almuhadhrat

الاجتهاد في الأحوال الشخصية

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  عنوان هذه المحاضرة مألوف في أيامنا لا في لغة الصحافة وحسب، بل في لغة رجال القانون أيضا، لكنه جمل غير متناسقة في نظر رجال الفقه الإسلامي، والقضاء الشرعي؛  فلفظ الاجتهاد مصطلح إسلامي أصيل، بينما مصطلح الأحوال الشخصية مصطلح  دخيل على الفقه والقضاء في هذه البلاد.

والعنوان بهذه الصياغة المزدوجة إنما يدل على الازدواجية الحضارية التي ابتليت بها أمتنا نتيجة لهيمنة الفكر الغربي والثقافة الغربية على مجتمعاتنا، وخاصة في مجال التشريع والحقوق.

إن ما يطلق عليه لفظ الأحوال الشخصية ليست شخصية في حقيقتها، وإنما أحوال اجتماعية بكل ما لهذه الكلمة من معنى في اللغة العربية. إنها علاقة إنسان بإنسان أو بأكثر من إنسان، فكيف نجيز لانفسنا ان نطلق عليها اسم الأحوال الشخصية؟!

لو كانت هذه الأحوال شخصية لما شغلتم أنفسكم بها أنتم يا حملة القانون والتشريع، فهل بلغكم أن أحداً اقام دعوى على آخر لأن هوايته جمع الطوابع؟ او جمع علب الكبريت الفارغة؟ أو لأنه أصر على الاستحمام بالماء البارد في عز الشتاء؟ أو لأنه يفضل أكل السمك المقلي على الدجاج؟!

أرجو أن لا تستغربوا من هذه الامثلة الشاذة. ذلك أن مثل هذه الأمور وفي هذه الحدود الضيقة يمكن أن تسمى بالأحوال الشخصية، مع إمكانية أن تخرج من الإطار الشخصي لو توسع الفرد في أساليب استعمالها.

العلاقات الأسرية ليست أحوالاً شخصية، بل علاقات اجتماعية معقدة، وذات حساسية شديدة، وتأثير خطير في البنية الاجتماعية بكل ما تشتمل عليه من مظاهر لغوية وفكرية وتنظيمات مالية وسياسية.

الصبغة الاجتماعية ألصق بالأحوال الأسرية من النظم الاقتصادية والمالية, والحكم فيها أخطر من الحكم في المسائل المالية.

صياغة العنوان إذاً تدل على تشوش الفكر القانوني بمفهومات ليست من أصل واحد، وهذا أمر ملاحظ على كل النظم القانونية في البلاد العربية والإسلامية  في أيامنا هذه. ويكفي للتدليل على هذه الظاهرة ما يصدر من المحاكم من أحكام بالفوائد الربوية في الاقطار العربية مع أن الشريعة الإسلامية تمثل النظام العام فيها إن لم ينص دستورها على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للأحكام.

ولكن مالنا ومناقشة صياغة العنوان مادمنا جميعاً نعلم أو نعرف معناه، وإنما السؤال المطروح لماذا اختيار هذا العنوان بالذات؟

إن من يتابع ما ينشر في صحف هذه الأيام من أخبار الندوات التي تقام بين الفينة والفينة، والمقابلات التي لا تفتأ مع رجال القضاء والتشريع، والتركيز على أحكام معينة مما يصدر من المحاكم الخاصة بأمور الأسرة، يجده كله يصب في بوتقة واحدة، هي بوتقة الداعين إلى تقنين الأنظمة الفقهية التي تتعلق بالأحوال الأسرية. وهذا العنوان يوحي بالسؤال عن مدى سعة الاجتهاد الممكن في هذه النظم الفقهية والقواعد الشرعية، ولاشك أن التقنين يعني وقف الاجتهاد، فهل لي أن أفهم بأنه إجابة على دعوة المطالبة بالتقنين بدعوة مضادة مؤدَّاها التوسع في الاجتهاد في الأحوال الأسرية؟!

ومهما يكن القصد من العنوان، فالذي ينبغي أن أبينه هو معنى الاجتهاد ومدى جوازه في الشريعة الاسلامية، وهل هو قابل للتخصص بأن يكون اجتهاداً في باب من الفقه دون باب، ثم ما إمكانية التوسع في الاجتهاد في مثل أحوال الأسرة التي اهتم بها الإسلام اهتماماً بالغاً وورد فيها كثير من الآيات القرآنية، وأصدر فيها الرسول صلى الله عليه وآله كثيراً من الأحكام والفتاوى.

  ما هو الاجتهاد؟

عُرِّف الاجتهاد قديماً بأنه النظر والرأي في المسائل الدينية[1]. ويعزى بدايته إلى خلافة عمر بن الخطاب [رض]، بل تنسب إليه ذاته اجتهادات في مسائل كثيرة[2]، وكانت هذه بداية انشطار علماء الأمة إلى مدارس مختلفة في التشريع، وفي مدارك الفقه، وأصوله.

وكان الشيعة أسلاف الإمامية في مقدمة الرافضين لإقحام النظر العقلي في مجال التشريع، والداعين إلى التزام النص ممثلاً في آيات القرآن الكريم والسنة النبوية وما يصدر عن أئمة أهل البيت من أحكام. ويكفي في تسجيل موقف الشيعة في تلك الحقبة ما ورد عن علي عليه السلام من ذم صريح لإعمال القضاة الأدلة العقلية في الأحكام. يقول عليه السلام: "أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له؛ فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل ديناً تاماً فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول: "ما فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان لكل شيء"[3]. ويقول في ذم أصحاب الرأي: "ورجل قمش جهلاً، مُوضِعٌ في جهال الأمة، عاد في إغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالماً وليس به, بكر فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً، ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، فان نزلت عليه إحدى المبهمات أعد لها حشواً من رأيه، ثم قطع به فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت". إلى أن يقول في آخر الكلام: "لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذر الروايات كذر الريح الهشيم"[4]. بل بلغ  من موقف علي عليه السلام تجاه أصحاب الرأي  والنظر العقلي أنه حذر من اتباعهم فيما توصلوا إليه من أحكام، ويظهر ذلك جلياً في قوله: "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع  يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا"[5]. والتزم الأئمة من ذرية علي عليه السلام هذا الموقف، ودافعوا عنه دون هوادة، فعن الإمام الصادق في جواب أبي بصير وقد قال له: "ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب ولا سنة أفننظر فيها؟ فقال عليه السلام: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله"[6]. وقال الإمام المنتظر [عجل الله فرجه] وهو يحدد لهم من يترافعون عنده  في الخصومات: "انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فاجعلوه عليكم قاضياً"[7].

ولم يغفل الإمام الثاني عشر وهو يُعِّين لشيعته من ترجع إليه أثناء الغيبة من أن يحصر ذلك في رواة الحديث؛ يقول عجل الله تعالى فرجه في التوقيع الصادر لإسحاق بن يعقوب عن طريق محمد بن عثمان العمري: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله".

موقف الشيعة منذ البداية كان رفضاً لإقحام النظر العقلي، وإعمال المعايير والقيم العقلية في الفقه والقضاء.

وقد ورث الإمامية هذا الموقف من آبائهم وأصروا عليه -عدا الزيدية والكيسانية– مع اختلاف فرقهم من إسماعيلية وواقفية وقطعية، أو غير ذلك من الفرق. وقد كان فقههم يتميز بأنه فقه المحافظة على النص والابتعاد عن الرأي والاجتهاد، وكانت هذه هي شهرتهم بين فرق المسلمين، وخاصة أصحاب الكلام، ومؤرخي الفرق، وحتى قال الأشعري: "وقالت الروافض بأجمعها بنفي اجتهاد الرأي في الأحكام وإنكاره"[8] وتظهر المصادر الإمامية - خاصة عند التي ألفت في فترة القرون الثلاثة الأولى - أن الإمامية يرفضون الاجتهاد بهذا المعنى رفضاً كلياً وباتاً.

وإذا جئنا إلى أواخر القرن الثالث، وطيلة القرن الرابع، لم نلحظ أي تغير في موقف الإمامية من هذه المسألة، بل نجد أنه انضم إليهم أتباع الإمام مالك وأتباع الشافعي وأحمد[9]، وإن لم يصلوا إلى الحد الذي بلغه الإمامية من نبذ الاجتهاد، فقد اعتمد الشافعي على القياس في مسائل كثيرة، كما يفتي مالك في بعض المسائل بالاستحسان، وعرف عنه عمله بالاستصلاح. بينما بقي الإمامية مصرين على نبذ كل ذلك، بل منع الاجتهاد العقلي في الدين من أساسه.

يقول الشيخ الطوسي في عدة الأصول في باب الرد على من قال باجتهاد النبي صلى الله عليه وآله: "إن هذه المسألة تسقط على أصولنا، لأننا قد بينا أن الاجتهاد والقياس لا يجوز استعمالها في الشرع، وإذا ثبت ذلك، فلا يجوز للنبي ولا لأحد من رعيته حاضراً كان أو غائباً، لا حال حياته ولا بعد وفاته استعمال ذلك على حال"[10]. ويقول في مقدمة كتاب المبسوط في وصف الأئمة: "ولم يكلهم إلى الآراء المضلة، والمقاييس المبطلة، والاجتهادات المخزية، بل جعل أقوالهم الحجة، وأفعالهم القدوة"[11].

خلاصة القول، أن الإمامية كانوا يرفضون النظر العقلي في استنباط الأحكام والقضاء تبعاً لموقف أئمتهم، بل يجمدون في الغالب على نصوص الرواية خوفاً من أن يقعوا بسبب التأويل في الاجتهاد[12]. ولا أريد في هذا الموقف أن أتتبع ظاهرة الإنكار أو الاستنكار لمحاولة إقحام الأدلة العقلية في مقام استنباط الأحكام الشرعية الفرعية أو في مقام الحكم والقضاء في مختلف العصور، إذ إن هذه المحاضرة لم تعمل من أجل التأريخ لهذه الظاهرة، ولكني أقول: إن التيار العام للفقه الإمامي خاصة الاثني عشري يرفض الاعتماد على الاجتهادات العقلية في الفقه والقضاء حتى يومنا هذا، ويكفي للتدليل على ذلك أن كبار دعاة التحرر في البحث العلمي من مراجع الإمامية يبعدون عن أنفسهم تهمة العمل بالأدلة العقلية، أو الاجتهاد بالرأي في الأحكام الشرعية.

فنجد السيد الشهيد محمد باقر الصدر يعترف وهو في مقام الرد على نفاة الاجتهاد والتشنيع عليهم بـ"أن مدرسة اهل البيت كانت تحارب الاتجاه العقلي المتطرف"[13]، بل اضطر بعد أن ألفَّ هذا الكتاب أن يبعد عن نفسه تهمة العمل بالدليل العقلي، وإنْ كان يقول بجواز إعماله، فقال في مقدمة كتابه الفتاوى الواضحة تحت عنوان [الاجتهاد والتقليد مبدآن مستمران] ما نصه: "ولما كانت مصادر الشريعة محفوظة إلى يومنا هذا في الكتاب الكريم كاملاً بدون نقصان وعدد كبير من أحاديث السنة الشريفة، فمن الطبيعي أن يستمر الاجتهاد كتخصص علمي في فهم تلك المصادر واستخراج الأحكام الشرعية منها"[14].

ويقول تحت عنوان مصادر التشريع: "ونرى من الضروري أن نشير أخيرا إلى مصادر التشريع التي اعتمدناها بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة، وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث، عبارة عن الكتاب الكريم والسنة الشريفة، عن طريق الثقاة المتورعين في النقل، مهما كان مذهبهم، أما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغاً شرعياً للاعتماد عليها. وأما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا، فنحن وإنْ كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به، ولكنا لم نجد حكماً واحداً يتوقف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة" إلى أن يقول: "وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة"[15].

وما ذلك إلا لقوة هيمنة عملية الرفض لمصدر غير الكتاب والسنة. تلك العملية التي ابتدأها علي عليه السلام من أول يوم بزغت فيه نزعة الاجتهاد العقلي في الإسلام، وبقي تيارها قوياً جارفاً في فقه الإمامية.

ويقول أستاذنا السيد أبو القاسم الخوئي - وهو في مقام الكلام عن الاجتهاد- "إنه قد عرف الاجتهاد في الاصطلاح باستفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، ولكن لا يهمنا تحقيق مفهومه، فإنه بعنوانه لم يقع موضوعاً لشيء من الأحكام الآتية في لسان الأدلة كما ستسمع إن شاء الله تعالى؛ على أن التعريف المزبور باطل من أصله". ويتابع كلامه في هذا الصدد حتى يقول: "ولعل التعريف المذكور أوجب استيحاش الأخباري من جواز الاجتهاد وعدَّه من البدع والمحرمات، فالصحيح أن يعرف باستفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو تعيين الوظيفة عند عدم الوصول إليها"[16].

ولو تمعنا في هذا التعريف لوجدناه محاولة للم الشمل أكثر منه تعريفاً حقيقياً للاجتهاد.

وذلك أولاً: لأن الاجتهاد عند المتأخرين من فقهاء الإمامية الاثني عشرية ملكة علمية، تُمَكِّن صاحبها من استنباط الحكم وليس عملية فعلية[17].

وثانياً: أن الرفض لم يكن لخصوص الأدلة العقلية الظنية حتى يزول الاستيحاش بمجرد استبعاد لفظ الظن من التعريف. على أن التعريف لا يستبعد الأدلة الظنية، بل يتستر عليها فإن من يعمل بالأدلة الظنية لا يدَّعي أي منا قيام الحجة عنده على جواز إعمالها في الشريعة. بل لا يرضى فقيه أن يقال إنه يعمل بما لم تقم عليه الحجة. ومن أجل ذلك لم يتمكن أستاذنا من إزالة الاستيحاش من نفوس الرافضين لإعمال الدليل العقلي في الأحكام الشرعية، فإن استفراغ الوسع واجب خلقي عند الجميع، يقتضيه الإخلاص للعلم والحياطة للدين.

وفي مقام الإجابة على سؤال فيما إذا كان قد اعتمد في فتوى من فتاواه على دليل العقل، أجاب مُدَّ ظله: "لا شك أن الأحكام الشرعية مجعولة طبق المصالح والمفاسد الواقعية، وليست مجعولة جزافاً، إلا أن عقولنا القاصرة لما لم يسعها أن تدرك تلك المقتضيات، ودين الله لا يصاب بالعقول، فلأجله يجب علينا أن نتعبد بالأدلة الشرعية السمعية من الكتاب والسنة"[18].

والخلاصة: أن عملية الاجتهاد عند الإمامية - وخاصة الاثني عشرية - تجري في حدود فهم النص الشرعي ودراسته لاستخراج الحكم منه، وقد لازمت هذه الصفة الشيعة منذ بداية تاريخهم، فحدود الاجتهاد عندهم - من حيث وسائله وأدواته - لا شك أضيق من حدوده عند غيرهم من المدارس الفقهية الإسلامية، والتي تسوغ إعمال المعايير العقلية بصورة أو بأخرى.

لكن ذلك لايعني أن هناك مسائل يستطيع الفقيه غير الإمامي أن يتكلم فيها ويعجز الفقيه الإمامي عن خوضها وبحثها. وذلك لأن الشيعة اهتموا منذ بداية تاريخهم بتدوين أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وأحكامه وأقضيته، وكذلك أحاديث الأئمة من أهل البيت، ويكفي أن نعرف بأن الصحابة الملازمين لعلي ألَّفوا كتباً من أقوال الرسول صلى الله عليه وآله، وأقوال أمير المؤمنين، ومنهم على سبيل المثال: أبو رافع مولى علي عليه السلام، وسليم بن قيس الهلالي، بينما لم يهتم سائر المسلمين بهذه العملية إلا بعد عصور متمادية، بسبب ما اعتقدوه من نهي النبي صلى الله عليه وآله عن كتابتها[19]. فمن أجل ذلك صار عند الشيعة ثروة كبيرة من الروايات.

وثانياً: أن الفقيه الشيعي لا يلزم نفسه بصحة جميع ما في كتاب معين، أو عدم صحة جميع ما في كتاب معين، أو يقتصر على رواية من يتفق معه في الاعتقاد، بل هو يبحث عن الخبر الصحيح في أي مصدر من مصادر الإسلام، فإذا ما توافرت له شرائط الصحة عمل به، بغض النظر عن مذهب الراوي وعقيدته[20]. ومن أجل ذلك فما من مسألة تكلم فيها القائلون بالاجتهاد العقلي إلا وتكلم فيها الشيعة الإمامية، لأنها كما يقول الشيخ الطوسي منصوصة في أخبارنا تلويحاً أو تصريحاً[21]، وقد مرت بك مقالة الشهيد السيد محمد باقر الصدر - وهو من القائلين بتسويغ استعمال العقل في الاستدلال على المسائل الشرعية -، "أنه ما من مسألة يمكن إثباتها بدليل العقل إلا وهي مذكورة في الكتاب أو السنة".

  الاجتهاد والقضايا الأسرية:

  إن المبدأ العام عند الشيعة الإمامية أن منصب القضاء لا يتولاه إلا من يكون قد حصلت عنده ملكة الاستنباط، أي القدرة على الاجتهاد في الأحكام الشرعية بالحدود التي ذكرناها سابقاً. ولكن لا يشترط فيه أن يكون من الدرجة الأولى أو الثانية من الفقهاء، بل يكفي أن يكون قادراً على ترجيح أدلة الأقوال المختلفة، وبعضهم اشترط أن يكون قد مارس عملية الاستنباط فعلاً، وأنه استنبط عدداً من الأحكام معتداً به. والأصل في ذلك ما رووه عن الإمام الصادق عليه السلام "انظروا إلى رجل منكم قد عرف شيئاً من أحكامنا فاجعلوه قاضياً عليكم، فإني رضيت به قاضياً"، باعتبار أن لفظ [شيء] يفيد الجزئية، فيكفي فيه أن يكون قد استنبط عدداً من الأحكام ليصح له أن يتولى القضاء. نعم، وقع الخلاف في قاضي التحكيم، وهو الشخص الذي يختاره المتداعون ليحكم في قضيتهم من دون أن يكون منصوباً للقضاء، هل يشترط فيه أن يكون واجداً لشرائط القضاء كملا بما في ذلك ملكة الاجتهاد؟ أم يختلف في هذه الناحية عن قاضي الأصل، أي المنصوب؟ ويذهب كثير من الفقهاء ومنهم الشهيدان في اللمعة والروضة إلى اشتراط الاجتهاد فيه[22]. مع اتفاقهم في غير هذه الصورة على عدم جواز اعتماد القاضي على فتاوى الفقهاء في إصدار الأحكام إلا أن يترجح عنده الدليل عليها، ولا فرق في ذلك بين فتوى الحي و الميت. بل لا تنفعه تولية الفقيه الحي له[23].

لكن الذي جرى عليه أكثر المعاصرين إجازة تولي القضاء لمن لم يكن واجداً لملكة الاستنباط، مع تصريحهم في كتبهم الاستدلالية والعملية باشتراط الاجتهاد في القاضي، بل يذهب أكثرهم إلى أن الحق المأخوذ بحكم غير واجد الشرائط لا يكون حقاً، وإنما يأكله صاحبه سحتاً، وإن اختلفوا في هل أنه تختص الحرمة بالدين أو تشمل التقاضي في الأعيان؟

نعم، نُقل عن ابن فهد أنه في حال عدم توافر واجد الشرائط -المعبر عنه بألسنتهم بالحاكم الشرعي- فإنه يجوز للعدل من المؤمنين القيام ببعض الأمور الحسبية مثل النظر في شئون الأيتام والأوقاف وما إليها، لا تولي الأحكام[24].

ولعل أول من أجاز ذلك في رسالته - حسب ما أعرف - هو السيد كاظم اليزدي قدس سره في كتاب [العروة الوثقى]. وربما كان الداعي لذلك مقام الضرورة من تيسير أمور الناس في موضع لا يوجد به جامع الشرائط.

غير أن بعض الأساتذة قد أجاب عن سؤال كنت قد وجهته له في مجلس البحث بأن القضاء من مناصب الفقيه، فله أن يباشره بنفسه، وله أن ينيب فيه عنه[25]، وهو جواب غريب في بابه، إذ نصوا في باب النيابة على أن القضاء لا تدخله النيابة. إضافة إلى ما ذكره صاحب الحدائق من أن كون القضاء من مناصب الفقيه، بأن له أن يباشره في زمن الغيبة، فعندئذٍ إنْ كان المُجاز ممن اجتمعت فيه الشرائط فليس له حاجة في هذه الإنابة أو الإجازة، وإن لم يكن متصفاً بها لم تنفعه[26]. نعم لو قلنا بولاية الفقيه فإن ذلك يمكن أن يصحح لاقتضائها جواز تولي الفقيه لمناصب إمام الأصل، لكن كثيراً من الإجازات التي صدرت في هذا الشأن صدرت ممن لا يقول بولاية الفقيه.

وينبغي أن يلاحظ هنا أن لفظ القضاء عند الفقهاء الشيعة لا يختص بالنظر في أمور الأسرة، أو ما اصطلح عيه بالأحوال الشخصية عند الوضعيين، بل القاضي له أن يحكم في كل المنازعات المالية والأسرية وغيرها.

فهذا التخصص في القضاء لم تعرفه البلاد الإسلامية إلا منذ قرنين على الأكثر، أي بفعل الدول المستعمرة التي سيطرت على البلاد العربية والإسلامية، ورأت أن مصالحها لا تستقيم مع بقاء القضاء في أيدي رجال الفقه الإسلامي، مع عدم إمكانية أن تتدخل في الشؤون الدينية والأسرية، ففصلت هذه الموضوعات في محاكم خاصة أطلق عليها اسم المحاكم الشرعية. وفي بعض البلاد التي تمكنت من الهيمنة عليها هيمنة تامة قننت هذه الموضوعات باسم قانون الأحوال الشخصية، مع أنها استثنت ما هو ألصق بالشخصية مثل إثبات الهوية، وإثبات الأهلية من هذه المحاكم حتى لا تتضرر سياساتها، التي تريد إمضاءها على المسلمين، بل أخرجت ما هو أشد التصاقاً بالشخص وهو عملية إثبات الميلاد أو اختيار الاسم من سلطة المحاكم الشرعية.

فالاجتهاد إذاً شرط في القضاء، إنْ في خصوص الأمور الأسرية أو غيرها، لكن ذلك لا يعني أن القاضي يعمل برأيه من دون استناد إلى دليل شرعي معتبر.

ومجال الأمور الأسرية أضيق دائرة من غيرها في عملية الاجتهاد الحر - لو تم لنا أن نقول بجوازه شرعاً والخروج بنتائج لم يكن الفقه طيلة هذه القرون قد تكلم عليها -, وذلك لكثرة الآيات والروايات الواردة في تنظيم الأسرة وتعيين حقوق الزوجين والأبناء والأبوين وسائر القرابة، وواجبات كل طرف تجاه الآخر. اللهم إلا أن نجيز لأنفسنا الاجتهاد حتى في مقابل النص.

نعم في المسائل التي يقع فيها الاختلاف بين الفقهاء أو بين الفقه والقضاء يمكن للقاضي أن يرجح مذهباً على مذهب إذا قام عنده دليل على ترجيحه. وفي مثل هذه الحالة لا يخضع القاضي لسلطة المحكمة التي تكون أرفع درجة من محكمته، فالقاعدة في الفقه الإمامي أن الحكم اذا صدر ممن له إصداره لا يجوز نقضه إلا مع تبين بطلانه، والمقصود ببطلانه بطلان الدليل الذي اعتمد عليه ذلك الحكم، وفي مثل الحالة التي نتكلم عليها تكون المسألة اجتهادية محضة، ولا يصح الحكم ببطلان الدليل لمجرد أن يخالف اجتهاد ذلك القاضي الذي ترفع إليه القضية بعد الحكم فيها من قاضٍ آخر.

   

الأسئلة:

- الدكتور عباس نتو: أرجو أن لا يستشف من حديثكم الكريم أن هناك تعارضاً وتنافياًً أساسياً بين الدين والعقل.. إن المقولة المأثورة عن الإمام عليه السلام عن القرآن بأن له ستين وجهاً. هل من وسيلة لاستنباط أكثر من وجهين إلا بالعقل؟

- الشيخ سليمان المدني: عندما نقول إن الشيعة يرفضون عملية الاجتهاد العقلي في استنباط الأحكام فإننا لا نعني بذلك أنهم يقولون بالتنافي بين الدين والعقل، أو أنهم يرفضون العقل في كل المجالات، ولكن الفرق كبير بين مجال استنباط الأحكام الفرعية الجزئية وهو أمر ينصب على أفعال المكلفين الجزئية وبين مجال استعمال الأدوات العقلية والمنطقية.

على أن العقل الذي يتنازع حوله المحدّثون والمجتهدون ليس هو ما يفهمه أكثر الناس، ولكنهم يقصدون بذلك العقل العملي. والعقل العملي يرتكز على معنى الحسن والقبح وهذه مسألة كلامية قد اختلفت فيها المدارس الكلامية الإسلامية اختلافا شديداً، والشيعة الإمامية يقولون إن العقل له قدرة إدراك الحسن والقبح في الأشياء، وأن إدراكه لحسن الأشياء وقبحها لا يتوقف على بيان الشرع، ولكن السؤال المطروح هنا كل ما أدركه العقل حكم به الشرع؟ طبعا من أجاب بنعم قال بجواز الاستدلال العقلي على الأحكام الشرعية الفرعية، ومن قال لا لم يجز إجراء الاستدلال بالعقل في الأحكام الشرعية.

العقل حجة الرحمن على عباده وآيات القرآن صريحة ناطقة وكررت ]أَفَلا يَعْقِلُونَ[[27]، ]إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[[28]، وأما أن يكون الفهم اللغوي بالعقل فهذا أمر بديهي، وإذا كان هذا هو معنى العقل فما من أحد إلا ويقول بالعقل، وعندما تقول إن فهم الآيات القرآنية يكون بالعقل فعندئذٍ لا يوجد حكم لا يحتاج إلى استعمال العقل، حتى الفهم اللغوي للقرآن، فالقرآن آياته تختلف، فمنها الآيات المحكمات، وهي التي لا تتحمل إلا وجها واحدا مثل قوله تعالى: ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[[29]، ومنها ما هو ظاهر ليس محكماً، بل يحتمل أكثر من وجه... ولا شك أن فهم أو ترجيح هذا الوجه على هذا الوجه يحتاج إلى قرائن على الفقيه والمفسر أن يُجهد نفسه في تحصيلها قبل أن يفتي بالوجه الذي يرجحه في الآية. ومنه آيات متشابهات، لا يجوز البناء على ما يفهم منها إلا من نص آخر، والذي يتعلق بالأحكام الشرعية الفرعية من الكتاب خمسمائة آية لا غير، وليس كل آيات القرآن تتعلق بمقام استنباط الأحكام الفرعية، ثم إن هذا كما يجري في الكتاب يجري أيضاً في السنة المطهرة، ففيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، إلى غير ذلك، وكلها لا بد من ترجيح بعضها على بعض بقرائن من اللغة، أو من الثابت من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام حتى يُعمل بهذه الرواية أو لا يعمل، وربما كانت للروايات معارضات. روايات أخرى تعارضها ولو في ظاهر الفهم وبدايته.

على الفقيه أيضاً أن يحاول الجمع بينها بقدر المستطاع، فاذا عجز ذهب الى باب المرجحات في ترجيح هذه الرواية على أخرى، وهذا لابد أن يكون الإنسان فيه عاقلاً، ولكنها ليست عملية عقلية.

- سؤال: ما هو حكم القاضي الفاقد للبصر؟

- جواب: اختلفوا فيه، فمنهم من قال إنه يلزم أن يكون سليم البصر، وأن يكون قادراً على تمييز الخصمين، ومنهم من قال يكفي أن يميزهما بالصوت، وكاتبه سوف يقوم بتدوين كلام الطرفين وأسمائهما.. ولا شك أن الصفة الغالبة على فقه الإمامية اشتراط أن يكون القاضي سليم البصر، فلو كان فقيهاً متضلعاً ولكنه فاقد البصر فلا يصح أن ينصب قاضياً.

- سؤال: هل يجوز لدى الشيعة الإمامية تنصيب المرأة منصب القضاء؟

- جواب: طبعاً لا.. ففي قول الصادق: (انظروا إلى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في أحكامنا وعرف حلالنا وحرامنا) انظروا إلى رجل منكم عرف شيئاً من قضايانا، فاشترط الرجولة في القاضي، وهو يمنع من أن تحتل المرأة منصب القضاء.

- سؤال: لم يتحدث فضيلة الشيخ عن الإجماع ورأيه فيه؟

- جواب: لم أكن أتكلم عن أصول الفقه وبيان ما هو حجة وما هو ليس بحجة حتى أتكلم عن الإجماع. ولم أترك الإجماع فقط، بل تركت كثيراً مما يتنازع عليه في أصول الفقه، وكلامي كان عن الاجتهاد في الرأي فقط، باعتبار أنه أول تعريف للاجتهاد، وذلك عند الشيعة فقط، لأنه لا يمكنني أن أتابعه في بقية المدارس، وسوف يتابعه الأخ الشيخ عبد اللطيف في محاضرته ويبين لكم رأي المدارس الأخرى.

- سؤال: إن مصادر التشريع أربعة (( الكتاب، السنة، الاجماع، العقل )) فما قولكم فيها؟

- جواب: إذا كنت تقصد ما يبحث في الأصول فلماذا الحصر بأربعة؟ ما يُبحث في الأصول مصادر كثيرة. فكل ما قال عنه فقيه من الفقهاء أنه حجة بُحث في الاصول ونوقش، منها القياس، ومنها الاستحسان، وغيرهما.. وإن كنت تقصد ما يقول به علماء الشيعة، فان مصادر التشريع أربعة، وإن كان غالبية علماء الشيعة لا يقولون بالأربعة، فمنهم من يقول بثلاثة، فأما أن يضع العقل وأما أن يضع الإجماع، ومنهم من يقول غير ذلك، بل إن علم الأصول يبحث كل ما يحتمل حجيته، فأما أن يثبت عند ذلك الأصولي حجته أو ينفيها.

- سؤال: هل يشترط لإيقاع التطليق للضرر أن يكون القاضي الناظر في الدعوى مجتهداً؟ وهل يتوفر ذلك بالنسبة للقضاء البحريني الجعفري؟ وإذا كان الجواب بنعم فما ذنب المرأة الجعفرية؟

- جواب: قلنا إنه يشترط الاجتهاد في القضاء سواءً في حالة الحكم بالتطليق أو بالنفقة أو بالرجوع الى زوجها، فالقاضي أساساً عند الشيعة يشترط فيه أن يكون قادراً على الاجتهاد. أما أنه ما ذنب المرأة الجعفرية أن القاضي إذا ترجح عنده وجود الضرر وثبت فان مبدأ التطليق جار والقاضي لن يتوقف عن التطليق، ولكن إذا كان ما تدعيه المرأة من ضرر كان في نظر القاضي الناظر في الدعوى أنه ضرر نشأ من الطرفين لا من طرف واحد، أو أن هذا الضرر ليس مما يسوغ الطلاق، فعندئذ لن يقدم على عملية الطلاق للضرر، وطبعا هذا يرجع إلى تقدير القاضي. وأنا اعرف أن هناك حالات متعطلة ليست حالات ضرر، ربما حالة كراهة.. مثلاً امرأة تتزوج شخصاً ثم تكرهه، فتتقدم إلى القضاء بطلب الفراق، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء والقضاة، ليس الآن ولكن منذ أكثر من ثلاثة قرون، فنجد أن كتب الفقه في البحرين كلها تأخذ على القضاء بعدم مبادرته بالاستجابة لطلب المرأة الطلاق بسبب الكراهة. ومن شاء فليرجع إلى الجزء 24-25 من الحدائق الناضرة وغيره من كتب الفقه، وهو يتكلم عن العلماء المتولين للقضاء ويقول إنه شاهدهم لا يستجيبون للمرأة في هذا الأمر، وانتقدهم، وهناك فقهاء آخرون انتقدوا القضاء في البحرين أيضا، ويبدو أن القضاء بقي مصراً على نظريته التي كانت مطبقة، وهي إلى اليوم لم تتغير.

- سؤال: ما هو موقف القضاء البحريني من شهادة المرأة؟ وما هو الدليل على عدم توريث الزوجة في العقارات؟

- جواب: بالنسبة للشيعة الإمامية، فإن شهادة المرأة مقبولة في الأموال بحسب ما نص عليه القرآن من أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وبما قامت عليه السنة بشرط توفر العدالة -وكذلك في معظم الموارد التي تؤول للمال، كالوصية وأمثالها-. وتقبل شهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يطلع عليها الرجال، كإثبات الولادة والاستهلال حينها.

والشيعة يقولون إن شهادة المرأة تقبل منفردة في الأهلة، ولا تقبل كجزء من بينة في الأهلة، ولكن لو كان إثبات الهلال بالشياع لكانت المرأة أيضا تقبل شهادتها في إتمام الشياع وفي إيجاده، وتقبل شهادة المرأة في إثبات النسب إذا كان قد ثبت بالإشاعة لا في ما قد ثبت بالبينة..

وأما عدم توريثها من الأرض لا من العقار، فلأن الشيعة حملوا الآيات التي وردت في القرآن  مثل قوله تعالى: ]وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ[[30]، وقوله تعالى: ]فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ[[31]، وقوله تعالى: ]وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ[[32]، وقوله تعالى: ]فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ[[33]، إلى غيرها. حملو [ما] هنا على أنها نكرة محضة، وليست اسما موصولا، واستدلوا على ذلك بأن اللغة العربية تقتضي أن يكون العائد على الاسم الموصول -إذا كان مجرورا- مجروراً أيضاً، وبنفس الحرف الذي جر به الاسم الموصول، والعائد هنا كله غير مجرور، فلا يمكن جعل [ما] موصولة، وإنما هي نكرة محضة، كقولك مررت بما معجب بك، وعلى هذا فـ[ما] تفيد الجزئية، ولا فرق في ذلك بين [ما] التي في آية توريث النساء أو [ما] التي في آية توريث الرجال، فلا بد للرجوع إلى الروايات والسنة في تفصيل هذه النكرة المحضة من أي شيء ترث ومن أي شيء يرث الرجل، ومن أي شيء لا ترث، ومن أي شيء يرث الرجل، ومن أي شيء لا يرث، ولذلك اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافاً كبيرا، فمنهم من قال إن كان لها ولد ترث من الأرض عينا، وإن لم يكن لها ولد ترث من الأرض قيمة، ومنهم من قال في كلا الحالين ترث من الأرض قيمة لا عيناً، والقول المشهور بينهم بسبب كثرة الروايات الواردة أن المرأة لا ترث من رقبة الأرض، فلذلك كان القضاء في معظم الأقطار الشيعية ومنذ أقدم الأزمان لا يورث المرأة من رقبة الأرض.

- سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في نظام القضاء الموحد وكيفية تطبيقه في المحاكم الشرعية في البحرين بمذهبيها؟

- جواب: لا شك أن المذاهب الاسلامية تختلف في بعض الجزيئات والفروع، وهذا لا يقتصر على الشيعة والمالكية، أو الشيعة والشافعية، أو الشيعة والأحناف، أو الشيعة والحنابلة، بل حتى المذاهب الأربعة تختلف في بعض الجزئيات. والإشكال هنا ليس في وجود محكمة أو محكمتين، فما دامت هناك جزئيات يختلف فيها، ومادامت هذه المسائل تتعلق بأقدس الأمور عند الإنسان، ومنه الزواج والطلاق والنكاح عموماً، ومنه يكون النسل، فلماذا لا يطبق على كل إنسان ما يعتقده أنه حكم الله في حقه؟ ولذلك نجد أن أحكام الأسرة عند الفقهاء المسلمين جعلوها أكثر ابتعاداً عن الاجتهاد وعن إعطاء الرأي، وقربوها من العبادات، وبعدوها من المعاملات، ولذلك كان لها قدسيتها وحساسيتها في نظر المسلمين عموماً، ولا فرق بين المحكمتين، فإلى حد الآن ولله الحمد لا يوجد تعارض بين المحكمتين، بل كثير من التعاون في القضايا التي تنظر هنا أو هناك.

- سؤال: لوحظ كثرة الشكاوى التي ترد إلينا من نساء متضررات وأيضاً الرجال يتهمون القضاة بأنهم لا يحكمون لا بالكتاب ولا السنة وإنما بحسب أهوائهم الشخصية، ما قولك في ذلك، وهل قانون الأحوال الشخصية يعارض الشريعة؟

- جواب: قديماً قال الشاعر:

إن نصف الناس أعداء لمن         ولي الأحكام هذا إن عدل.

فلا إشكال أن من يخرج من المحكمة محكوماً عليه ويجد صدراً رحباً في مثل جريدتكم الكريمة التي تنشر الشكوى قبل أن تراجع المحكمة فسوف يذهب إليكم. وكأن الحرمة لهذا الذي لجأ إلى الصحيفة أكبر من حرمة القاضي الذي أهين.. ثانياً: إن القاضي لا يحكم بمجرد هواه، لأنه لا يوجد قاضٍ واحد في المحكمة وإنما توجد هيئة، ولو عرفت الأخت هذه الهيئة التي تكون في المحكمة لعرفت أنهم في الغالب لا يتفقون على شيء إلا بعد اللتيا والتي، فكيف تقول إنهم يحكمون بأهوائهم؟! ثم بعد ذلك فإن من لا يعجبه حكم المحكمة الأولى له اللجوء إلى محكمة الاستئناف، وهي أيضاً تعتمد على هيئة لا فرد، والمحامون أنفسهم يعلمون بأن القضاة قلما يتفقون على حكم واحد إلا بعد الأخذ والرد والمداولات، فكيف يتهمون بأنهم يحكمون بأهوائهم؟ وأما قانون الأحوال الشخصية فنحن نرفضه لا لاسمه فقط ولكن لأن وزارات التقنين في الدول الإسلامية لا تعتمد على الفقهاء المسلمين وإنما تعتمد على الفقهاء الوضعيين. ووضع النص ولو بصورة يرتضيها الشرع يعرض حياة الأسرة أن تحكم بحكم الكفر غداً، ولهذا نحن نرفض التقنين.

- سؤال: الاجتهاد هل هو مقتصر على بعض المراتب الدينية أو يشمل كل ذي ثقافة عامة ودراسة شاملة؟

- جواب: عندما نقول إن زيداً طبيب لمجرد أنه قرأ المجلات الطبية والكتب الطبية العامة فهذا أمر لا نجد فيه من الصحة شيئاً. لكن الطبيب هو من تخصص في علم الطب، وأفنى زهرة شبابه فيه. علم الفقه علم تخصصي دقيق، يعتمد على علوم كثيرة، وإذا كان يكفي الطبيب أن يحصل على شهادة الطب بدراسة ست سنوات، فإنه لا يتمكن أحد أن يحصل على درجة الاجتهاد في مثل هذه الفترة إلا ان يكون نادرة النوادر لكثرة ما يحتاج من علوم يتقدمها، وجهد يلاحظ عليه، ومن فكر يقدمه في سبيل تخصصه.

- سؤال: محكمة التمييز في القضاء المدني، فهل هناك إمكانية إنشاء مثل هذه المحكمة بالنسبة للقضاء الشرعي؟

- جواب: إذا كان القضاء سيبقى بهذا الترتيب فهناك ما يمنع، لأن المفروض أن يكون القاضي في المحكمة الأعلى درجة أكثر كفاءة، لأنه سيحكم على ما يصدر من المحكمة الأدنى درجة، وبموجب نظام القضاء المعمول به في البحرين يكون الترفيع بموجب الأقدمية، وهذا نظام معيب،  وإذا كان يصلح في وزارات الدولة المدنية فهو لا يصلح في مجال القضاء الشرعي، نعم إذا كانت الدولة توطن نفسها على جعل نظام الترفيع يتم بموجب الكفاءة وجلب الأعضاء من خارج القضاء، ولو من خارج البلد لهذه المحكمة، فعندئذ لا يكون هناك مانع مطلقاً، أما إذا كان يزحف إليها زحفاً فسوف تكون محكمة ثالثة، وليست محكمة تمييز.

- سؤال:  هل يجوز إجبار المرأة على الرجوع إلى زوجها بالشرطة؟

- جواب: إذا نشزت المرأة تسقط حقوقها، وأحياناً يرى القاضي أن بقاءها ناشزة قد يسبب أضراراً خلقية لها أو لزوجها، فيلزمها بالرجوع الى الزوج كفاً لهذه الأضرار، وأما لو لم يحتمل القاضي ذلك فإنه يحكم عليها بالنشوز فقط، وهذا ما جرت عليه المحاكم، وأحياناً أهل الزوجة يطلبون من القاضي أخذها بالقوة إلى بيت زوجها، وقد طلب مني أكثر من شخص ذلك، وقلت لهم كيف أرسل شرطة إلى بيتكم؟ فردوا بأنه لا يمكن ستر هذه المرأة إلا بهذه الطريقة، ونحن موافقون، وحصل ذلك في قضايا كثيرة.

- سؤال: ما رأيك في وجود الحكمين؟

- جواب: الحكمان يكونان من خارج المحكمة. يقول سبحانه وتعالى: ]فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[[34]، فالحكمان ليس هما القاضيان، بل بعثهما هي محاولة من القاضي للصلح بأن يعمّد رجلاً من قرابة الزوج ورجلاً من قرابة المرأة فينظران في شأن هذه المرأة وزوجها فيتوصلان إلى أمر يصلح شأن الزوجين؛ أما الطلاق وأما الوفاق.

لكن الذي ثبت بالتجربة أن الحكمين في الغالب يكونان شراً من الخصمين، فالعاطفة تلعب بهما، ويضيع كل منهما مصلحة قريبه بسبب عصبيته ضد الطرف الآخر. وعندي ملاحظة على كثير من الخصومات التي تجري في المحاكم، هو أن تشدد هذه الخصومات يكون بسبب العصبية، فإما أن يتعصب الزوج أن لا تغلبه الزوجة وإما أن تتعصب الزوجة أن لا يغلبها الزوج، ولو أن الناس ذهبوا إلى القضاء بنفوس طيبة في طلب ما هو حق لهم لحلت كثير من المشاكل. ولكن المرأة وقد عشعشت إذاعات وصحف ومجلات - كلها تحمل الفكر الغربي - في رأسها وأوحت لها أن لها حقوقاً كثيرة في الواقع لم يجعلها الله في كتابه ولا في سنته، والحال أنها لو نظرت كيف جعل لها الاسلام كرامة عالية لنبذت عنها كل ما في الغرب، ولو قارنت بين حقوق المرأة ومستواها الاجتماعي في بلاد الإسلام وما هي عليه في الغرب لوجدت أن الإسلام قد رفع شأن المرأة إلى مستوى لم تصل اليه المرأة الغربية بعد، ومثال ذلك أموال المرأة. فأموال المرأة الغربية تابعة للزوج من حين عقد الزواج، أما عندنا فتبقى أموال المرأة باسمها الخاص، ولها حق التصرف فيها من دون أخذ رأي الزوج، وعندما تتوظف المرأة في عمل عندنا فإن لها أجر الرجل الذكر. والغرب إلى اليوم لا يعطي المرأة ذلك.. إضافة إلى أن المرأة تفتقد حتى اسمها بالزواج في بلاد الغرب، ومعنى ذلك ان شخصيتها تندمج في شخصية الزوج، إلى غيرها من الأمثلة.

لكن نجد أن المرأة تتشبث بالإسلام إذا كانت تريد حقاً وتخالفه في كل سلوكها من ألفه إلى يائه؛ فهل يصح منها أن تخرج معلنة الحرب على القرآن الكريم بسفورها؟ وهل يصح من هذه المرأة أن ترضى بعمل تقدم فيه الخمر في فندق أو طائرة؟

مقدم المحاضرة...  [[ أعتقد أن في الأمثلة الأخيرة نراها تنطبق على النساء الأجنبيات أكثر من البحرينيات.. أليس كذلك؟!]]

كثير من البحرينيات يعملن ذلك، واليوم قرأت في الصحف المحلية مقالاً يشيد بأن المرأة اقتحمت مجال الفندقة !! وكأنها اخترعت صاروخاً ترد به العدوان!! وإنما هي اقتحمت مجال تقديم الخمر، فهل تستطيع عاملة فندقة أن ترفض تقديم خمر‍‍؟ وكيف ترضى امرأة شريفة لنفسها العمل في فندق وهذا هو حال الفندق؟ نرضى لأخواتنا ونسائنا أن يقتحمن مجال العلم الرحب وفي كل مجال يشرف هذه الأمة.

- سؤال: ما هو مفهوم العدالة في مبدأ تعدد الزوجات؟ وهل يجوز لشخص يبلغ راتبه 150 دينارا أن يتزوج من امرأة ثانية؟

- جواب: أما أنه يجوز؛ فبضرورة الدين يجوز، وأما معنى العدالة فقد حددها الفقهاء تبعاً للأدلة الشرعية بأنها العدالة في الإنفاق والمعاملات وحتى الابتسام، لا في الميل القلبي وقوله تعالى: ]وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ[[35]، يعني الميل القلبي لا في الأشياء الأخرى فإنه لا يمكن للرجل أن يعدل، إن مبدأ التعدد رحمة من ربك، أيها الأخ السائل، وبالمرأة، فإن الرجل إذا منع من زوجة ثانية فسوف يتحايل على القانون والنظام، وسوف يوجد له خليلة، وها نحن نرى البلاد التي تمنع شرائعها تعدد الزوجات تفشى فيها وجود الخليلات، خذ إليك بلاد الغرب كله، وبلاد الشرق كله، بالإضافة إلى كثرة ما فيها ممن لا يُعرف آباؤهم ولا أصولهم، أخبرني على من وقع الظلم هنا؟ أليس على المرأة؟ الرجل الذي يعاشر المرأة كخليلة ويعاشرها كزوجة ولكنها لا تحصل على حقوق الزوجة، وهي تنجب منه أبناء يسميهم قانون تلك البلاد الجاهلة أبناء طبيعيين، لكن لا يوفر لهم القانون حقوق الأبوة، فعلى من وقع الضيم؟ أعلى المرأة أم على الرجل؟ أليس أصلح للمرأة والمجتمع ككل أن يجيز لهذا الرجل الزواج بأكثر من امرأة؟ أنت أيها الأخ هل راجعت دائرة الإحصاء في البحرين لتعرف عدد النساء والرجال في هذا الجيل؟ فلو أعطينا لكل رجل امرأة واحدة فكم عدد العانسات اللاتي لن يحظين بالزوج إلى آخر أعمارهن؟ فماذا ستفعل فيهن؟! قلنا إننا سوف نوظفهن وسوف يكسبن، ويعشن، أتظن أن حاجة الإنسان هي فقط حاجة مادية؟ فماذا سنفعل لو لم نبح تعدد الزوجات؟

 

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في 25/ 12/ 1990م بنادي الخريجين بالمنامة

[1]  انظر القاضي النعمان بن محمد: أصول المذاهب ص 203.

[2]  انظر عبد الحسين شرف الدين: النص والاجتهاد.

[3]  الشريف الرضي: نهج البلاغة الخطبة رقم 18.

[4]  الشريف الرضي: نهج البلاغة الخطبة رقم 17.

[5]  نهج البلاغة: خطبة رقم 50.

[6]  الدرر النجفية ص150.

[7]  السيد عباس جمال الدين: التقليد للأيمة المعصومين ص41.

[8]  مقالات الإسلاميين ج1 ص119.

[9]  الشهرستاني: الملل والنحل ج1 ص361.

[10]  انظر سليمان المدني: الاجتهاد والتقليد ص17.

[11]  الشيخ الطوسي: المبسوط في الفقه ج1 ص1.

[12]  انظر الشيخ الطوسي: المبسوط ج1 ص2.

[13]  المعالم الجديدة للأصول ص40.

[14]  الفتاوى الوضحة ص92.

[15]  الفتاوى الوضحة ص98.

[16]  فخر الدين الزنجاني: جواهر الأصول ج5 ص76- وعلاء الدين بحر العلوم: مصابيح الأصول ص434.

[17]  أنظر محمد تقي الحكيم: الأصول العامة للفقه المقارن ص563.

[18]  محمد جواد الشهابي وعبد الواحد البحار: مسائل وردود ص5.

[19]  انظر محمود أبو رية: أضواء على السنة النبوية ص19- 30.

[20]  انظر محمد تقي الحكيم: الأصول العامة للفقه المقارن ص218- وكذلك محمد باقر الصدر: الفتاوى الواضحة ص18.

[21]  الشيخ محمد بن الحسن الطوسي: المبسوط في الفقه ص2.

[22]  محمد بن مكي العاملي: الروضة البهية ج1 ص274.

[23]  الشيخ يوسف البحراني: الدرر النجفية ص49-51.

[24]  انظر الدرر النجفية ص50.

[25]  هو العلامة الجليل آية الله الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي.

[26]  الدرر النجفية ص 50- 51.

[27]  يّس: من الآية68

[28]  الرعد: من الآية19

[29]  الاخلاص:1

[30]  النساء: من الآية33

[31]  النساء: من الآية12

[32]  النساء: من الآية12

[33]  النساء: من الآية12

[34]  النساء: من الآية35

[35]  النساء: من الآية129

آخر تعديل في الخميس, 20 مايو 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.