في تأبين الشيخ محمد الشيخ منصور الستري
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين, والسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون جميعا ورحمة الله وبركاته.
لقد اعتذرت كثيرا للأخوة عن هذا الموقف, ولكنهم أبوا إلا أن يقحموني، أو يركبوني المركب الصعب, فالفقيد كان لي صديقاً حميماً منذ عشرات السنين, ومنذ أن كان صبياً يافعاً, وكنت أكبره ببعض السنين, ثم عاد وأصبح شريكاً في درب النضال من أجل هذا الدين, أصبح رفيقاً في درب الشوكة التي ألزمنا أنفسنا أن نسير عليه, عندما رضينا أن نتحمل مسؤولية الظهور أمام الناس بما يعرف في هذا الزمان برجال الدين, هذا المقام الذي يفرض على من يجعل نفسه فيه أن يتحمل كل كريهة, وأن يصبر على كل سوءٍ يصاب به, لأنه موقف النذارة, يقول سبحانه وتعالى: ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[[1].
والنذارة هي من وظائف النبي صلى الله عليه وآله, ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً[[2], وإذا رضي الإنسان أن يتحمل مسؤولية من مسؤوليات الرسول صلى الله عليه وآله, فعليه أن يوطن نفسه بأن يتحمل – لا أقول كما يتحمل الرسول صلى الله عليه وآله, لأنه لم يرزق صبر الرسول صلى الله عليه وآله – أن يموت وهو يقف تحت ظل هذا المنصب, منصب النذارة والتبليغ عن الله سبحانه وتعالى بقدر ما رزقه الله من العلم.
كان الفقيد شريكاً في هذا الموقف الصعب الذي ألزمنا أنفسنا به, وأصررنا أن نموت دون أن نغش الناس ونقول لهم إن المطالبة بتطبيق دستور دولة البحرين هو من الدين, ودون أن نغش الناس ونقول لهم إن المطالبة بديموقراطية أوروبا هي من صميم الدين, أصررنا ورضينا أن نضحي بكل ما نملك, ونقول لهم إن واجب المسلم أن يدعو إلى تطبيق الإسلام, وإن واجب عالم الدين أن يشرح حقائق الدين للمسلمين, لا أن يطالب بأمور خارجة عن حَدِّ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله, هذا الموقف الذي يرفض في القرن العشرين الميلادي, والقرن الخامس عشر الهجري, لأن الدنيا قد تبدَّلت, ولأنه لم يبق منها إلا صُبَابةٌ كصُبَابة الإناء, ولأن الإسلام عاد في أوطانه غريباً, فلا بد أن يعود المؤمن الحقيقي – لا أقول في مجتمعه ولكن يعود في بيته – أيضاً غريباً, هذا الموقف وقفه هذا الفقيد مع من وقف هذا الموقف من العلماء, ولا أستطيع أن أؤَبن الفقيد بأكثر من ذلك, ولا حاجة لي أن أذكر صفاته الخلقية أو نَدَاه أو علمه أو غير ذلك, فكل شيءٍ عن الفقيد رحمه الله معروفٌ للناس, ولكن الفقيد في حد ذاته مجهولٌ من الأكثرية, مجهولٌ من الغالبية الساحقة, لأن الناس أعداء ما جهلوا, ولأن الجهَّال دائماً يقفون بالضد من العلماء, فلا يعرفونهم ولا يقدِّرونهم, ويجب على العلماء أن يرضوا بجهل الناس لهم, وأن يتحمَّلوا مسؤوليتهم, وأن يُعطوا من كرههم المحبة, وأن يمدّوا لمن قطع يده عنهم يد العطاء والتعاون والتآلف, هذا هو واجب العالِم, حتى يؤدِّي رسالة الله سبحانه وتعالى على خير وجه, أن لا تأخذه في الله لومة لائم, وأن يتحمل كل ما يصيبه بسبب دعوته إلى الله, ولكن أيضاً عليه أن لا ينكص من ميادين الجهاد ومن سوح الكفاح, بل عليه أن يقف وأن يتحمل ما يصيبه, وهو في الأخير – سواءً بقي فرداً أو بقي معه بعض المؤمنين – سيكون منصوراً عند الله في الدنيا والآخرة، ]إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ[[3].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* كلمة في الحفل التأبيني في ذكرى أربعينية الشيخ محمد بن الشيخ منصور الستري منتصف ذي القعدة 1419هـ المصادف 3 مارس 1999م بجامع سترة
[1] التوبة:122
[2] الأحزاب:45
[3] غافر:51
