almuhadhrat

كلمة في تأبين الشيخ يوسف والشيخ حسين

بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله وكفى, والصلاة والسلام على محمد وآله الشرفاء، والسلام على العلماء الأعلام، والأدباء الكرام والأخوة الأعزاء  الكرام جميعاً ورحمة الله وبركاته.

ما أريد أن أتكلم عنه من الأصول العامة بمنهج الشيخين العلمين المحتفى بهما قد أشبعه الدكتور محمد علي الستري كلاماً، فلابد لي أن آخذ منحىً آخر في كلامي عنهما.

إنه لمما يحز في النفس أن يكون الاحتفال، والاحتفاء بذكرى هذين العملاقين في مثل هذا المستوى، وفي البحرين بالذات التي أنتجتهما، والتي تفخر بهما. ولكن لا عجب في ذلك, فنحن نعيش الآن في ظروف مشابهة تماماً للظروف التي عاشها العلمان الشيخ يوسف والشيخ حسين رحمهم الله.

ولدا، وبالأخص صاحب الحدائق في أواخر الدولة الصفوية وهي على أبواب انهيارها وسقوطها, وكان يرأسها في ذلك الوقت الشاه حسين الصفوي، الذي كان قد لهى عن تدبير المملكة باللعب والعربدة، وحتى أنه لولا قيام الشيخ المجلسي رحمه الله بتدبير شئون الحكم في إيران في ذلك الوقت لكان قُضي على البلاد الإيرانية بسبب ذلك.

وقد كانت البحرين في ذلك الوقت من توابع هذه المملكة، كانت مركزا للفتن والحروب والأحزاب، فكان الخوارج يهاجمونها من الشرق والجنوب، وكانت الوهابية قد ظهرت في شبه الجزيرة العربية وأخذت تأز أزاً. المماليك في مصر كانوا يعيثون في المنطقة إشعالا للفتن. والأساطيل التابعة للدول الأوروبية الناشئة كانت تعج بها مياه الخليج.

 يكفي كما يقول صاحب الحدائق في اللؤلؤة - ونادراً ما يتعرض علماء الرجال مع الأسف للظروف التي تمر بهم – [أن بعض القبائل العربية ويعبر عنهم بالبداة قد هاجموا البحرين, ولم يمكن استرجاع البلاد منهم إلا بدفع المال من قبل الدولة]. العمانيون هاجموا البحرين في أيام صغره وعاثوا فيها لعباً وفساداً, وحتى بيت والده لم يسلم من ذلك الهجوم, وأخذ منهم كل ما يملكون من أثاث ومن كتب ومن أدوات, وحتى أن والده - كما يقول هو في اللؤلؤة- أرسله إلى القطيف والإحساء يتسقط الكتب التي قد أخذها البدو ليشتريها منهم من جديد، فالهجمات كانت مستمرة من الخارج، والفتن كانت تستعر في الداخل، في الوقت الذي كان فيه صاحب الحدائق طالباً في حوزة البحرين، ومات والده وهو صغير، وتتالت الهجمات من هنا وهناك، فاضطر إلى الرحيل إلى القطيف وهي أقرب منطقة يستطيع ساكن البحرين أن يفر إليها في أوقات الضيق، وبقي هناك فترة ذهب بعدها إلى إيران، إلى شيراز بالذات، لعله يجد فيها مأوى يحط فيه رحاله، وفي شيراز، أصبح صاحب حوزة ينفق عليها أمير شيراز، وأصبح قاضياً، وأصبح إماماً للجمعة هناك، ولكن هل بقي ذلك له أو رضي له الزمان أن يبقى؟

في ذلك الوقت حصل زعيم الأفغان على فتوى من مكة تبيح قتل الفرس وسبي نسائهم، فقام بمهاجمة إيران واحتلالها مدينة بعد مدينة، ومن المدن التي اجتاحتها جحافل الأفغان، كانت شيراز، وهرب منها إلى فسق، ثم إلى إصفهان، وأخيرا وبعد رحلة استمرت ما يقرب من 25 عاماً وصل إلى كربلاء، أي بخروجه من البحرين إلى أن وصل إلى كربلاء، مع بقائه في القطيف وشيراز وسائر المدن الإيرانية استغرقت كل هذه الرحلة 25 عاماً، وحط رحاله الأخير بجوار الحسين بن علي عليهما السلام.

ولم تكن العراق أفضل حالاً من البحرين أو من بلاد الفرس، كانت الفتن تضطرب، والثورات والانتفاضات والتقلبات على قدم وساق، وخرجت هناك نظرية لم تكن خاصة لصاحب الحدائق، ولكنه توسع فيها، وأصّلها، وربما كان للظروف الموضوعية التي كان يعيشها أثر كبير في هذا الشكل وفي هذه التوسعة، هذه النظرية هي نظرية التقية، ونظرية التقية عند صاحب الحدائق ليست كحكم التقية عند المشهور من الفقهاء، فالتقية عند المشهور من الفقهاء هي الكذب لدفع الضرر عن النفس، أما التقية عند صاحب الحدائق فهي تقية المجاملة، والمقصود بها دفع الضرر عن المجتمع الإسلامي ككل، أولاً دفع الضرر عن الشيعة أنفسهم، وثانياً لحفظ الوحدة الإسلامية بين الشيعة وغيرهم.

طبعاً هذه النظرية في ذلك الوقت كانت تعد معوقاً لسياسة نادر شاه الذي خرج في تلك الأزمان في إيران كبطل قومي يريد أن يخرج الأفغان ويسيطر على البلاد، واستطاع أن يكبح جماح الأفغان، ويخرجهم ولكنه غزا بغداد واحتلها، وكان ليس من صالحه أن يكون المجتمع العراقي متفقاً مع الدولة العثمانية في ذلك الوقت، بل من مصلحته السياسية أن يبقى المجتمع العراقي مضطرباً متناحراً، بين شيعة وسنة، وبين شيعة وعثمانيين، وبين سنة، وعثمانيين، وهكذا.

في ذلك الوقت وبسعي من نادر شاه في إثارة ذلك، طالب الدولة العثمانية إذا كانت تريده أن ينسحب من العراق أن تعترف بمذهب الشيعة الجعفرية كما يسميهم نادر شاه مذهباً إسلاميا رسمياً، وعقد مؤتمر يسمى مؤتمر الكوفة عند بعض المؤرخين، ومؤتمر النجف عند بعض آخر، وفي الحقيقة نقول إنه وجدت جلسة مهزلة وليست مؤتمراً، وقد حضره من قبل العثمانيين الشيخ عبد الله السويدي وجماعته، وحضره من قبل نادر شاه الشيخ نصر الله الحائري وأتباعه، ولا شك أن مسألة معقدة مضت عليها مئات السنين لا يمكن أن تحل بمثل هذا المؤتمر، ومن أجل رغبة فردية آنية مؤقتة، وفشل ذلك المؤتمر فشلاً ذريعاً، خرج عبدالله السويدي وهو يقول إن الشيعة ليسوا أتباع جعفر الصادق، وخرج نصر الله متصلباً وأدى ذلك إلى أخذه في الأستانة فقتل.

وفي هذه الفترة جاء رجل من إيران والاحتمال الأكبر أن مجيئه له علاقة بسياسة نادر شاه، ذلك هو الوحيد البهبهاني؛ جاء إلى كربلاء، ولا إشكال أنه عندما جاء إلى كربلاء، كانت كربلاء معقلاً لفكر المحدثين، وأخذ هذا الرجل يعمل ويناهض فكر المحدثين، وصاحب الحدائق يرى أنه لا بد من إرخاء الستر وسد الباب في هذا الموضوع حفظاً للشيعة من التفرقة، والتزاماً بالمنهج الذي اختطه لنفسه وهو منهج تقية المجاملة، وأدى الأمر إلى أن يعلن الوحيد البهبهاني أن المحدثين أهل ضلال، وأنه لا يجوز الصلاة خلفهم، ويُسأل صاحب الحدائق فيقول : ولكنني لا أرى بالصلاة خلفه بأساً.

هذا الأمر أدى إلى اضطراب حبل المحدثين في كربلاء والعراق بصورة عامة وربما التصلب الذي أبداه ابن اخيه الشيخ حسين رحمه الله في  البحرين هو ناتج من الآثار السلبية التي أدى إليها موقف عمه صاحب الحدائق عليه الرحمة في العراق، فالآثار السلبية التي أدت إليها سياسة صاحب الحدائق المبنية على الملاينة جعلت ابن أخيه في البحرين يخشى أيضاً من اتباع سياسة الملاينة فيؤدي الأمر إلى أن يفلت زمام الأمر من اليد كما حصل في العراق، وإلا فنحن عندما ننظر إلى منهج الرجلين، وإلى أصولهما وإلى قواعدهما لا نجد ذلك الفرق الشاسع الذي يقتضي أن تختلف بسببه مواقفهما، فصاحب الحدائق رحمه الله وهو يسير على منهج المحدثين المعتدلين وليس المحدثين المتطرفين كالشيخ عبد الله السماهيجي مثلاً، لكنه يلتزم بالخطوط العامة لمدرسة أهل الحديث والتي تكلم عنها الدكتور محمد علي كثيرا، ولا أراني أحتاج إلى أكثر من لمسات بسيطة، ذلك أنه في نظرية المعرفة وهم يرون أن المعرفة بديهية، والبديهي لا يحتاج إلى استدلال.

يأتي إشكال كبير وهو أن الملحدين هم أيضاً من العقلاء فلماذا أنكروا وجود الله إذا كانت قضية المعرفة بديهية، وإذا كانت المعرفة مخلوقة، وإذا كانت المعرفة فطرية، فلا إشكال أن الفطري أو البديهي لا يلزم أن لا ينكره أحد، وربما يكون الذهن هائماً لا يلتفت إلى بداهة البديهي، وربما يكون الذهن قد أشكل عليه بشُبَهٍ جعلته لا يرى تلك الحقيقة على وجهها، فينكر وجودها، أو يلونها بلون الإطار العقلي الذي ينظر منه، وهذا لا يعني أن ذلك الشيء ليس فطرياً وليس بديهياً، فالحقائق الرياضية وكل العالم يجمع على أنها بديهية، وعلى أنها لا تحتاج إلى الاستدلال لو أردنا أن نقول مثلاً اثنان زائداً اثنان لا تساوي أربعة، ربما يضحك حتى الطفل الصغير الذي يكون في المدرسة الابتدائية، ولكن هناك فلاسفة لهم مذاهب ولهم نظريات ينكرون هذه الحقيقة، ويقولون إنها ليست مطلقة، فإذا كانت تفاحتان وتفاحتان فإنها تساوي 4، ولكن أحياناً جالونين ماء وجالونين من حامض الكبريت = خمسة جالونات ولا تساوي أربعة, وجالونين ماء وجالونين من الكحول تساوي ثلاثة جالونات ولا تساوي أربعة.

طبعا [ماو سي تونج] رئيس الصين صاحب هذه النظرية, وهو فيلسوف كبير وله مذهب في الفلسفة, لماذا قال هذه المقالة؟ لخطأ بسيط. وهو أنك قلت أن التفاحتين زائداً تفاحتين تساوي أربعة, لكن لو قلت تفاحتين زائداً قلمين تساوي أربعة, إذاً وحد المادة, كما وحدت المادة في مثال التفاح, وحد المادة في مثال الجالونات, تجد المسألة لا تختلف, الخطأ والشبهة جداً بسيطة, لكن هذا لا يعني أنها أمر غير فطري, وغير بديهي، ولكن وهو مندفع في حمأة النظرية الماركسية الشيوعية, وهو يريد أن يجد التبرير الفلسفي العقلي في بعض الترتيبات يأتي فينكر حتى هذه البديهة, إذا كان الرجل لا يستطيع أن يشغل إلا سبعة عمال  فهذا ليس رأس مالي, وإذا تمكن من أن يشغل ثمانية عمال يكون رأس مالي! لماذا قال لأن التغيرات الكمية تنتج تغيرات كيفية, طبعا هذا لا يقبله أحد, التغيرات الكمية لا تنتج تغيرات كيفية, حتى الماء الذي نغليه ويتحول إلى بخار لم تتغير كيفيته, لو تغير تركيبه الذري, لا يعود ماءً, ولكن بالغليان يتوسع ويحتاج إلى حيز أوسع بسبب التبخر، ولكن لا يخرج عن كونه ماء متمدد الأجزاء.

فإذاً البديهي, والفطري, ليس دائماً لا يختلف عليه العقلاء, المعرفة إذاً مخلوقة, وربما يستدل في كتب الكلام بأدلة كثيرة على هذه النظرية أو على ما يخالفها, ولكنني أقول إن هناك دليلا بسيطا جداً.

المعتزلة قالوا, بأن المعرفة نظرية ويجب على كل مسلم أن ينظر ويستدل, فإذا استدل ولم يتوصل إلى وجود الله يقول الجاحظ: إن هذا الرجل معذور وأدى ما عليه, وليس لله أن يحاسبه وأن يعاقبه, وهو يلتزم بذلك, وأما أصحابنا الإمامية الذين قالوا بمقولتهم فإنهم لا يلتزمون بها, لماذا إذا كان الواجب على الإنسان أن ينظر؟ فلا بد أن نقول إنه إذا نظر وإذا استدل أدى ما عليه فليس لله أن يحاسبه وأن يعاقبه, حتى لو أداه النظر إلى عدم وجود الله؛ فإذا كنا لا نريد أن نلتزم بهذه النتيجة, فلا معنى لأن نقول بهذه النظرية, وكذلك إذا كان يجب ان تكون معرفة الله عن دليل, فيجب أن نحكم على غالبية المسلمين بالهلاك, لأن فطاحل العلماء يعجزون عن إيجاد الدليل, ولا فرق أن تقلد العالم في الدليل أو أن تقلده في نتائج الدليل, فلو أتيت للعالم وقلت له أعطني دليلا على وجود الله, وأعطاك دليلا على وجود الله, وذهبت تتغنى بذلك الدليل فإنك في الحقيقة أنت لست من وجد الدليل, أنت قلدت العالم في الدليل, فإذا كان يجوز تقليد العالم في الدليل, فلماذا لا يجوز تقليده في نتيجة الدليل؟!

هذا هو الجواب الحقيقي, لأننا لا بد أن نلتزم بمؤداها إذا كنا نقلده فيها, وبالتالي نحكم على كل من لم يستطع أن يقيم دليلا أنه من الهالكين, وكلا اللازمين لا يلتزم بهما الشيعة.

وطبعا هناك نظرية ثانية كنظرية الشيخ نصير الدين الطوسي وهو أنه يجوز تقليد الآباء والأجداد، وأنه إذا قلد كان ذلك كافياً,  لكن نحن لسنا في حاجة للتقليد في المعرفة, كما لسنا في حاجة إلى الاجتهاد في المعرفة, ]أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[[1] سؤال استنكاري يوجهه القرآن للمنكرين لله سبحانه، وهو لا يوجهه لأهل القرآن, وإنما يوجهه للمنكرين لله, لو كان الأمر يحتاج إلى استدلال أو إلى تقليد لكان القول لماذا ليس في الله شك, فالشك غير مستنكر مادامت القضية نظرية, فإذاً هذا من حيث نظرية المعرفة, وأما بقية الأصول أيضاً فلا أريد أن أتكلم عنها, خاصةً وأن الوقت ضيق, وقد طال الحفل, ولكن نتكلم عن نظرية ثانية يتميز بها صاحب الحدائق، وإن كان يقر بها غيره من المحدثين الذين سبقوه ولكنه أعطاها صبغةً خاصة, وهي نظرية الاحتياط.

والاحتياط عند صاحب الحدائق يكون تارة لأننا لم نجد الدليل, فالدين كامل وكمال الشريعة فيما اعتقد يقول به كل الشيعة وليس خاصة المحدثين, ولكن لا إشكال أن كثيرا من أدلة الأحكام لم تصل إلينا, ليس تقصيرا من الله، ولا تقصيرا من الرسول صلى الله عليه وآله، ولا تقصيرا من الأئمة عليهم السلام، وإنما  بسبب ظلم الأمة وجورها وتقصيرها, فقدنا كثيرا من الأدلة فنحتاج لسد هذا النقص الذي صادفنا بسبب سوء فعلنا, فماذا نفعل؟ هل نقول إن كل موضوع ليس فيه نص نجتهد فيه بآرائنا وعقولنا؟ لا، لأننا لا حجة لنا على حجية العقل إلا من عند العقل فيكون هو الشاهد لنفسه, وتعود المسألة دورية, ولا يمكن أن نقبل أن يشهد العقل لنفسه بالحجية, ولا يوجد عندنا من يشهد له بالحجية غيره, فإذاً نرجع إلى القول بأصل إباحة الأشياء؟ لو كان قبل الشريعة كان ذلك ممكناً, ولكن ونحن بعد الأربعة وعشرين ألف نبي وأربعة وعشرين ألف وصي كيف نقول إن الأشياء تجري فيها أصالة الإباحة! إن الله سبحانه وتعالى يقول: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[[2]، وقد جاءت الرسل وقامت النذر وعندئذ لا بد أن نرجع إلى ما قاله هؤلاء الرسل وهؤلاء الأئمة، فنجد أن الائمة عليهم السلام كلهم يقولون أخوك دينك فاحتط له, من لزم الاحتياط سار على الصراط.

فإذن لا بد من لزوم طريقة الاحتياط في المواضع التي يحصل فيها أحد الأمور: أما أن نفقد الدليل, وأما أن لا يتضح معنى النص, فإذا كانت النصوص مختلفة ومتضاربة على وجه لا يستطيع الفقيه أن يستخلص من مجموعها الحكم الشرعي الثابت لديه, ماذا يفعل؟, لابد له في الأمر من الاحتياط, وكذلك أن يكون هذا الموضوع مردداً بين عنوانات مختلفة وكل عنوان له حكم يخالف الحكم الآخر, وهذا ما يسمى اليوم بالشبهة المصداقية, طبعا ليس للفقيه طريق إلا أن يحتاط, هذا من جهة. هذا وقد توسع صاحب الحدائق في شرحه وتفصيله حتى عدّ بحق أنه فيلسوف الاحتياط.

هناك أمر ثالث جاء به صاحب الحدائق لإكمال الفراغ الذي نتج من جور الأمة وظلمها وهو العمل بشرع من قبلنا, أليس الله قد بعث قبلنا أنبياء, وأنزل كتباً, إذا لم نجد للحكم الشرعي الموجود في الكتاب الذي نزل على نبي من الأنبياء نسخا في كتابنا أو في سنة نبينا نعمل به, وهذا وجدته أنا قد احتج به صاحب الحدائق في مسألة وهي مسألة نبش قبر الميت بغرض نقل جثمانه إلى مكان آخر, احتج صاحب الحدائق بفعل نوح عليه السلام بإخراج جسد آدم عليه السلام من اليمن وحمله له إلى الغري, وبنقل موسى عليه السلام جسد يوسف إلى فلسطين, فقال إن العمل في هذه المسألة هو بشرع من قبلنا, ولا بد أن يكون هذا الحكم قد نقل عن طريق نبينا أو عن طريق أحاديث أئمتنا ولكن بشرط ألا نجد ما يعارضه أو ينسخه في شريعتنا, وإما إذا كان هذا الحكم منقولا من مصادر أخرى فلا يمكننا الأخذ به لعدم حجية الطريق التي بيننا وبين أولئك الرسل الذين سبقونا.

فإذاً العلمان - رحمها الله- أثرا في الفقه الشيعي بصورة عامة وأثرا في الفكر الإسلامي بصورة أعم، إثراءً جعلهما موضع التقدير والاحترام في البحوث العلمية في الحوزات حتى يومنا الحاضر. ولعله لهذا السبب فإن الفقهاء الكرام الذين صاروا في البحرين بعدهما لم يَدْعوا لأنفسهم، وأرجعوا الناس إليهما وإلى من شابههما، وكما قلت فإنه يحز في النفس أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى على هذا المستوى، وكان ينبغي أن يُعمل لهما مؤتمر تدعى له الشخصيات العلمية من جميع البلاد وأن تُقدم فيه الأبحاث والدراسات عنهما لا أن يتكلم مثلي في حفلٍ ضيقٍ ومحدودٍ مثل هذا الحفل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

*  محاضرة للشيخ سليمان المدني في 19 شوال 1416هـ المصادف 9/3/1996م بجامع جدحفص

[1]  إبراهيم: من الآية10

[2]  الاسراء: من الآية15

آخر تعديل في الإثنين, 29 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.