almuhadhrat

معالم التحريف في الثقافة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وأعوذ بالله سبحانه وتعالى من الهذر في المقال كما أعوذ به من الانحصار في العي, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     موضوع المحاضرة هو معالم التحريف في الثقافة الإسلامية, والتحريف في اللغة له معان متعددة, والذي يهمنا أن نأخذ منها ثلاثة معان, هي التي وردت في الكتاب المجيد والسنة المطهرة, فالمعنى الأول من معنى التحريف هو تغيير الحكم عما كان عليه, ومنه قوله تعالى: ]يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ[[1]، أي يغيرون أحكام الله سبحانه وتعالى من بعد أن شرعها وحدد مجالات تطبيقها, كما فعل اليهود حيث إنهم جعلوا حد الزنا أربعين جلدة بدل الرجم, وجعلوا حكم القتل العمد دية بدل القَوَد، فكثر فيهم الزنا وكثر فيهم القتل, والمعنى الثاني من معنى التحريف هو تغيير الأمر عن الوجه الذي يقصد به, وتغيير الكلام عن الأهداف التي يراد التوصل بها من خلاله, ومنه قوله تعالى: ]يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ[[2]، أي أنهم يستمعون الوحي الذي أنزل على الأنبياء، ولكنهم بعد أن يعقلوا ذلك الوحي يحرفونه إلى جهات لم تكن مقصودة, والمعنى الثالث من معاني التحريف هو التجاوز عن الحق والارتفاع فيه إلى درجة لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى, وذلك كفعل الغلاة والمتعصبين الذين يغلون في أديانهم ويتعصبون لمقالاتهم,  وهذا ورد في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وآله: "ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين". فهذه المعاني الثلاثة للتحريف هي التي وردت في الكتاب المجيد والسنة المطهرة, وبالنسبة لعصرنا الحاضر وجد نوع رابع من التحريف قد يكون داخلا في المعنى الثاني من معاني التحريف, إلا أنه لما كانت مصاديقه ومسائله تختلف عن المصاديق والمسائل التي كانت مبحوثة تحت هذا المعنى ناسب أيضاَ أن نخصص لها عنواناَ خاصاَ ذلك هو تحريف المفهومات, وعليه فسوف أتكلم على هذه المعاني الأربعة للتحريف كل واحد منها في فقرة معينة.

[المعنى الأول التحريف في الأحكام] بمعنى تغيير الأحكام, كأن يكون في الشريعة أمر حلال فيحرمه الناس, أو يكون في الشريعة أمر حرام فيحلونه, أو واجب فيدعون إزالة الإلزام عنه, أو بعكس ذلك أن يكون أمراَ مندوباَ فيدعون أنه واجب وأنه لازم, والتحريف يختلف عن النسخ في الأحكام, فإن النسخ أيضاَ هو تغيير للحكم وتغيير لطبيعة الحكم, لكن الفرق هو أن هذا التغيير إذا صدر من صاحب الشريعة أي من الرسول الذي جاء بالشريعة, يسمى نسخاَ، وأما إذا صدر- بعد انتهاء أمد التشريع- من أفراد الأمة فإنه يسمى تحريفا, هذا النوع من التحريف وقع كثيراَ بين المسلمين, وأضرب بعض الأمثلة من الأحكام التي غيرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله؛ مثال ذلك حكم المتعة، والمتعة لها أحكام سواء في النكاح أو في مناسك الحج, ولا شك أن متعة النكاح فيها آية محكمة من كتاب الله هي قوله تعالى: ]فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً[[3]، هذه الآية حيث إنه لا يوجد في موضوعها آية أخرى يحتمل فيها أن تعارضها, تسمى آية محكمة, لأن الحكم من خلالها يكون قطعيا, هذا لو احتاج الناس للاستدلال على الحكم, أما وأن الحكم قد طبق وعمل به مدة حياة الرسول صلى الله عليه وآله فلا يحتاج أيضاَ في الاستلال على جواز هذا النوع من النكاح حتى إلى هذه الآية؛ لأن فعل الناس لهذا النكاح وإقرار الرسول صلى الله عليه وآله لهم حتى اختاره الله إلى جواره  من دون ردع ومن دون نهي يكشف عن أن هذا حكم  سماوي قطعي, هذا الحكم بّدل بعد ذلك وادعى أقوام من المسلمين بأن حكم المتعة في النساء قد رفع, وفي البداية لم يدّع من طلب إلى الناس تغيير الحكم أن ذلك حصل من الرسول صلى الله عليه وآله, ولكن في الأزمان المتأخرة وجد أيضاً من يصر على تبرير مثل هذا الفعل, فاختلق أحاديث روجها في هذا الباب, هذه الأحاديث لو نظرنا فيها لوجدناها أحاديث آحاد, يعني أنها لم تبلغ حد التواتر, فهي لا تزيد على ست أو سبع روايات مع تضارب بينها, وعلى الرغم من التضارب الموجود بين هذه الروايات مع غض النظر عنه ومع غض النظر عن سائر العُقَد التي توجب ضعف هذه الروايات والعمل به لو سلمنا صحتها متناً وسنداً وجميع ذلك فإنه لا يصح أن ينسخ بها حكم كتابي؛ لأن إجماع الأمة الإسلامية قائم على أن القرآن لا ينسخ بالخبر الواحد إذ لو فتحنا على أنفسنا باب نسخ الكتاب بالخبر الواحد لاستطاع الدساسون والمبطلون أن ينسخوا جميع أحكام القرآن بأحاديث يضعونها ويضعون لها إسناداً صحيحاً, ومن أجل ذلك اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على أن القرآن لا يصح نسخه بالخبر الواحد, إضافة إلى ذلك فإن هذا النسخ الذي يدعى قد ورد في متعة النساء ومتعة الحج فلا معنى للموافقة في متعة النساء وعدم الموافقة في متعة الحج, فإن متعة الحج جائزة بإجماع المسلمين إلى اليوم, غاية ما هناك أن بعضهم يرى أنها فرض البعيد والآخر يرى أنها أفضل الفرضين للبعيد, وآخر يرى أنها تساوي القران أو تساوي الإفراد, أو أنها فرد مفضول, على أي حال ناحية الجواز الفعلي إلى هذا القدر متوفر عليه الإجماع, فإذا صح النسخ فإن مدعي النسخ أو الذي طلب إبطال الحكم طلب إبطال الحكم  في الموضعين, ولم يطلب إبطال الحكم في موضعٍ واحد فكيف يطاع في أمر ويعصى في الجانب الآخر. ومن هذه الأمور أيضاً إقرار الطلاق البدعي, فالطلاق يقسمه الفقهاء إلى نوعين؛ طلاق السنة وطلاق البدعة, فطلاق السنة الواجد للشرائط المذكورة في آية الطلاق في قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّة[[4]، وهذه الآية قد بينت أن الطلاق يجب أن يستقبل به العدة, فلو وقع الطلاق في ظرف لا يمكن أن يستقبل به العدة, كما لو كان في حالة الحيض مثلاً أو في حالة الاشتباه أو فقد سائر الشرائط فإنه يكون لاغياً ولا يعتبر طلاقاً, وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله أخذ الناس  يستعجلون في أمر الطلاق فيطلقون من دون شاهدين, أو يطلقون في حالات الحيض, أو يطلقون وهم في حالة غضب, إلى غير ذلك, فقال عمر بن الخطاب [رض]: "إن الناس قد استعجلوا في هذا الأمر وأرى أن ألزمهم بما ألزموا به أنفسهم" فألزم كل من طلق وإن كان طلاقه بدعياً أي غير مطابق للسنة بطلاقه لأنه استعجل. نحن نقول إن عمر بن الخطاب [رض] قد اجتهد في هذه المسألة فأدى اجتهاده إلى ذلك, لكن الاجتهاد إذا كان مخالفاً لدليل قطعي لا يصح لسائر الأمة أن تتبع إنساناً فيه, هو معذور عند الله إذا فرضنا أنه نظر فاجتهد بإخلاص نية  وطبق اجتهاده, لكن اتباع الأمة وإصرارها على اتباع هذا النوع من الطلاق يكون تغييراً للحكم المقطوع به من الآية الكريمة, وهذا أيضاً نوعٌ من التحريف الواقع في الأحكام. وكذلك إحداث الجماعة في صلاة النافلة, فالمعروف أنه لا جماعة في نافلة, ولا تزال كافة المذاهب تلتزم بأنه لا جماعة في سائر النوافل, ومع ذلك فإن نوافل شهر رمضان لا تزال تصلى جماعة, فإذا كان حديث "لا جماعة في نافلة" حديثاً مقطوعاً به من حيث الصدور, واضحاً من حيث الدلالة, يكون إيجاد الجماعة في النافلة تغييراً لوضع تلك النافلة لأن الله أرادها فرادى ونحن قلنا لا بد أن نؤديها إليك جماعة, هذا أيضاً نوعٌ من التحريف في الأحكام. وكذلك رفع الإلزام عن حكم القصر والإفطار في السفر, قال سبحانه وتعالى: ]وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً[[5]، فشرع سبحانه القصر في الصلاة في موضعين, في حالة الحرب لأنه حالة قيام المعركة وقد لا يستطيع المسلمون أو قد لا يوجد الظرف الكافي أن يؤدي المسلمون صلاتهم تامة, فشرع الله سبحانه وتعالى لهم القصر, والحالة الثانية حالة السفر.

و التعبير هنا بــ"لا جناح عليكم", تعبير "لا جناح" في اللغة العربية لا يستفاد منه إلا اللزوم, وليس كما قيل أنه جاء لرفع احتمال الحظر؛ لأنه لو جاء لرفع احتمال الحظر والمنع لكان واقعاً لا يفيد الإلزام, ولكن هذا التعبير في اللغة العربية لا يستفيد منه العرب إلا الإلزام، ومن أجل ذلك فهم الناس كافة من قوله تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا[[6]، فَهِمُوا من ذلك وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة, وأنه ركن من أركان الحج والعمرة, ولو كان هذا التعبير في اللغة العربية لمجرد رفع احتمال الحظر, أو لرفع توهم الحظر لكان ينبغي ألا يفهم الإلزام في الآيتين, فلا معنى إذاً أن يدعي إنسانٌ بأنه يفهم الإلزام في تلك الآية من تعبير لا جناح عليه, ولا يفهم الإلزام في الآية الثانية من تعبير لا جناح عليكم, فإن التعبير واحد في الآيتين. فإذا فهم الإلزام من تعبير لا جناح عليكم, ثم رخصنا لترك القصر والإفطار في السفر بحجة أن الدنيا قد تغيرت وأن هذه كانت رخصة بسبب مشقة السفر على الناقة والبغل والحمار بخلاف اليوم فإن السفر يكون في الطائرات والسيارات والبواخر المريحة هذا في الحقيقة أحط من قياس السنة لأنه قياس الكتاب المجيد، فإن الله سبحانه ما أناط ذلك في كتابه بوعثاء السفر ولا بإرهاقه وإنما أمر بالإفطار وبقصر الصلاة في حال السفر, سيان في ذلك أن يكون السفر شاقاً أو يكون السفر غير شاق، وسواء في ذلك أن يكون السفر بعيداً أو يكون السفر قريبا، فإذا غيرنا الحكم ورفعنا الإلزام وأجزنا إتمام الصلاة والصوم في السفر أيضاً كنا قد غيَّرنا وضعاً قرآنياً عما كان عليه, وهذا أيضاً نوع من التحريف في الأحكام، وفي الواقع أن هذا النوع كثير، ولو أراد الإنسان أن يتتبع موارده في كتب الفقه المختلفة فإنه يحتاج إلى وقت طويل وإلى أن يسود صفحات كثيرة.  

 النوع الثاني من معاني التحريف هو الميل بالكلام عن المقصد الذي من أجله صيغ، وهذا النوع أيضاً من التحريف لم يختص باليهود, بل وقع أيضاً بين المسلمين، ووقع كثيراً بين أرباب الفرق والمذاهب, وأُوِّلت آيات قاطعة وأحاديث ساطعة من أجل صرفها عن معناها الذي من أجله قد نزلت أو قيلت، فمسألة عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ هذه المسألة ادعى قوم أن الأنبياء ليسوا معصومين, ومن أجل إثبات هذه الدعوى أُوِّلت كثير من الآيات ووُضعت كثير من الروايات، منها قوله تعالى في سورة يوسف: ]وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّه[[7]، وواضح من الآية أن الذي نسي ذكر ربه هو ذلك الذي ظنه يوسف عليه السلام ناجياً منهما لأن الضمير في قوله [فأنساه] يعود إلى كاف الخطاب الموجود في الجملة السابقة [اذكرني عند ربك] لأنه أقرب الموارد إليه, والضمير في اللغة العربية يعود إلى أقرب الموارد إليه، ولكن من أجل أن يُثبت بأن الأنبياء يسهون مال كثير من المفسرين مع الأسف إلى أن ينسبوا قوله تعالى: ]فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّه[ إلى يوسف عليه السلام, وهذا ميل بالكلام عما قُصد به, وفيه  دلالتان: الدلالة الأولى تسلط الشيطان على أنبياء الله مع أن الشيطان في عهده مع الله استثنى عباده المُخلصين، فقال كما قال الله سبحانه وتعالى حكاية عنه: ]إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ[[8]، وأيضاً في قوله تعالى: ]إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ[[9]، ومع ذلك فهذا التفسير يستوجب أن الشيطان يتسلط على أنبياء الله، والدلالة الثانية أن النبي ينسى كما ينسى أي إنسان عادي بدليل، ]فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ[[10]، وهذا في الحقيقة ميل بالكلام عن الوُجهة التي قُصد بها، فهو أيضاً تحريف بالمعنى الثاني، وأيضاً في سورة يوسف: ]وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ[[11]، استدل بعض المفسرين على أن اخوة يوسف أنبياء بهذه الآية وأن الاجتباء لآل يعقوب وأن أولاده الصلبيين هم آله, ولا تنصرف كلمة الآل أو الأهل إلا على الأولاد الصلبيين دون أن تنصرف إلى الأحفاد أو الاتباع أو أبناء الاخوة أو غيرهم, وعندئذ يكون اخوة يوسف أنبياء, ومعلوم أن الله سبحانه قص في كتابه المجيد من فعلهم بيوسف وعصيانهم ومحاولتهم قتل نبي, وحسدهم, وكذبهم إلى غير ذلك ما قص, فإذن يكون الأنبياء غير معصومين مع أن الله سبحانه قد بين بأن لفظة أهل وآل لا تكون للأولاد وإنما تكون لمن اتبع, قال سبحانه في سورة نوح حكاية عن نبيه نوح عليه أفضل الصلاة والسلام: ]إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ[[12]، لأن الله وعده أن ينجيه وأهله أو وآله فلما رفض  أحد أبنائه أن يصعد معه في السفينة لعدم إيمانه بدعوة أبيه وعدم إيمانه بنبوته, وخاف نوح على ابنه الغرق سأل الله سبحانه في ذلك فقال: ]إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي[[13] يعني داخل فيمن وعدتني بنجاتهم, فقال الله سبحانه وتعالى: ]إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ[[14], فالله سبحانه في هذه الآية نفى أن تنطبق كلمة أهل أو آل على خصوص الأولاد بل أنها قد لا تنطبق على الأولاد مطلقاً فيما إذا لم يكونوا على الأمر الذي يكون عليه آباؤهم، ومن عجيب المفارقات أن هذا القائل وهذا المفسر الذي أراد أن يستدل بلفظة الآل على نبوة أولاد يعقوب من أجل أن يُثبت المعاصي للأنبياء ويدعي عدم عصمتهم جاء في آية أخرى فأنكر أن تكون لفظة الأهل ولفظة الآل خاصة بالأبناء, ففي تفسير سورة الأحزاب نفس المفسر عندما وصل إلى قوله تعالى: ]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[[15]، نفى بشدة أن تكون لفظة الأهل خاصة بالأبناء والأولاد أو الأقارب أو الأتباع, وإنه يدخل فيها الزوجات والأعمام والأخوال وغيرهم إلى غير ذلك, وفي كلا الموردين تحريف؛ لأن الغرض أن اللفظ  يُفهم من سياق الجملة مع ما يحتف بها من القرائن, ولا يُمكن أخذ اللفظ مجرداً  عن سياق الجملة التي هو  فيها, فهناك  أصر على أن الآل تنحصر في الأبناء, فإذن: ]وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ[[16]، يعني أبناء يعقوب الأحد عشر الباقين, وإذن صاروا أنبياء مع ما ارتكبوا من الكبائر, فلا يلزم إذن عصمة الأنبياء, بل وُضعت أحاديث في هذا المجال, فتبرع أُناس أن يضعوا أحاديث في هذا المجال كثيرة يَصِمُون بها الأنبياء بأفعال وبأمور لا يرضى أحد أن يُوصف بها، مثلما قيل أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بالناس الظهر ركعتين ثم دخل منزله وبقي ما شاء الله ثم خرج لغرض فقام إليه ذو اليدين أو ذو الشمالين وهو شخص نسميه نحن ذو الشهادتين فقال له يا رسول الله أقصُرت الصلاة أم تبدلت؟ فقال وكيف؟ قال صليت بنا الظهر ركعتين  فصلى بهم ركعتين أخريين, وهنا ليس فقط أن النبي صلى الله عليه وآله سها، ولكن هذا الفصل البعيد بين ركعتين وركعتين من الذهاب والمجيء الذي يستلزم الانحراف عن القبلة خاصة وأن من يرى المسجد النبوي ويرى بيوت النبي صلى الله عليه وآله يفهم أن الدخول فيها يستلزم الانحراف عن القبلة يقيناً, مع العمل المنافي الكثير، كل ذلك لا يُبطل الركعتين السابقتين؟! وأنه يصح البناء عليهما والإتيان بركعتين متممتين فقط، دع عنك السهو ولكن كل ذلك ألا يؤثر في الصلاة. وأيضاً مثلما روى أحدهم عن موسى بن عمران عليه السلام من أن ملك الموت تمثل له بصورة رجل وأخبره أنه جاء لقبض روحه، وأنه رسول من الله سبحانه وتعالى لقبض روحه, فقام لملك الموت ولطمه على عينه فاعورت, وهو إلى الآن أعور، لماذا؟ ليثبت أن الأنبياء يغضبون, وطبعاً ضرب رسول من رسل الله سبحانه وتعالى معصية كبيرة، إذا قال له أنا رسول الله إليك وأنا ملك الموت وعرفه، يقوم ويضربه ويعيب عينه! أصلاً ضرب رسول من رسل الله كبيرة من  الكبائر, يعني أنه في هذا المجال أيضاً كما وقع تحريف لآيات في القرآن وميل بها عن مقاصدها،  فكذلك  وُضعت أحاديث لصرف  الحق عن أهله مثلما حصل من التأويل في حديث الغدير، كلام واضح، رجل يقف في الصحراء على غير ماء ولا كلأ, في وقت الظهيرة وينادي مناديه في المتقدمين ارجعوا فيرجعون، وينتظر المتأخرين حتى يصلوا، ويأمر بإقامة منبر، ويخطب خطبة طويلة - تستغرق في إلقائها - لو أُلقيت اليوم  لاستغرقت ساعة أو ما يزيد على الساعة ثم بعدها يوجه أسئلة كثيرة، ألم أُبلغكم رسالات ربي؟ ألم أنصح لكم؟ ألم أُجاهد بين ظهرانيكم؟ ألم تُكسر رباعيتي؟ كل ذلك يُجاب بلى، ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى، من كنت مولاه فهذا علي مولاه، قرائن واضحة صريحة لا يُعقل أن يعملها إنسان عبثاً, ثم يأتي من يقول بأن معنى الحديث: من كانت لي نصرته بالولاء فنصرته لعلي بالولاء، هذا القول لا يحتاج كل هذا العناء من الوقوف في الصحراء، ورد المتقدم وانتظار المتأخر, والسؤال ألست أولى بكم استناداً أو تنبيهاً للأذهان لقوله تعالى: ]النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[[17]، حتى يقول لهم من كانت نصرته بالولاء، يعني من كان عبداً لي فأعتقته وصار من مواليّ فهو مولى لعلي، فهل كان الرسول صلى الله عليه وآله يريد أن يحجب الولاء عن فاطمة عليها السلام لأنها الوارثة، فهل كان الرسول صلى الله عليه وآله يريد أن يُزيل حكم الإرث؟ إن الولاء يُورث كما تورث سائر الأشياء،  فالنصرة هنا لو كان للرسول صلى الله عليه وآله عبد أعتقه وصار بينهما ولاء يكون الولاء لفاطمة، فهذا الصرف صرف الحديث عن معناه أو عن سياقه وعن وجهته إلى مثل هذا المعنى في الحقيقة هو نوع من التحريف، وميل بالكلام عن مواضعه، على أنه كما يقول ابن ميثم في شرح نهج البلاغة أن لفظة الولي لا يفهمها العرب إلا بمعنى الأولى، حتى لو قلنا النصرة،  حتى لو قلنا من كانت نصرتي عليه واجبة بالولاء فنصرته لعلي واجبة يكون بمعنى أولى، يعني من كنت أولى بنصرته فعلي أولى بنصرته، ابن ميثم يقول إن العرب ما كانوا يفهمون معنى الولي إلا بمعنى أولى، والولاء كما يكون بالعتق يكون الولاء أيضاً بالنبوة حتى لو أخذنا بمعنى النصرة، وآخرون يقولون النصرة بابن العم، فأراد أن يبين للناس أن علياً عليه السلام ابن عمي، ونصرتي له من جهة انه ابن عمي، ونصرته لي من جهة كونه ابن عمي، هذا طبعاً كله ميل بالكلام عن مقصده، فيكون تحريفاً من النوع الثاني، فوُضعت أحاديث في هذا الشأن، ولم يقتصر الكلام على تأويل الأحاديث، حتى ورد -كما روى كثير من المؤرخين- أن معاوية بن أبي سفيان في أيامه أصدر أمراً إلى جميع عماله أن انظروا كل فضيلة لعلي فضعوا مثلها لعثمان، فمضى الناس يتبرعون بذلك، فلا يسمعون بذكر فضيلة أو منقبة لعلي إلا ووضعوا مثلها لعثمان، حتى صار ذلك العمل موضع التندر وموضع الاستهزاء، فكتب إلى عماله أن الناس قد ملوا الحديث في عثمان فانظروا إلى كل منقبة لعلي فضعوا مثلها لأحد الصحابة، لماذا؟ حتى تضيع كل القرائن الموجودة في الكلام والتي تمنع عن قبول هذا التأويل وهذا التحريف، فوُضعت أحاديث كثيرة، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله لم يسد باب علي وُجد أنه ما سد باب أبي بكر، والإمام علي عليه وآله تصدق بالخاتم فنزلت آية، فوضعت ألف رواية لأكثر من عشرين صحابي تصدقوا بخواتم، إلى ما شاء الله، من ينظر في كتب السياسة والآثار والأخبار يجد من هذا النوع أحاديث كثيرة، كل ذلك من أجل إثبات وصرف معنى هذا الحديث عن المقصد الذي يُقصد به.

 النوع الثالث – ولا داعي للإطالة في هذا الباب – من التأويل هو تأويل الغالين وتحريف الغالين، ومعنى الغلو هو أن يرتفع الإنسان ويتجاوز الحدود المعقولة والمشروعة فيما يدين الله به؛ كأن يرفع إنساناً من مرتبة الإنسانية ويدعي أنه رب، أو يرفع إنساناً عادياً فينسب إليه العصمة وينفي عنه الخطأ، أو يقول قولاُ ليس ضروريا من الدين وإنما هو فتوى مستنبطة ثم يُكفر من خالفه فيها، ويحكم بشركه ومروقه من الدين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله: "تحريف الغالين" وهذا النوع أيضاً موجود عند المسلمين بجميع فرقهم، وربما إذا كان النوعان السابقان قد تخلو منهما فرقة دون فرقة فهذا النوع الثالث لا يكاد يسلم منه من المؤمنين إلا من عصم الله سبحانه وتعالى، فلا تكاد فئة من فئات المسلمين لا تباشر هذا النوع من التحريف، اجتهد أحدهم فأدى اجتهاده إلى أن زيارة القبور حرام، فحكم بأن كل من يزور القبور كافر مشرك يعبد  الأصنام، وأنه لو لم يعتبر هذا القبر صنماً لما زاره، هذا مع النصوص الواضحة باستحباب زيارة المقابر، وأنها تذكر الآخرة، ولو فرضنا بـأنك لا تأخذ بتلك النصوص وتلك الروايات ولم تثبت لديك صحتها وثبتت لديك صحة نصوص تنهى عن ذلك لكنها على أي حال مسألة خلافية، ومسألة اجتهادية، كيف يجوز أن تُكفر المسلمين وأن تحكم بشركهم لأنهم يخالفونك في الاجتهاد، ويخالفونك في الفتوى، وأن من اجتهد واستنبط فقد أباح لغيره أن يخالفه، تجد مثلاً بعض فرق المسلمين تقول إن الإمامة والخلافة ليست من أصول الدين، وأنها من فروع الدين، فبطبيعة الحال أن الشيء إذا كان من الفروع فالخلاف فيه لا يؤدي إلى الكفر، وإنما الذي يؤدي إلى الكفر هو الخلاف في الأصول، وليس الخلاف في الفروع، وبعض فرق المسلمين تقول إن الإمامة ليست من أصول الدين ولكن لو أعلن مسلم بأنه مثلاً لا يؤمن بإمامة زيد من الناس من الذين صاروا خلفاء، لا يؤمن بإمامة معاوية ولا يؤمن بإمامة الإمام علي عليه السلام ولا يؤمن بإمامة عمر ولا يؤمن مثلاً بإمامة هارون الرشيد يحكمون بكفره، إذا كانت المسألة من أصول الدين فهذا المنطق صحيح أن تحكم بكفر من يخالفك فيها، وأما إذا كانت المسألة من فروع الدين فكيف تحكم بكفر مسلم يخالفك في حكم فرعي؟ هذا نوع من الغلو، هذا نوع من العصبية والتعصب، أيضاً الذين ينفون العصمة عن الأنبياء يحكمون بإهدار دم من ينسب مثلاًً ما ينافي العدالة أو ما ينافي العصمة لأي صحابي، فإذا كنت أنت تنسب إلى الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى خلقه تنسب إليهم أموراً تنافي العدالة فضلاً عن العصمة فكيف تحكم بإهدار دم من قال بأن زيداً من الناس فعل كذا، فيكون الأنبياء غير معصومين ومن ليس بنبي معصوم! هذا نوع من الغلو والتعصب، وكثير من الناس – وهذا حتى كثير من الشيعة يعيشونه – أن من يخالف أي فتوى مثلاً تجد من يلتزم بتلك الفتوى رأساً يفسقه أو يكفره، وإن كان يتبع في ذلك الخلاف عالماً آخر أو فقيهاً آخر، هذا أيضاً نوع من العصبية لا يجوز في الشريعة، مادامت المسألة خلافية بين العلماء، وماداموا يختلفون فيها، ومنهم من يرى هذا الرأي ومنهم من يرى رأياً مخالفاً كيف يجوز لإنسان أن يقول إن زيداً مشرك أو أن يقول  من لم يعمل بذلك فهو كافر أو هو فاسق، أو من لم يعتقد هذا الفرع  فهو مشرك أو كافر! هذا نوع من الغلو والتحريف، تحريف الغلو والتعصب ينشأ من عصبية، ومما يؤسف له أن هذا النوع من التحريف فاشٍ في كثير من الناس لا أُحاشي فيها  فرقة حتى الشيعة، حتى نحن أيضاً نمتلئ ومملوئين بهذا، ولا يسلم منه إلا من عصم الله سبحانه، هذه هي الأنواع الثلاثة من التحريف التي ورد ذكرها علناً وصراحة في الكتاب والسنة.

في هذا الزمان  أيضاً وُجدت مصاديق ولا أقول نوع جديد أو معنى جديد من التحريف، لأن اللغة لا تتحمل معنى رابعاً  أكثر  للمعاني الثلاثة التي ذكرتها، ولكن حصلت مصاديق جديدة للتحريف يُمكن أن نسميها بتحريف المفهومات، هذا التحريف يزاوله أعداء الإسلام من أجل تشويه الفكر، أو فكر شباب المسلمين لصرفهم عن الطرق الصحيحة، والاعتقادات الصحيحة، مثال ذلك أن يأخذ بعض الكتّاب قول العلماء – بل هو الواقع يعني الحكم الإسلامي – بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان – شمولية الإسلام وخلوده – وهذا مفهوم إسلامي أصيل يأخذه بعضهم فيملؤه معنى لا إسلامياً وهو أن الإسلام مادام  صالحاً لكل زمان ومكان، ومادام شموليا إذن هو مرن ومطاط، وهذا في الحقيقة قصد سيئ، إذ يُراد أن  يُجبر الإسلام على قبول الحضارة والمشاكل والبدع التي لا تنشأ من الإسلام. فبدلاَ من أن يطور الناس حياتهم, ويكيفوها بموجب المفاهيم الإسلامية, يخضعون المفاهيم الإسلامية للرذائل حتى تستوعبها, أي يريدون إلزامها باستيعاب الرذائل ومنافيات الشريعة كلها, بحجة التمدن واختلاف العصر والمقتضيات الجديدة، إلى غير ذلك من العناوين البراقة, ومثال ذلك  ما أفتى به بعضهم من جواز أن تظهر الفتيات عاريات على السواحل إذا كان ذلك يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد, وقس عليه من هذه الفتاوى الكثيرة التي تحاول جاهدة في تحريف الفكر الإسلامي عن طريق تحريف المفهومات الإسلامية, وبعض الناس مثلاً وهو إما عن وعي أو بدون وعي يحاول أيضاً تغيير مفهومات أخرى. أو رجل ميكيافللي يعني يرى أن الغاية تبرر الواسطة, فأي واسطة تريد أن تسلكها للوصول إلى الغاية فهذا أمر جائز, ولو صارح الناس بمفهومه لما اتبعوه, ولكي يسبغ على هذا المفهوم صبغة إسلامية يقول لنا أنتم مشتبهون، أنا لا أقول بهذه النظرية وإنما ورد في الشرع أن الأهم يقدم على المهم, فلسنا الآن في صدد تقويم سلوك الشباب, وإنما في صدد تكوين الدولة، وبعد ذلك يأتي تقويم الشباب, تكوين الدولة أهم، وتقويم الشباب مهم, إذن يقدم عليه, من أين جئت بأنه أهم ؟‍‍‍‍‍ وأي دولة وأي مجتمع تبنيه أنت على شباب فاسد, يشرب الخمور, ويدخل الحانات؟, ويسير على السواحل بنسائه عاريات؟, ويرقص ويفجر؟ هذا تلبيس للقاعدة الميكافيللية لباساً إسلامياً, ولا شك أن إعطاء هذا المفهوم الإسلامي الشريف هذا المحتوى الباطل هو  تحريف لهذا المفهوم الإسلامي, قاعدة التزاحم عند الفقهاء بين المهم والأهم وبين الموسع والمضيق, فمثلاً لو كان حريق يشتعل، وأنا أريد أن أصلي  ولا يوجد أناس كافين لإطفاء الحريق, أيهما أولى أن أقدم, هنا يأتي مفهوم التزاحم بين الأهم والمهم،  ومثال آخر, طفل سقط في البحر وأنا أريد أن أذهب إلى زيد لأوفيه حقه من الدين الذي عليّ لأن وقته قد حان, فأيهما يأتي الحكم الشرعي في تقديمه, النزول للبحر وإخراج الطفل أو دفع المال إلى زيد؟ تأتي هنا قضية الأهم والمهم, وكذلك مثلاً لو كان علي ّ دين وأنا أريد السفر للحج، والدين مؤقت, فأيهما أقدم؟ هل أذهب إلى الحج وبعد رجوعي أتصل بصاحب الدين وأدفع له دينه؟ أم أبادر إلى دفع الدين وإن فاتتني القافلة,  هذا يـأتي بين الموسع والمضيق, أما أن نأخذ هذا المفهوم الإسلامي ونعطيه محتوى لا إسلامياً فهذا أيضاً نوع من التحريف, ولا شك أننا في راحة كبيرة مما عدا النوعين الأخيرين من أنواع التحريف, يعني التحريف الناشئ من التعصب والتحريف الناشئ من الغلو والارتفاع لأننا في الحقيقة كلنا نباشره, ولا يسلم منه إلا الأوحدي, وهذا أيضاً يجب أن نربي أنفسنا على عدم مباشرته, فمادام الإنسان يتبع عالماً من العلماء وأنا أتبع عالماً آخر فلا يصح لي أن أفسقه ولا أن أكفره ولا أن أقول إنه على حد الشرك بالله, وأيضاً لو اختلف عالم مع عالم لا ينبغي لذلك العالم أن يقول على أنه على حد الشرك بالله،  وأنه فسق، وأنه كفر؛ لمجرد أنه يختلف معه في قضية أو في مسألة خلافية يدور البحث فيها عند العلماء, وهذا للأسف كلنا نباشره.

 وعلينا أيضاً أن نحترس من أولئك الذين يريدون أن يعطوا المفهومات الإسلامية محتوى غير إسلامي؛ لأن هؤلاء خطرون على الأمة الإسلامية، وخطرين على الجسم الإسلامي, وإذا فسق الإنسان وأراد أن يبرر فسقه بمثل ذلك فعلينا أن نعرف أنه غير إسلامي, وأنه إنما يريد تشويه الإسلام، وتحريف الإسلام, هذا ما يحضرني من الكلام, عن معنى التحريف وأرجو من الاخوة العذر من التقصير في هذه المحاضرة, إذ لم أستوف الموضوع حقه, وذلك لأسباب منها أنني لم يكن في حسابي أن ألقي في هذه الليلة, فأخذت نفسي في كتابتها بالتأني ولذلك لم أكتبها للآن, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

سؤال: في التحريف الثالث الذي كما  تقول أنه لم يسلم منه أحد حتى نحن الشيعة  فلو تفضلت بذكر أمثلة مما وقع من الشيعة  قبال غيرهم أي غير الشيعة......

جواب: في الحقيقة لم يحصل هذا قبال غير الشيعة, ولكنه حصل بين الشيعة بعضهم البعض. وهذا مما يؤسف له, فنحن نشاهد كثيراً ما يفسق الإنسان أخاه لمجرد أنه يختلف معه في عمل، أو يختلف معه في اتباع مقلد أو غير ذلك, وهذا ما أعنيه، وهذا الذي أقول إنه ينبغي أن نتجنبه.

سؤال: نحن اليوم نعيش جميع ما ذكرتم من التحريفات وخصوصا المعنى الأخير للتحريف، فكيف يمكننا التصدي لرواد هذا  النوع من التحريف؟

جواب: يمكننا التصدي لرواد هذا النوع من التحريف عن طريقين, الطريق الأول: أن نزيد من ثقافتنا واطلاعنا على الكتب الإسلامية الأصيلة حتى لا تتلبس علينا المفهومات, والثانية بكشف من يحاول أن يقوم بهذا النوع من التحريف في أوساط الشباب، وبتفهيم الشباب والكشف لهم عن المغالطات التي يقوم بها، وكشفه حتى يعزل ولا يستطيع أن يبث سمومه بين الناس.

سؤال: بم تفسرون ذكر بعض المؤرخين لروايات في فضل أهل البيت عليهم السلام في كتبهم مع أنها تناقض معتقداتهم؟

جواب: في الواقع أنه ليس كل المؤرخين قد زاولوا عملية التحريف من هذا النوع, فهناك أيضاً المنصفون من المؤرخين, وبعض المؤرخين يذكر هذا النوع من الروايات لأنها لكثرتها واشتهارها وتواترها لا يمكنه أن يتغاضى عنها كليةً في كتابه, وقسم ثالث من المؤرخين يذكر هذه الروايات لأنه يعتمد على ما علق في أذهان الناس من شبه حول تأويلها وتحريفها عن وجهتها .

سؤال: كيف يمكن إثبات عصمة آدم أبي البشر عليه السلام في حين أنه أخطأ خطأ فادحاً وأطاع إبليس وعصى ربه ؟

جواب: العصيان إنما يكون بعد صدور الأمر على نحو التكليف، وأما إذا لم يكن هناك تكليف فلا يسمى ذلك عصيانا، ولو سمي عصياناً يكون مجازاً، ولا شك أن هذه المخالفة التي قام بها آدم قام بها في دار غير دار التكليف وهي الجنة، والتكليف إنما هو في الأرض، وعندئذ نقول إن معنى قوله تعالى: ]وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى[[18] أنه ترك الأولى، كان المفروض أن لا يأكل فيخرج ولكنه أكل فخرج، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ]قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[[19]، فالهدى إذا بمعنى التكليف إنما أنزل بعد الهبوط إلى الأرض، فلا يسمى ذلك عصياناً لأنه لم يكن في دار التكليف، والمفروض من إثبات العصيان له أن نجد له معصية هنا على الأرض وبعد هبوطه، فإذا ثبت أن له معصية فقد عصى، وإذا لم تثبت له معصية على الأرض فكيف نقول إنه عصى؟

سؤال: في هذه الأيام نسمع ونشاهد ضجة كبرى يقودها أطفال ومنحرفون يدعون بأنهم غيارى على الدين ويحطمون من سمعة كل العلماء الباقين وهم يتخذون من اسم أحدهم رمزاً فما هو موقفكم من هؤلاء؟

جواب: طبعاً الموقف واضح بأنه لا يصح التفريق بين المسلمين، ولا يجوز أيضاً قذف أي مسلم - عالماً كان أو غير عالم – أن يقذف بتهمة أو يغتاب في مجلسٍ من دون حق، بل يكون العالم أولى بذلك لأن تحطيم سمعته في الحقيقة تحطيمٌ لسمعة الصف وليس تحطيماً لسمعته الخاصة، وكان المفروض على من يسمع إنساناً يغتاب مسلماً أو عالماً أو ينتقص عالماً أن يوقفه عند حده ويزجره في ذلك المجلس، فإذا لم يتمكن وأصر أهل المجلس على ذلك فعليه أن ينسحب، لأن النبي صلى الله عليه وآله يقول: "سامع الغيبة كالمغتاب" يعني هما سيان في الأثم.

سؤال: أرجو أن تبين لنا أثر أنواع التحريف التي ذكرتموها على واقعنا المعاش الآن.

جواب: لا شك أن الأثر واضح؛ فالمسلمون يعيشون تمزقاً ويعيشون ضياعاً ويعيشون فرقةً ويعيشون انحرافاً وانحلالاً وابتعاداً عن الدين، وهذا كله ناشئ من أنواع التحريف التي ذكرناها بجميع أنواعها الأربعة، وهذا هو أثره على حياتنا وواقعنا المعاش.

سؤال: أسلمة العصر وعصرنة الإسلام، موقفان لكل منهما أنصاره. أرجو أن تجلو فضليتكم لنا حقيقة هذين الموقفين.

جواب: الكاتب أو السائل قد استعمل تعبيرات عصرية منافية للغة أصلا لأنها لا تأتي من باب النحت ولا من باب الاشتقاق، ومعلوم أن إيجاد تعبير جديد في اللغة العربية يعتمد إما على النحت أو الاشتقاق، وهذا ليس من الاشتقاق ولا النحت ، فهو تعبير خطأ لكن المعنى مفهوم. أما أن نعصرن الإسلام كما يقول ونستعمل أسلوبه يعني نجعل الإسلام عصرياً فالإسلام ليس ملكنا، وليس إرثنا نلبسه ما نشاء من الثياب وننزع عنه ما نشاء من الثياب، إن الإسلام دينٌ أنزله الله لم يتبع في إنزاله هوى عباده ولا آراءهم ولا قصور عقولهم.

 

*  محاضرة في عام 1980م في جمعية التوعية الإسلامية

[1]  المائدة: من الآية41

[2]  البقرة: من الآية75

[3]  النساء: من الآية24

[4]  الطلاق: من الآية1

[5]  النساء:101

[6]  البقرة: من الآية158

[7]  يوسف: من الآية42

[8]  الحجر:40

[9]  الاسراء: من الآية65

[10]  يوسف: من الآية42

[11]  يوسف: من الآية6

[12]  هود: من الآية45

[13]  هود: من الآية45

[14]  هود: من الآية46

[15]  الأحزاب: من الآية33

[16]  يوسف: من الآية6

[17]  الأحزاب: من الآية6

[18]  طه: من الآية121

[19]  البقرة:38

آخر تعديل في الإثنين, 29 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.