دعوة الحق
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليكم أيها الاخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد: ]لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ[[1].
شبه سبحانه وتعالى الدعوة إلى الباطل برجل يقف على ساحل الماء يمد كفيه إلى الماء، ويطلب من الماء أن يصل فاه دون أن يكلف نفسه بغرف الماء بالكفين وإيصاله إلى فمه. ولا شك أن قوانين الكون كلها تأبى أن يبلغ هذا الماء الذي في الساقية إلى فم العطشان ما لم يغترف بيديه أو بإناء.
ومعنى ذلك أن الدعاة إلى الباطل إنما يحاولون أمرا لا يمكن أن يتم لهم، ولا يمكن أن يقبل منهم, فالدعاة إلى الباطل ليسوا دائما خالين من الانتساب الى الله سبحانه وتعالى، وربما يتمسكون أيضا بأنهم يدعون إلى الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ]لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ[[2], فإذا كانت الدعوة حقا، وإذا كانت الدعوة إلى حق فنسبتها إلى الله صحيحة، وأما إذا لم تكن إلى الحق فنسبتها إليه غير صحيحة، بل هي دعوة من دونه، ومن دون الله سبحانه وتعالى ربما كان وثنا أو صنما أو دينا مصطنعا أو عقيدة باطلة أو سلوكا مخالفا لما أراد الله سبحانه وتعالى لعباده.
فإذن ونحن نريد أن نجعل من أنفسنا دعاة للناس إلى هذا الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسله وأنبيائه، وختم به بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله, ونريد أن نجعل من أنفسنا تلك الأمة الوسط التي تكون شاهدة على الناس؛ لا بد لنا أن نعرف ما هي دعوة الحق؟ ومن الذي يقوم بها؟
حتى نميز ما هو حق مما هو باطل، ونميز دعاة الحق من دعاة الباطل, فإن الشبه في هذا المجال أكثر من أن يكتشف بدون تمعن وبدون تعمق في الفكر.
والدعوة في اللغه لعلها واضحة عند الجميع, وهي بمعنى الدعاء أو الاستدعاء أي طلب الشيء، تقول دعوت فلانا أي طلبت منه فعل شيء، أقل ما يكون الحضور إلى البيت مثلا. فالدعوة إذن بمعنى الدعاء أو الاستدعاء. والحق يكون اسما من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويكون اسما لكل ما هو واقعي ثابت، فكل شيء ثابت غير قابل للبطلان يقال له حق، والمقصود به في هذه الآية الكريمة هو دين التوحيد الخالص، فإنه الدين الذي لا يعقل بطلانه في يوم من الأيام، وهو الأمر الواقع غير القابل للنقض، ومن أجل ذلك سمي دين الحق, وسمي دعوة الحق، هذه الدعوة تكون من الله سبحانه وتعالى لخلقه: ]لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ[[3]، فهو سبحانه وتعالى يدعو إلى الحق، ولكن هذه الدعوة بلغها للناس أناس مثلهم من البشر، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وحملها أتباع الأنبياء إلى سائر الأمم، وأتباع الأنبياء منهم من هو مخلص لتلك الدعوة، ومنهم من يستغل تلك الدعوة لمآرب في نفسه، فإذاً حتى لو دعا إلى ما هو حق ولكنّ قصده في ذلك لم يكن سليما كقصد الأنبياء صلى الله عليه وآله لا تكون تلك الدعوة حقا، ولا تكون تلك الدعوة لله، بل هي دعاء من دونه، فهو يحاول أن يوجد شيئا يقربه إلى الله سبحانه وتعالى بطريق لا يرتضيه الله سبحانه وتعالى، فلا يمكنه القرب من الله، فهو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغ.
فالعنصر الأول إذن في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى أن يكون القصد ممن يحمل رسالة الأنبياء ليبلغها إلى غيره من البشر أن يكون قصده في ذلك لله وحده، وإذا قصد الإنسان الله سبحانه وتعالى فلا بد له من أن يسلك الطريق الذي يأذن الله سبحانه وتعالى أن يدعى إليه به، وإلا فالدعوة إلى الله بدون إذن الله هي أيضا مرفوضة من الله، وهي ليست دعوة إلى الله، وإلا فكثير من الفلاسفة والحكماء من غير هذه الأمة دعوا إلى التوحيد الخالص، ودعوا إلى عبادة إله واحد، ودعوا إلى الانقطاع إلى إله واحد، ولكن لما لم يكونوا مأذونين بتلك الدعوة تعتبر دعوتهم تلك موصلة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا منتسبة إليه، بل لا بد أن يكون الداعي مأذونا له في الدعوة من الله سبحانه وتعالى، حتى النبي صلى الله عليه وآله وصفه الله سبحانه بقوله: ]وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ[[4].
فالإذن إذا من الله سبحانه وتعالى ضروري في أن تكون تلك الدعوة إلى الله، ولا يكفي أن يكون القصد من تلك الدعوة سليما ومجردا إلى الله بينما لا يكون الداعية ممن أذن الله له بالدعوة؛ فإنه إذا لم تبلغه دعوة الأنبياء, يكون مثابا على إخلاص نيته، ولكن دعوته لا تكون دعوة الحق, ولا تكون دعوة الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه لم يكن مأذونا في الدعوة إليه، فلا بد إذا أن يكون الداعية إلى الله سبحانه وتعالى مأذونا من الله في الدعوة إليه, ولا يكون مأذوناً بالدعوة إليه حتى يسير على النهج الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله وللمؤمنين بشريعته في الدعوة إلى تلك الشريعة، ويتأدب بآداب تلك الشريعة، ويتحلى بأخلاق تلك الشريعة، ويكون في حقيقته داعيا إلى الله، لا إلى هوى عنده، ولا إلى رأي يحمله؛ يدعو إليه بحجة أن هذا هو دين الله، ثم يذهب فيكفِّر من خالفه في ذلك الرأي الذي أوجده هو بنفسه بحجة أن هذا الإنسان الآخر يخالف دين الله.
فرق بين مخالفة جوهر الدين وبين مخالفة رأي أوجدته لنفسي، حتى لو كان هذا الرأي الذي أوجدته لنفسي يعتمد على أدلة من الدين فإنه لا يكون مخالف هذا الرأي مخالفاً للدين، أو خارجا من الدين حتى أجعل من هذا الرأي ديناً أدعو إليه، فلو فعلت ذلك لا أكون من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما هو دعوة إلى رأي، هذا الرأي بسبب الدعوة إليه تحول صنما، فالصنم لا يشترط أن يكون حجرا، أو شجرا، أو حيوانا، بل حتى أنبياء الله الذين أكرمهم برسالته، وابتعثهم لبريته، قد يحولهم الإنسان أصناما، فالذين يعبدون عيسى عليه السلام مثلا، هؤلاء في الحقيقة حولوا السيد المسيح من كونه رسولا إلى كونه صنما، واليهود وقد أنكروا أي نبوة بعد موسى عليه السلام وبعد نبوة آل داود حولوا أنبياء بني اسرائيل الذين هم بين موسى وبين داود بل حولوا موسى ذاته صنما يدعون إليه، وينكرون إيمان من قال بنبوة من جاء بعده من الأنبياء.
فالصنمية إذاً لا يشترط أن تكون حجرا أو أن تكون حيوانا أو أن تكون شجرا، ربما كانت فكرة وربما كانت بشرا، وربما كانت مَلَكا، فلو أن إنسانا عبد ملكا من الملائكة أو ألّه ملكا من الملائكة أو نسب إلى مَلَك من الملائكة المكرمين صفات الربوبية، فهو في الحقيقة قد اتخذ ذلك الملك صنما، وتكون دعوته حتى لو كانت تحمل جميع مفاهيم الشريعة الإلهية ما دامت تعتمد على تأليه من ليس بإله، أو تحتمل فهي ليست بدعوة لله، حتى الرأي كما قلنا إذا أوجدته قد يكون نابعا من الدين، وقد يكون منتسبا للدين، لكنني لو كفرت من خالفني في هذا المنحى أو في هذا الرأي، واعتبرته خارجا عن ربقة الإيمان، فإني في الحقيقة لا أكون في دعوتي إلى هذا الرأي داعياً لله، وإنما أكون داعياً إلى صنم هو هذا الرأي، أو داعيا إلى شخصي أنا باعتباري صاحب هذا الرأي، ولا أكون داعيا لله، قد يدعو الإنسان إلى فكر يحمله، وقد يدعو الإنسان إلى رأي يحمله، لكنه لا يكفر من خالف رأيه، أو نحى منحى لا يتلاءم والمنحى الذي سلكه، فمادام ذلك الإنسان لم يخرج عن حدود الشريعة، ولم يفارق مقتضى الإيمان، وإلا لكانت دعوته ليست دعوة إلى الله، وإنما دعوة من دون الله.
ونضرب مثلا في هذا ما نشاهده بين أفراد المذاهب الإسلامية من محاولة إزراء أهل كل مذهب على أتباع المذهب الآخر بما لديهم من مسائل هي في الأعم الأغلب اجتهادية أوجدها فقهاء تلك المذاهب، وربما كانوا مخطئين فيها أو مصيبين، لكنها باعتبارها فروعا لا تقتضي الخروج عن ربقة الإسلام، مثال ذلك موضع السجود أو طهارة موضع الصلاة، فمن فقهاء المسلمين من يعتبر الطهارة في موضع القيام أي موضع الرجلين حين القيام، ويشترط فيه أن يكون طاهرا، وأما سائر مواضع المصلي كموضع السجود أو موضع الجبهة فلا يشترط فيه أن يكون طاهرا، وإنما يكتفي فيه بأن لا تكون نجاسته متعدية، ومذهب آخر لا يشترط طهارة موضع القيام، وإنما يشترط طهارة موضع السجود، ويكتفي في سائر مكان المصلي بأن لا تكون نجاسته متعدية، فيأتي هذا الفريق فيشنع على ذلك الفريق بأنكم تجيزون السجود على العذرة، ويأتي هذا الفريق ويشنع على هذا الفريق بأنكم تجيزون الوقوف على العذرة، طبعا النتيجة ماذا؟ هي اختلاف الكلمة وتشتت الصف.
وأضرب مثلا بمسألة أخرى من المسائل التي يكثر الابتلاء بها بين الناس، الزوجة مباحة لزوجها، لكن القدر المتيقن من الإباحة هو المواقعة في القبل، وأما المواقعة في غير القبل فهي موضع خلاف واجتهاد بين الفقهاء، فمنهم - يعني هذا ليس منحصرا بالشيعة أو بغير الشيعة– مثلا من غير الشيعة من يقول بأن المواقعة في دبر المرأة حرام، ومنهم من يقول حرام تنزيهي، والحرمة التنزيهية في مصطلح الأحناف بمعنى الكراهة المغلظة في مصطلح الشيعة، وفقهاء الشيعة أيضا يختلفون في المسألة، فمنهم من يقول بالحرمة ومنهم من يقول بالكراهة المغلظة، وكل فقهاء المذاهب تجدهم يختلفون في هذه المسألة، فيأتي شخص من مذهب آخر يقول مثلا إن الشيعة يبيحون نكاح المرأة في الدبر، مع أنه لا يوجد أحد من الشيعة يقول بالإباحة بالمعنى الخاص؛ لأن الإباحة بالمعنى الخاص هي تساوي الطرفين، وليست هناك مرجوحية من جهة، وما من فقيه من فقهاء الشيعة إذا لم يقل بالحرمة إلا وهو يقول بأنه مكروه كراهة مغلظة، وهذا عين ما يقوله فقهاء غير الشيعه بأنه حرام تنزيهي؛ لأنه كما قلنا فإن مصطلح الحرمة التنزيهيه في أصول الحنفيه معناها الكراهة المغلظة في أصول الشيعة، لماذا يفعل ذلك؟ تفرقة بين المسلمين وإضعافا لصفوفهم.
طبعا الدعوة بهذه الطريقة لا تكون دعوة إلى الله سبحانه وتعالى حتى لو كان الداعي مخلصا، وفي وجدانه أنه يريد التقرب بها إلى الله؛ لأنه خالف أمر الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: ]وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم[[5], وقوله تعالى: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[[6]. هذا الأمر كما ينطبق على المذاهب الإسلامية فهو أيضا ينطبق داخل البناء الشيعي، فلو أن فئة من الشيعة مثلا اجتهدت اجتهادا معينا، ثم رأت أن كل من خالفها قد خرج عن خطة الدين، وأقامت دعوتها على ذلك فهذه الفئة حتى لو كانت مخلصة لله سبحانه وتعالى لا تكون دعوتها دعوة الحق، فإن ما تحدثه من الفرقة في صفوف المسلمين أعظم من الخير الذي تزعم أنها تريد أن تحققه لهم.
فالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى إذن يجب أن تكون سائرة على النهج الذي يريده الله سبحانه وتعالى لعباده، والنهج الذي يريده الله لعباده هو الدعوة إلى الشريعة، وإلى جوهر الشريعة وإلى التوحيد الخالص, ولا تدخل فيها الأفكار والأشخاص والأفراد, مهما عظمت تلك الأفراد, وتلك الشخصيات إلا أن تكون تلك الشخصيات ممن أمر الله بالدعوة لها على نحو قطعي، فإنه لا يعقل أن يؤمن إنسان بالله ويتمكن من العمل بشريعته ما لم يؤمن بأنبيائه ورسله, أما اذا كان العمل بالشريعة والإيمان بالله لا يتوقف على شخص من الأشخاص, فإن الدعوة إليه ومحاربة من خالفه بحجة أن هذا هو الفرض العيني على المسلمين لا تكون دعوة الحق، وإنما هي دعوة من دون الله, دعوة إلى فرد من أفراد الأمة مثلاً, هذا لا يكون دعوة إلى الله, يصح الدعوة إلى أفراد الأمة، وتصح الدعوة إلى علماء الأمة, على أن لا يؤدي ذلك إلى حد تفسيق المسلمين بعضهم بعضا, وإلى حد تكفير المسلمين بعضهم بعضا, وإلا كانت الدعوة صنمية وليست إلهية.
الدعوة الإلهية هي التي يكون جوهر الدعوة فيها والمقصد الأسمى فيها هو الله سبحانه وتعالى, والداعية الحقيقي هو من يدعو الناس إلى العمل بأحكام الإسلام, الداعية الحقيقي هو من يأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستدعي من ذلك الداعي أن يعرف ما هو المعروف وما هو المنكر، وإلا ربما نهى عن معروف ودعا إلى المنكر, فإن الجاهل كما يقول النبي صلى الله عليه وآله: "كخابط ليل ما يفسده أكثر مما يصلحه".
فإذاً لابد من عنصر العلم في موضع الدعوة, ومن أراد أن يكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى فعليه أن يتعلم شريعة الله, وعليه أن يدرس شريعة الله، وعليه أن يدرس العقائد التي يريد الله سبحانه وتعالى الدعوة إليها, والأحكام التي لا يسع الإنسان المسلم مخالفتها، وهي ما ثبت أنها من جوهر الدين, لا ما ثبت أنها من اجتهاد المجتهدين, وكلام المتفقهين، فإنه مثلا عندما تكون المسألة خلافية بين الفقهاء, فليس لك أن تلوم إنسانا عمل بخلاف ما تعتقده أنت, لأن هذا بالإضافة إلى أنه ليس من جوهر الدين فإنه يؤدي إلى تفرقة صفوف المسلمين, مثال ذلك: من يذهب إلى حرمة زيارة القبور, إذا كفَّر من زار القبور هل كان مخلصا في دعوته إلى الله؟ هل هناك نص صريح من آية محكمة أو سنة متواترة أو إجماع من المسلمين على حرمة زيارة القبور حتى يكون مخالف هذه الفتوى مبدعا في الدين, أو مرتكبا للكبيرة؟ أم أنه اجتهاد في المسألة بني على نصوص يعتقد المفتي بموجبها أنه يفهم من ظاهرها أو من تأويلها حرمة زيارة القبور, فتحرم زيارة القبور عليه وعلى متبعيه؟ ولكن هل له أن يبدّع المسلمين ويكفّر المسلمين؟ أو ليس أن من اجتهد في مسألة فقد أباح لغيره أن يجتهد في قباله؟ وكذلك ما يحدث من بعض المسائل الشقاقية عند بعض جهلة الشيعة في بعضهم البعض بسبب اختلاف الفقهاء في أي مسألة ما, فمثل هذه الأمور ليست دعوة إلى الحق، فيجوز لك أن تعمل بقول الفقيه الذي تعتقد ما دمت ليس بفقيه، ويجوز لك أن تدعو إلى العمل بفتواك إذا كنت فقيها, ولكن ليس لك أن تبدّع من عمل بغير فتوى مقلدك، أو بغير فتواك إن كنت فقيها, فمادامت هذه الفتوى ليست من ضروريات الدين, وليست مما ثبت بنص محكم من الكتاب أو سنة متواترة أو إجماع من الأمة, فالمسألة سيان, فضروريات الدين هي التي تكون في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأضرب مثلاًَ: [بذبيحة المخالف]، فالحنابلة مثلا وليس كلهم, وإنما أتباع محمد بن عبد الوهاب منهم يرون حرمة ذبيحة من خالفهم، وبخاصة إذا كان الذابح شيعياً, فهل لهم مثلا أن يكفروا الأحناف أو الشوافع أو الموالك إذا خالفوهم في الفتوى؟ لا, ولو فرضنا مثلا أن بعض فقهاء الشيعة يمنع ذبيحة الكتابي، وبعضهم يسمح بذبيحة الكتابي فرضا [إذ لا توجد هذه المسألة], فلو فرضنا أن المسألة خلافية بين فقهاء الشيعة، ووجدت شيعيا يأكل ذلك اللحم الذي هو بموجب اجتهادي إن كنت فقيها أو بموجب تقليدي إن كنت متبعا حرام، فهل لي أن أحكم بفسقه؟ طبعا لا, فمادامت المسألة ليست بنص محكم في كتاب الله وليست بسنة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يحصل عليها إجماع الأمة فالدعوة إليها على نحو تفسيق المخالف وتكفيره دعوة صنمية وليست بدعوة إلهية.
إذن لا بد للداعية أن يعرف ما هي شريعة الله حتى يدعو إلى الله، وما هو السبيل الذي يريده الله، وما هو الطريق الذي يضعه الله لأنبيائه ورسله حتى يكون مأذوناً له في الدعوة إلى الله, هذا بالنسبة إلى الصفات التي يتحلى بها الداعية.
ومن غير شك أننا لا نحتاج إلى التحدث عن صفات الدعوة الحقيقية أو دعوة الحق, فدعوة الحق ليست إلا دين التوحيد الخالص، ودين التوحيد الخالص يقتضي توحيد العبادة، وتوحيد كلمة العابدين لله سبحانه وتعالى, أما مجرد الاعتقاد بأن الله واحد من دون أن نعتقد بأن المؤمنين أمة واحدة فلا يتم بذلك توحيد، ولا نكون مخلصين في التوحيد, ]إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[[7].
فتوحيد المعبود إذن يقتضي توحيد الأمة، وتوحيد الكلمة، والذين يفرقون كلمتهم، والذين يتخذون دينهم شيعا يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه: ]لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[[8]، يعني إنك بريء ممن دعا إلى فرقة المسلمين, وممن دعا إلى تشتتهم, لأنه ما لم يعتقد بأن لكل المسلمين من الحق مثل ما له, وأن عليه من الواجبات مثلما عليهم، وأنه ليس بأفضل منهم وليس بأقرب إلى الله سبحانه وتعالى منهم، فإنه لا يكون في الحقيقة داعيا إلى الله وإنما داعيا إلى هوى في نفسه, يدعوه إبرازه أن ينطق بكلمة التوحيد لأنه لا مجال له لكي يروج ما عنده إلا عن طريقها.
الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى تقتضي أيضا الالتزام بدين الله, وأما أن يدعو الناس إلى الخير وهو لا يعمل الخير, الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم, هذا في الحقيقة لا تكون دعوته دعوة إلى الله لأن الإنسان عليه قبل أن يدعو غيره إلى الله أن يدعو نفسه, وأن يحاسب نفسه، وأن يوطن نفسه على عبادة الله وطاعته، وأن يتحلى بأخلاق الله، وأن يتحلى بأخلاق أنبيائه ورسله حتى يكون إسلاما يمشي على الأرض, فيكون سلوكه ويكون عمله في حد ذاته لساناً يدعو, وأما إذا كان يدعو بلسانه ويخالف بفعله وسلوكه فلا شك أن هذا يؤثر على ذلك الدين الذي يدعو له, ومن أجل ذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى اختار أنبيائه من أفضل خلقه, اختار أنبياءه أفرادا لم يعثر عليهم حتى في طفولتهم بارتكاب الكبائر والموبقات مما ينافي الأخلاق البشرية, حتى لا يعاب عليهم حين الدعوة، وإلا لقالوا لهم أنتم مثلنا تعملون, ومانراكم بخير منا في هذا السلوك, كيف يدعو مثلاً إلى الصدق من ديدنه الكذب؟ وكيف يدعو إلى الأمانة من شأنه الخيانة؟ لا شك أنه لايصدق فيما يقول.
فحتى يكون الإنسان داعيا إلى الله مقبول القول عند الله سبحانه وتعالى، ومقبولا عند خلق الله, ينبغي أن يتحلى بأخلاق الله, وأن يجاهد نفسه في العمل بأحكام الله قبل أن يجاهد غيره في العمل بأحكام الله وإلا لكان من الآمرين بالمعروف الفاعلين للمنكر, ولاشك أن من يرتكب المنكر لا يقبل منه مرتكب المنكر الآخر نهيه له عنه أو دعوته إلى المعروف، ومن أجل ذلك قال الصادق عليه السلام: "كونوا زينا لنا.... " ومعنى زيناً لنا أن تكون أخلاقكم وأن تكون أفعالكم وأن يكون سلوككم بحيث إن من يخالفنا يرى فيه السلوك الفاضل, والأخلاق الفاضلة، فهو يحب أن ينتمي إلى هذه الجماعة, ويحب أن ينتسب إليها, وأما إذا لم يكن بهذه الحال, فهو شين عليهم [عليهم السلام].
فإذاً لابد في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من مجاهدة الإنسان لنفسه قبل أن يجاهد غيره, وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره, وأن يدعو نفسه إلى الخير قبل أن يدعو غيره، ولا أعني بذلك أنه يجمد نفسه حتى يكون ككبار الصحابة والتابعين, لا، لا أقصد ذلك، ولكن عليه وهو يدعو غيره إلى الله أن يدعو نفسه قبلهم, وأن يلتفت إلى ما عنده من المعائب ومن الأخلاق الذميمة وإلى السلوك المنحرف قبل أن يلتفت الى سلوك غيره وأخلاق غيره.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
* محاضرة للشيخ سليمان المدني في عام 1988م
[1] الرعد:14
[2] الرعد: من الآية14
[3] الرعد: من الآية14
[4] الأحزاب: من الآية46
[5] الأنفال: من الآية46
[6] آل عمران: من الآية103
[7] الانبياء:92
[8] الأنعام: من الآية159
