almuhadhrat

الإشاعة (1)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

نتكلم هذه الليلة عن الإشاعة واستغلالها في عمليتي الإلهاء والتوجيه. ولابد من توضيح المعنى المقصود من لفظي الإلهاء والتوجيه إذ ربما يكونان غير ظاهرين لدى كثير من الناس.

دائما عندما تحصل أحداث كبيرة أو عندما يراد إيجاد أحداث كبيرة، تعمد الفئات السياسية سواء كانت دولا أو أحزابا إلى القيام بعملية إلهاء أو القيام بعملية توجيه، وعندئذ لابد أن تقوم قبل تلك الأحداث أو بعدها بعمل ما، قد يكون ذلك العمل حدثا اقتصاديا، وقد يكون خبرا يستحوذ على أذهان الناس، المهم أنه لابد أن يحصل شئ يوجه أفكار الناس أو يلهيهم،  وذلك حسب العمل أو الشيء الذي يراد إحداثه. عندما تريد دولة من الدول أن تقوم بعمل ما ولا تريد أن يلتفت شعبها إلى ذلك الشيء فإنها تحتاج إلى عملية إلهاء، أمر ما يلتهي الناس بالثرثرة فيه والتفكير فيه ريثما تتم تلك الدولة ما تريد فعله، وكذلك عندما تريد أي فئة من الفئات القيام بعمل من هذا النوع تحتاج إلى صرف نظر الناس عما تفعل فتحتاج إلى القيام بعمل يشغل الناس بالكلام والثرثرة فيه، وهذه تسمى عملية الإلهاء.

نضرب مثلا ليس بالبعيد، أو بعض الأمثال التي ليست بالبعيدة عن زماننا، في القديم لم تكن الأرض في نظر أهل البحرين سلعة تجارية يتنافسون عليها ولكن في السبعينات حوّلت الأراضي في البحرين إلى سلعة تجارية. بأي طريق حوّلت؟ جاء بعض التجار من الكويت إلى البحرين لا يحملون أموالا معهم، وإنما كانوا يحملون أوراق دعم من البنوك التي في الكويت إلى البنوك التي في البحرين بأننا ندعم فلاناً بكذا وكذا دينار مثلا،  وقاموا والناس في غفلة بشراء الأراضي بأثمان زهيدة جدا. التفت تجار البحرين إلى هذه العملية فأخذوا يتنافسون في شراء الأراضي وجمدوا معظم أرصدتهم أو ربما جمد الكثير منهم كل رصيده في المضاربات في الأراضي فوقعوا في حفرة  الإفلاس، المهم أن الحديث عن سوق المضاربة في بيع وشراء الأراضي أصبح على كل شفة ولسان، ولم يعد لأهل البحرين كلام في مجلس أو سوق أو دكان أو وزارة أو دائرة إلا أن فلاناً باع أرضه بكذا صباحا ثم باعها المشتري بكذا عصرا ثم بيعت في الليل بكذا، وانتهت المعركة بورطة كبيرة لتجار البلد، حتى أن بعض كبار التجار لو دفع شيكا بعشرة دنانير لما كان ينصرف، لأنه قد جمد كل أرصدته في أراض لا تتحرك, وخرجت الأموال إلى الكويت والحال أن تجار الكويت لم يأتوا بدينار واحد. وهذه العملية ألهت الناس فترة طويلة تزيد على ثلاث سنوات، لم يكن الناس خلالها يلتفتون إلى شئ مما يحدث بينهم أو يحصل في مجتمعهم، غُيّرت أفكار، وغُيرت نظم، وغُيرت قوانين. ولما التفت تجار البحرين إلى هذه العملية ثاروا واتهموا تجار الكويت بالتحايل عليهم, وأرادوا أن ينتقموا منهم، فهم  يعتقدون أنهم أقدر في فن التجارة من أهل الكويت وغير أهل الكويت لأنهم أرسخ قدما على مدى القرون الماضية إلا أنهم لا يستعملون الحيل كما يزعمون، وما دام أن هؤلاء جاءوا إلينا واستعملوا الحيل ضدنا فيجب أن ننتقم. طبعا للظروف السياسية وللعلاقة الحميمة لم تسمح الدولة لهم بتنفيذ خطتهم،  إلى أن صارت الثورة الإسلامية في إيران وأصبح المجتمع يئز بالتظاهرات والمسيرات والهتافات  فتقدموا بخطتهم من جديد، وأقنعوا المسئولين بأن  هذا سيوجه أفكار الناس نحو شئ  يلهون به عن هذه الأمور، فسمحت الدولة لهم بتنفيذ الخطة التي وضعوها، ومن يومها أخذت الإعلانات عن تأسيس الشركات المساهمة تنتشر بشكل رهيب بين الناس، وأصبح الكلام عن الاكتتاب في هذه الشركات هو الشغل الشاغل للناس. وجاء أهل الكويت في هذه المرة للتعامل ليس بطريقة الضمان البنكي ولكن بتحويل المال بالفعل، ليشتروا أسهما كثيرة من الذين اكتتبوا في المساهمة، وقبل فرز الأسهم وتوزيعها على المكتتبين، مما أدى بهم لتحمل خسائر فادحة ما كانوا يتوقعونها، وقد بقيت ذيول هذه المسألة  في المحاكم إلى وقت قريب. هذه العملية استغلت للإلهاء وأحيانا تكون العملية عملية توجيه.

إن استعمال الإشاعة أسهلُ بكثير من القيام بعمليات اقتصادية من هذا النوع في عمليتي الإلهاء والتوجيه، فإن خبراً أنا أطلقه وينتشر لا يجعلني أجازف بخسارة أموال، ولا أحتاج إلى وضع خطة اقتصادية معقدة ، لذلك من الطبيعي أن تستخدم الإشاعة في عمليتي الإلهاء والتوجيه أكثر مما تستخدم العمليات الاقتصادية وأمثالها في هذا السبيل. ونضرب مثلا ببعض الإشاعات في عملية الإلهاء والتوجيه : أعتقد أن معظم الجالسين قد أدرك إشاعة صاحب القرون، ومُؤدى هذه الإشاعة خبر أطلق بأن رجلا خالف الله سبحانه وتعالى في قضية من القضايا، وعندما جلس صباحا وجد نفسه وقد نبت له قرنان، واشتغل الناس بالحديث عن صاحب القرون، ليس أياما ولكن أشهرا، والغريب أن كثيرا من الناس الذين يوصفون بالثقة يدعي رؤيته، بل إن شخصا قال لي إنني رأيته في المستشفى، ومستعد أن أحلف على ذلك مما جعلني إلى اليوم لا أقبل منه خبرا. طبعا إشاعة صاحب القرون ما هو هدفها ؟ ولماذا بذل الجهد في ترويجها ؟ لا شك أن هناك جهة كانت في حاجة في ذلك الوقت لإلهاء الناس وجعلهم يتحدثون في هذا الخبر ليلاً ونهاراً، ويتناقشون، وربما يتشاجرون ويتضاربون بالأيدي بين مصدق ومكذب، وبين مبرهن ومفند، وريثما يتمكن صاحب الإشاعة أن يحقق ما يريد تحقيقه دون أن ينتبه إليه أحد، ودون أن يلتفت إليه العامة.

أحيانا تكون الإشاعة للتوجيه وليس للإلهاء، ونضرب مثلا من تاريخنا بإشاعة أطلقت من أجل التوجيه وليس من أجل الإلهاء: عندما خرج أهل البدعة ببدعتهم في البحرين مدعين السفارة عن الإمام المهدي عليه السلام، - البدعة التي لا يريد علماؤنا أن يتكلموا عنها ويحاربوها، ولا يريد شبابنا أن يكافحوها، وتركها الجميع تنتشر وتسري بين البسطاء، عندما خرجت فكرة البدعة ووُجِدت، حاول بعض مؤيديها إطلاق إشاعة تؤيدها وتوجه الناس إليها، كيف ؟ ادعت امرأة أنها رأت في الرؤيا فاطمة الزهراء عليها السلام أو العباس بن علي عليهما السلام [لا أتذكر بالضبط] وأنها أعطتها منديلا لا تمسح به على مريض إلا وبرئ،  وأصبح الناس يتهافتون على تلك المرأة من كل مكان، وعندما ضاق الجيران بكثرة السيارات وكثرة الواردين عليها أعلنت أنها ستنقل مركزها إلى مسجد [عزيز]. لو نظرنا في عناصر هذا الخبر، لوجدناه يعتمد على الرؤيا وهي نفس العنصر  التي تقوم عليه دعوى عبد الوهاب البصري، والفرق بين الدعوتين هو أن هذه المرأة لا تنقل أحكاما ولا تدعي الرئاسة لكنها تهيئ النفوس  لقبول الدعوى، ومن أجل ذلك اضطررنا في ذلك الوقت أن نحارب هذا الموضوع بشدة. فالإشاعة إذن هي أرخص وسيلة لهدم أي مجتمع، والإشاعة هي أرخص وسيلة لإقناع الناس بأي فكرة؛ سواء عن طريق إلهائهم عما يراد فعله أو عن طريق توجيههم لما يراد فعله.

والإشاعة تستغل أحيانا ضد مذهب معين، فالإشاعة عن الشيعة في بعض البلدان أنهم إذا فرغوا من الصلاة يرفعون أيديهم ثلاث مرات ويقولون [خان الأمين]، وبعضهم يرويها [خان الأمين وصدها عن حيدرة]، والغريب أن يقبل هذه الإشاعة عن الشيعة حتى بعض الجامعيين، ولو قلت في نجد إن الشيعة يقولون [الله أكبر] لما قدرت أن تقنع أحدا على الرغم من أنه لا أساس لهذه الإشاعة.

فالإشاعة إذن يمكن أن تصبح وسيلة حرب، ووسيلة تشويه، ويمكن أن تستغل  لوضع عازل نفسي سميك بين الناس وبين فكرة معينة، بين الناس وبين عقيدة معينة، بين الناس وبين شخص معين. إن الإشاعة ليست مجرد أمر بسيط كما يظن بعض الناس، ولكنها إذا أجيد استخدامها قد تهدم أمة بأسرها، فضلا عن فرد، بإمكانك أن تشعل حربا لا ينطفئ أوارها بإشاعة، وما عليك إلا أن  تنشر خبرا محبوكا وعندئذ تحصل العداوة، ويمتد اللسان، ثم تحصل المشاجرة إذا كان الموضوع يتعلق بالأفراد، أو المقاتلة إذا كان يتعلق بالدول.

أضرب لكم مثلا بإشاعة تافهة أطلقت  قبل شهر أو شهرين وربما سمعتموها جميعا وهي إشاعة تمزيق الورقة ، هل سمعتم أنني مزقت ورقة فشاع خبرها في البحرين كلها وأصبح شغل الناس الشاغل هو التحدث عن تلك الورقة الممزقة، لكن لو سألت أحدا ماذا في هذه الورقة؟ لوجدته لا يدري. يعرف أن ورقة كانت البلسم الشافي والسحر الذي سيحقق مطلب المجلس الوطني  ولكن جاء فلان ومزقها.

أضرب لكم مثلا بإشاعة معاصرة يتكرر إطلاقها بين حين وآخر؛  فأنتم تسمعون في هذه الأيام عندما يحصل أي انفراج في الأزمة التي تعيشها بلادنا بأن جماعة من لجنة حقوق الإنسان أو لجنة العفو الدولية قد جاءت إلى البحرين وأنهم قالوا كذا وفعلوا كذا، مع أنك لو بحثت الأمر لا تجد من يؤكد لك الخبر، ولا تجد من التقى بأحد منهم فما هو الغرض من إطلاق هذه الإشاعة؟

الغرض من ذلك هو صرف أنظار الناس عن تحركات المخلصين من أهل البلد في السعي لحل الأزمة بنسبة أي انفراج إلى جهة أخرى، وليس أنسب من نسبة ذلك إلى تدخل لجنة العفو الدولية أو بعض جماعات حقوق الإنسان. على أي حال الإشاعة هي أرخص سلاح لهدم أي مجتمع ولهدم أي عقيدة، ومن أجل ذلك ركز القرآن على حرب الإشاعة، وقد حاربها في موردين :

1 -   أن  تكون موجهة ضد الأفراد، يقول سبحانه وتعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[[1]، وهذه حرب للإشاعة التي تطلق ضد الأفراد.

2 -   كما ركز القرآن في مورد آخر على محاربة الإشاعة التي توجه ضد المجتمع وذم المؤمنين. في هذا المجال فقال سبحانه: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم[[2]؛ فعرفوا من أين جاء وما هي غايته وغرضه وما يترتب عليه.

الإذاعة أو الإشاعة إذن هي أخطر سلاح تستخدمه الفئات السياسية منذ أقدم الأزمان  حتى في أيام النبي صلى الله عليه وآله. أضرب لكم مثلا بحديث الإفك الذي وجه ضد مارية أم المؤمنين رضوان الله عليها، ونزلت فيه آية قرآنية، وهذا الخبر نشره المنافقون والذين في قلوبهم مرض، وعملوا على ترويجه بشدة لولا أن الله سبحانه وتعالى أنزل آيات في الموضوع  تكذبهم وتهددهم، وكذلك بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله من حجة الوداع ودخول المدينة وإصابة النبي صلى الله عليه وآله بالمرض الذي توفي فيه خرجت إشاعة مؤداها  أن رسول الله قد غّير وصيته، وأخذ المنافقون والذين في قلوبهم مرض يروجون هذه الإشاعة لولا أن العباس بن عبد المطلب رضوان الله عليه وقف ضد هذه الإشاعة موقف الأسد، وكان ينادي كل من يحتمل أن يدعي بأن النبي صلى الله عليه وآله أخبره بتغيير وصيته ويأتي به أمام الناس ويسأله هل أوصى لك محمد بشئ؟ فيقول لا، وبهذه الطريقة  أفسد تلك الإشاعة.

فالإشاعة منذ أقدم الأزمان تستعملها جميع الفئات السياسية من دول وأحزاب وفئات كسلاح في حربها بعضها ضد البعض، وضد الشخصيات التي تناوئها، وليس ذلك بالأمر الجديد؛ لأنها لا تكلف شيئا، فما عليه بعد صياغة الخبر إلا أن يلقيه في المجتمع  عن طريق بعض المروجين فيقوم الناس بنشره، إن مما يساعد صاحب الإشاعة على ترويجها هو عادة الناس الغريبة، فهناك ناحية نفسية يستغلها صاحب الإشاعة وهي أن كثيرا من  الناس يحب التظاهر أمام الغير بأنه السبّاق في العلم بالأشياء والاطلاع عليها، وأن الأخبار تصل إليه قبل غيره، فبمجرد أن يسمع الخبر لا يستطيع الاستقرار قبل أن يخبر به  الناس ومن دون تحقق من صدقه، ومجتمع البحرين بسبب ضيقه تسري فيه الإشاعة بسرعة فائقة، فيكفي أن تلقي الكلمة في الحِد وتسرع بسيارتك حتى تصل إلى الزلاق، فتجد أن الكلمة قد سبقتك، ولكنها ليست على أصولها بل محورة ومغيرة أو مطورة، ربما يعزى ذلك  إلى وجود نقص في شخصية بعض الأفراد، إذ يعتقد أنه إذا أسرع ببث الخبر يصبح في نظر الناس أعلم خلق الله ببواطن الأمور.

أما كيف نحارب الإشاعة فهذا ما نتكلم عليه في الأسبوع الآتي إن شاء الله.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني  في ليلة الثلاثاء 10/7/ 1995

[1]  النور:19

[2]  النساء: من الآية83

آخر تعديل في الجمعة, 02 أكتوبر 2020

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.