل الربوي يدرك مدى تغلغل التعامل الربوي في حياة المكِّيِّين خاصةً والعرب عامة، وأن جميع تجاراتهم وجميع معاملاتهم كانت تقوم على الربا، وإلا فلا معنى لأن يعلن القرآن أن التعامل بالربا هو حرب لله. إن الزنا من أكبر الكبائر، واللِّواط حكمه أن يقتل فاعله، وكل هذه الجرائم ما اعتبر الله سبحانه وتعالى مرتكبها محارباً, لأنها إذا كانت تقع فهي تقع في الشذوذ، وبسبب الشهوة وغير ذلك، ولكن لانتشار التعامل الربوي وقيام الحياة الاقتصادية عليه عند المكيين خاصةً والعرب عامة اعتبر سبحانه المتعامل بالربا محارباً له.

إن جميع نواحي الحياة في الحقيقة كانت بعيدةً تمام البعد عن العمل بدين إبراهيم، وبملة إبراهيم، فالنصارى لم يظلوا على ما جاء به عيسى، واليهود ابتعدت كل البعد عن تعاليم التوراة وعن تعاليم الأنبياء، ومع ذلك حاربوا محمداً صلى الله عليه وآله باسم إبراهيم عليه السلام، وحاربوه ونابذوه باسم الانتماء إلى إبراهيم، ولذلك كان يقول صلى الله عليه وآله: " بدأ الإسلام غريبا"، بدأ غريباً في مكة, مستضعفاً لا يقبله أحد، لا تقل لي إنه قد رفضه الأغنياء وقبله الفقراء والمعدمون والعبيد، فإن الأيام كشفت أن كثيراً من الفقراء والعبيد الذين اعتنقوا الإسلام لم يعتنقوه إيماناً واقعياً به, ولا رضاً حقيقياً به، وإنما اتخذوه وسيلةً وغرضاً لتحقيق أهدافهم, وهو التحرر من العبودية، ولأنه بشَّرهم بالغنى والثروة, وإسقاط المديونية الربوية وغير ذلك، والأغنياء أيضاً لم يرفضوه لأنهم يرونه ضد الغنى وضد الأغنياء كما يحاول الاشتراكيون واليساريون عامةً تفسير التاريخ بذلك، فنحن نجد أن كثيراً من الأغنياء دخل في دعوة الإسلام, وساعد الإسلام، وأنفق كل ما يملك في سبيل الإسلام, ومن أعظم الأمثلة أمنا خديجة صلوات الله وسلامه عليها.

إذن فالذين قبلوا الإسلام في مكة ليس لأنهم فقراء مستضعفون، والذين رفضوه في مكة ليس لأنهم أغنياء مترفون، وإنما هناك من آمن بالإسلام رغبةً بالإسلام ونبذاً لما عليه المجتمع، فأبو ذر [رض] مثلا دخل مكة وجاء إلى الكعبة ورأى الناس تسجد للأصنام فضحك، قال له رجل: لم تضحك؟ قال: لماذا يسجدون لهذه الأحجار وماذا ستعطيهم؟ فقال له رجل: إن في مكة رجلاً يقول كما تقول، فقال: هل لك أن ترشدني إليه؟ فأرشده إلى محمد صلى الله عليه وآله فأسلم، أبوذر، إذن ما دخل الإسلام لأنه مستضعف أو لأنه ضعيف أو لأنه فقير أو غير ذلك.

وهناك من دخل الإسلام لغايةٍ، ولذلك تجده يحاول أن يصل إلى غايته ولو باقتلاع أصول الدين من قلوب الناس.

فالعمدة إذن ليست هي الشعار، والعمدة ليس هو العنوان، وإنما العمدة هو الواقع، والعمدة هي الحقيقة، الحقيقة الخارجية وليست الذهنية، هذا الإنسان هل يحتفل بمولد محمدٍ صلى الله عليه وآله لأنه يريد أن يدعو إلى محمدٍ وإلى دين محمد؟ أم تراه يحتفل بمولد محمدٍ ليستغل هذه المناسبة لأجل الكلام عن غاياتٍ دنيويةٍ سياسيةٍ أو اقتصادية؟ وأنه لا يتمكن من تجميع الناس لنفسه فيستغل هذه المناسبة؟

المهم دائماً ليس مجرد الشعار والعنوان، فالشعار قد يكون مقدسا,ً ولكن ما هوالواقع؟ يقول الله سبحانه وتعالى في وصف يهود: ]مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً[[3]، يهود يتبجَّحون أنهم أتباع الأنبياء, وأنهم أتباعُ موسى, وأنهم أتباعُ داود، وأنهم أبناء إبراهيم، وعلى ملة إبراهيم، ولكنهم لا يعملون بشيءٍ ممَّا أنزل الله، ما بقيت موبقة إلا ارتكبوها, ولا محرماً إلا أحلُّوه، خاصةً في المعاملات وفي التعامل، فاليهود لا يجدون غضاضةً في التعامل بالربا, بل هم الذين نشروه في شبه الجزيرة، واليهود لا يجدون غضاضةً من الافتراء والكذب على من يخالفهم الرأي ويخافون منه على أوضاعهم وأموالهم، واليهود يقولون ليس علينا في الأمِّيِّين سبيل، يعني ليس علينا في المكِّيِّين سبيل، يجوز لنا أن نعمل بأبناء إسماعيل ما نريد ولا يكون ذلك حراماً علينا.

والمسلمون وقد طال بهم الأمد، وقست منهم القلوب, وتقلّبت بهم الدول، وأغرتهم حلاوةُ العيش ولين الفراش، ابتعدوا عن دينِ محمدٍ صلى الله عليه وآله, وأصبحوا لا يرونَ في دينِ محمدٍ صلى الله عليه وآله إلا مجرد العنوان, بأنني مسلم، ولكن ما هو واقعُ هذا الإنسان؟ لو عرضَ عليهِ عدوٌ من أعداء محمدٍ، أو عرض عليه عدوٌ من أعداء دين محمد مصلحة جزئية، هل سيقبلها منه مقابل أن يتعاون معه وأن يعترف به؟ أم سيرفضها؟ هذا محك، وعندما يعرض المرتد المولود من أبٍ مسلمٍ وأمٍ مسلمة ويرتد عن دين محمدٍ صلى الله عليه وآله إلى أي دين وإلى أي مذهبٍ وإلى أي نِحلة، شيوعياً كان, أو نصرانياً, أو يهودياً، أو مشركاً, أياً كان, عندما يَعرِضُ على هذا المسلم التعاون معه من أجل تحقيق هدفٍ دنيوي ربما يكون مضراً بالمسلمين، ويلوح له بالنواحي المنفعية الدنيوية، هل أنَّ هذا المسلم يرفض هذا التعاون؟ ويقول له أنت أحد أهدافي التي أسعى في القضاء عليها فكيف أتعاون معك وقد أهرَقَ الإسلام دمك وأباح قتلك؟ أم سيقبلها منه ويتعاون معه؟ ليس مجرد أن يقول الإنسان إنني مسلم يكون مسلماً واقعياً. فإذن المهم ليس هو الشعار, وليس هو العنوان, وإنما هو الواقع, وإنما هو الحقيقة, وإنما هو المصداق، وإن كان التعامل في الدنيا يجري على العنوان ونترك الحقيقة لله يتعامل عليها يوم القيامة، فمن أظهر الشهادتين قلنا إن دمه حرام, وماله حرام, وعِرضَه حرامٌ وهو طاهر العين، ولا نبحث عما في قلبه، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم حقيقته. إذا كان يرى أن الملحدين والمرتدين هم أولى بتعاونه, أولى بتعاطفه من المؤمنين، هذا ينطبق عليه قوله تعالى: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً[[4].

فإذن هذه هي الحقيقة, ما بقي من الإسلام إلا الاسم، فعندما تتطاول الأزمان وتقسو القلوب, وتنحرف الفطرة التي فطر الله عباده عليها بفعل المؤثرات التربوية والاجتماعية، هنا يكون الاختبار، يعود الإسلام غريبا، أو كما يقول الصادق صلوات الله وسلامه عليه: "سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه, ومن الإسلام إلا اسمه"[5]، وفي هذه الحالة لا تنقطع العبادات، بل توسع المساجد وتصطف الصفوف, وتطوّل المآذن، ولكن أجسامٌ مجتمعة, وقلوبٌ متفرقة، متفرقةً لأن أهواءها متفرقة، ولا تجمعها إلا أهداف دنيوية, وسرعان ما تقوم العداوة والبغضاء بينهم بسبب الاختلاف في تلك الأهداف الدنيوية, أضرب لكم مثلاً بأفغانستان, ألم يكونوا يداً واحدةً يوم كانوا يحاربون الروس؟ وإذا برفقاء السلاح أعداء متخاصمين, يقتل كل فريق منهم الآخر, ويستحل كل حزبٍ منهم دماء المنتمي إلى الحزب الآخر, وهم جميعاً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله, ويقيمون الصلوات, ويقرءون قرآناً واحداً, ويستقبلون قبلةً واحدة.

وليس ببعيد ما كان يحلُّ في الصومال, بل في لبنان بين الشيعة أنفسهم, كيف قتل الشيعة الشيعة؟ كيف استحلوا منهم الدماء؟ واستحلوا منهم الأموال؟ واستحلوا منهم الأعراض؟ وهم جميعاً يشهدون الشهادتين, ويدَّعون أنهم يوالون أمير المؤمنين عليه السلام, ويقرؤون قرآناً واحداً, ويصلون صلاةً واحدة, هل هذا هو الإسلام؟ أم أنه ليس إلا عنوان يُتَّخذ؟ وربما أعلن لمحاربة الإسلام ذاته, فلو جاء شخص وقال لهم أيها الناس إنكم مخطئون فيما تفعلون, لقالوا كفر الرجل, كيف يُخطئ العلماء؟ كيف يُخطئ الفقهاء؟ كيف يُخطئ المؤمنين؟ لأنهم يرفعون هذه العنوانات وهذه الشعارات, لا إيماناً حقيقياً بها, وإنما للتَّوصل بها إلى أهداف دنيوية, المؤمن ينبغي أن يكون ولاؤه لله, فإذا لم يكن ولاؤه لله فبقدر ضعف هذا الولاء يضعف إيمانه, المؤمن يجب أن يكون ولاؤه وحبه للرسول صلى الله عليه وآله, وبقدر ما يضعف حبه وولاؤه للرسول يضعف إيمانه, يقول النبي صلى الله عليه وآله: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه, وتكون عترتي أحب إليه من عترته, ويكون أهلي أحب إليه من أهله, ويكون ذاتي أحب إليه من ذاته"[6], وليس معنى الحب أنني أحملهم شعاراً, ولكن معنى الحب أن أسير على طريقهم, أن أعمل بهديهم, أن لا أوالي لهم عدواً منكراً جاحداً, ألا ترى أن الناصبي الذي يبغض علياً عليه السلام يشهد الشهادتين, فلماذا يُجمع المسلمون على أن الناصبي خارجٌ عن الإسلام؟ لقوله صلى الله عليه وآله: "حب علي إيمان"[7], هذا حديثٌ مُجمعٌ عليه بين المسلمين, فإذا أبغضَ علياًّ عليه السلام انتفى الإيمان من قلبه, فكيف بمن ترك دين محمدصلى الله عليه وآله, وأنكر نبوته مع ولادته من أبٍ وأمٍ مسلمين, وفي بلدٍ مسلم, وفي مجتمعٍ مسلم؟ وأخذ يدعو أبناء المسلمين للسير معه وفي ركابه, هل هناك أعدى من هذا العدو لمحمدٍ صلى الله عليه وآله؟ ومن يرضى أن يتحالف مع هذا لأي غرض, هل يكون مؤمناً حقيقياً؟ هذا السؤال ينبغي أن يجيب عليه كل مسلمٍ بصدقٍ وإخلاص, إجابةً يقولها لربه يوم القيامة, نعم التعاون مع المرتد عن دين محمدٍ صلى الله عليه وآله لا يتنافى مع الولاء لك يا رب, ولا يتنافى مع الولاء لرسولك محمد صلى الله عليه وآله, ولا يتنافى مع الولاء لدينك, إذا استطاع بينه وبين ربه أن يجيب على ذلك, فليُفرح نفسه – إن شاء الله – بما سيلقاه, وإن كان لا يتمكن من أن يجيب ربه بهذا الجواب, فليعمل ما دام الأمر بيده، ومادام يستطيع أن يكون من أولياء الله بإرادته واختياره، ليعمل على الابتعاد عن هذا الطريق.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً, ويهدينا سواء السبيل, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

*  كلمة ألقاها الشيخ سليمان المدني في الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله في 18 ربيع الأول 1418 هـ المصادف 23/7/1997م بمسجد المشرف بجدحفص

[1]  النحل:120

[2]  آل عمران:67

[3]  الجمعة: من الآية5

[4]  النساء:50

[5]  الكافي - ج8 – ص308 - الشيخ الكليني

[6]  بحار الأنوار- ج17- ص13- العلامة المجلسي

[7]  بحار الأنوار-ج38- ص95

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.