سلطة الحكم في الإسلام (2)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
قلنا إن السيادة في المقولة الدستورية في الإسلام هي للمبدأ، بناء على قوله تعالى: ]إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم[[1]، والدين في حقيقته وفي واقعه هو التزام نفساني بين الرب وبين المربوب، بين السيد وبين العبد، يقول في هذا الصدد الشيخ محمد أمين زين الدين في كتاب الإسلام ينابيعه: "بأنه لا بد في الدين من اعتبار طرفين، طرف الربوبية الغالبة القاهرة، وطرف العبودية المقهورة والمغلوبة، فلا بد إذن من الالتزام بالقهر وبالغلبة لله سبحانه وتعالى".
هذا الالتزام بالقهر والغلبة يحصل أيضا في سائر المقولات الدستورية، إلا أنه التزام غير فطري، التزام غير طبيعي، فالمواطن في دولة غير إسلامية أو المُواطَن - بتعبير أصح - في دولة غير إسلامية، أيضا يلتزم بحق القهر، وبحق الغلبة، وبحق الربوبية للسلطة، إلا أن هذا الالتزام هو التزام غير فطري، لأنه اعتراف بالربوبية إلى شخص من جنس المُعترِف ونوعه، وأنه لا يختلف عنه في شيء، إلا أنه استطاع أن يصل إلى موضع السلطان، ومركز القوة، ومكان إملاء الأمر وإنفاذ الإرادة، إما عن طريق جماعته أو حزبه أو بأي وسيلة من الوسائل.
فالالتزام إذن في المقولات الدستورية الأخرى موجود، كما أنه موجود في المقولة الدستورية الإسلامية، إلا أنه في سائر المقولات الدستورية التزام غير فطري، ولذلك لا يحمل ضماناً لتنفيذه، بل يبقى العبد وتبقى الرعية ويبقى المربوب يتربص بذلك الرب، بذلك السيد كافة الفرص، فإذا ما حانت له الفرصة انقض عليه وأنزله من سلطانه ليحتل مكانه، وسبب ذلك أن هذا الالتزام بين السيد وبين المسود هو التزام لا تمليه فطرة الإنسان ولا يقبل به وجدانه، ولا يؤمن به ضميره، بعكس الالتزام في المقولة الدستورية الإسلامية، فإنه التزام لله سبحانه وتعالى بالربوبية، هذا الالتزام من العبد بأن لله سبحانه عليه حق الربوبية والسيادة، وأن له القهر وأن له الغلبة، هذا الالتزام يحمل ضمان تنفيذه الطوعي.
فإذن هذه فائدة أو هذه مقولة تبتني عليها الحياة المطمئنة المستقرة في المجتمع، بعكس الالتزام في سائر القوانين الأخرى، وهذا معنى وصف الدين بأنه القيم، أي المهيمن على النفس، المسيطر على العقل، الغالب على الشعور، القاهر للإنسان بالإذعان، وبالالتزام بموجب الإرادة الإلهية في سره وفي علنه، وأما في حين انفراده وفي حين اختلاطه بغيره، لا يوجد إذن ضمان كهذا الضمان، ولا يوجد استقرار في حياة سياسية كهذا الاستقرار الذي تعطيه المقولة الإسلامية، "كلكم مسؤول عن رعيته".
فإذن الجميع، كل مواطن، وكل فرد من أفراد المجتمع يشعر أنه مسؤول عن تنفيذ الإسلام وعن تطبيق أحكامه، ذلك لأن هذا الإسلام ولأن هذه الشريعة تمثل إرادة السيد المطلق سبحانه وتعالى، تمثل أمره، الذي أذعن له بالعبودية، وأقر له بالغلبة والقهر على عباده، واعترف له بالحكمة، وأنه إنما يريد من وراء هذه الشريعة تحقيق المصلحة العامة لبني الإنسان.
فعقيدة التوحيد إذن هي الالتزام الفطري بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى، فعقيدة التوحيد إذن هي صمام الأمان للاستقرار في الحياة الاجتماعية، وعقيدة التوحيد هي الكيان الداخلي للإنسان الذي يحمي حياته من العبودية لغير الله، ذلك أن معنى العبودية لله هي التحرر من الأغيار، فهو لا يخضع لصاحب السلطان، ولا يدين بالعبودية لصاحب المنصب، ولا يعترف بالسيادة لمن بيده القدرة والقوة على التنفيذ، ]إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[[2] في جواب السحرة لفرعون، فالسحرة عندما آنسوا برد التوحيد، وآنسوا برد الإيمان بالله سبحانه، وأن له السيادة المطلقة عليهم وعلى الكون وعلى صاحب القوة والسلطان الذي هو فرعون تحرروا من عبوديته، وتحرروا من عبوديته كإنسان صاحب سلطة يستطيع أن يقضي هذه الحياة الدنيا، ]فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[[3]، ذلك أنه لا سلطان لك على الروح، ولا سلطان لك على الدار الآخرة، وإنما تقضي هذه الحياة، ونحن نعلم مسبقاً أننا إن آمنا بالله أو كفرنا، دنَّا له بالعبودية أو تمردنا أنها فترة محدودة مؤقتة تنتهي، فبعد أن آمنا بالحياة الأخرى وبعد أن آمنا بالسيد المطلق الذي هو السيد الحقيقي القاهر فوق عباده لا نبالي طالت هذه الفترة أم قصرت، ]فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ[[4] ، إذن الدين القيم، أي الدين المهيمن، الدين السيد، يحرر الإنسان من العبودية للأغيار، ويجعله يعيش في حالة الحرية، يشعره بأنه حر، وأنه لا يوجد عليه إلا سيد واحد ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يتمكن أحد من الإضرار به، كما لا يتمكن أحد من منفعته إلا بإذن ذلك السيد، إلا بأن يسمح ذلك السيد ولو عن طريق الإرادة التكوينية بحصول ضرر عليه أو منفعة له، "لو اجتمع الخلق على أن ينفعوك بما لم ينفعك به الله ما نفعوك، ولو اجتمع الخلق على أن يضروك بما لم يأذن به الله ما ضروك"، إذن هو الضار، وهو النافع، وهو الخالق، وهو الرب، وهو السيد، وهو المشرع.
هذا الالتزام إذن هو التزام فطري، يعيش في داخل الإنسان، يعيش في وجدانه وفي قلبه، فهو لا يستطيع أن يتخلص منه في خلوته، ولا يستطيع أن يتخلص منه في انفراده، ]مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ[[5]، مهما كان الإنسان منفرداً فالله معه، ]وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[[6]، بخلاف الالتزام غير الفطري في المقولات الدستورية الوضعية، فباعتبار أن هذا الالتزام التزام غير طبيعي، والتزام غير فطري، أن يدين إنسان لإنسان آخر بالعبودية والسيادة، نجد أن الأنظمة الوضعية لا تحمل ضمانات تنفيذها، ومن أجل ذلك هي لا تستطيع أن تتسلط على العبد، وعلى الرعية في مقام الانفراد، ولا تستطيع أن تحاسبه على ما يفعل في بيته، ولا تستطيع أن تعاقبه على ما يقوم به في خلواته، هذا إذن التزام غير فطري بل هو منافٍ للفطرة.
الدولة في المقولة الإسلامية هي الكيان الذي يحمي الحرية للعبد، ويحمي الحرية للفرد المسلم في الخارج، أما الكيان الحقيقي الذي يحمي حريته في كينونيتها، وفي وجودها، وفي واقعها النفسي، فهو نفس عقيدة التوحيد، ونفس الإذعان لله سبحانه وتعالى بالربوبية والسيادة، فإذن نخلص من البحث إلى أنه في هذه المقولة الإسلامية هناك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى أن الفرد والمجتمع يتحرر من العبودية للأغيار، حيث يعيش حالة الحرية الحقيقية.
الفائدة الثانية كون السيادة لله سبحانه وتعالى وأنها ليست لبشر من نوع المسود، وأن القهر والغلبة والسلطان ليس لفرد من نوع المرهوب والمقهور والمغلوب، وهو الالتزام الفطري، تضفي على الحياة السياسية الاستقرار والثبات، وتفرغ المجتمع للبناء، وتفرغ المجتمع للعمل الصالح، وبعكس هذا الالتزام فيما إذا كان التزاما وضعيا وليس فطرياً، فإن الفرد أو المجتمع يبقى في حالة تربص دائم بصاحب السلطان متى يستطيع أن يتغلب عليه فيطرحه عن سيادته وعن موضع سلطانه، ليكون هو في موضعه.
الأمر الثاني الفرق الجوهري أيضا بين هذه المقولة الإسلامية وبين مقولة السيادة في النظام الوضعي، فنجد في المقولة الإسلامية أن السيد مطلع على كل تصرفات عبده سواء ما ظهر منها وما بطن، ما كان بالمشاركة مع الغير أو ما كان في داخل بيته، ما أنبأت عنه حركات جسمه وفلتات لسانه، وما أضمره في داخل نفسه، ]وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ[[7]، بعكس النظام الوضعي، فإنه لا يتسلط المشرع ولا يتسلط السيد إلا على الأفعال الخارجية التي تحصل في المجتمع في وضح النهار، وأما ما يرتكبه العبد في بيته، ما يضمره في نفسه، فلا سلطة له عليه وبالتالي تكون القوانين قهرية لا تمتلك الضمانات على تنفيذها إلا تنفيذاً ظاهرياً بالقهر والغلبة.
وصلى الله على محمد وآل محمد.
* هذه المحاضرة هي جزء من بحث طويل في دستور الدولة الإسلامية ضمن محاضرات شهر رمضان لعام 1980م إلا أننا لم نعثر منها إلا على هذا الشريط ونرجو أن ينشر البحث كاملا في المستقبل.
[1] يوسف: من الآية40
[2] طـه: من الآية72
[3] طـه: من الآية72
[4] طـه: من الآية72
[5] المجادلة: من الآية7
[6] قّ: من الآية16
[7] قّ: من الآية16
