في فكر العلامة الشيخ حسين العصفور
المقدمة: الشيخ علي المعلم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم,الحمد الله رب العالمين, و الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين وشفيع المذنبين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.
رب أشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي, قال الله تعالى: ]وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[[1].
سماحة العلامة، الأخوة الحضور السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
انطلاقا من الآية المباركة التي تعطي الأهمية البالغة للموقع وللصدارة وللمكانة التي حددها الإسلام بالنسبة لمقام رجل الدين, وانطلاقا من الأحاديث المباركة التي أكدت على أهمية رجل الدين في المجتمع، وعلى دوره في مختلف الأصعدة، وعلى الوجود الميداني والتحرك المصداقي للعلماء وللفقهاء الأعلام تصل إلى درجة يعتبرها الإسلام أن في وجودهم وفي تحركهم دوراً لا تختلف أهمية عن تحرك العلماء أو بالنسبة إلى تحرك الأئمة سلام الله عليهم، ولا ننسى الصدارة التي وضع أئمة أهل البيت سلام الله عليهم مكانة العلماء فيها، فالعالم كما تحدد الروايات وخصوصا التوقيع الوارد عن الناحية المقدسة لإمام العصر عجل الله له الفرج في قوله: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة الله عليهم". وهناك أيضا جملة من الأحاديث الواردة عنهم سلام الله عليهم التي توحي لنا المكانة والصدارة والأهمية البالغة الملقاة على عاتق العلماء خصوصا بعد غيبة ولي العصر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء, فلا مجال لأن أتكلم في هذه الأهمية، والكل يعرف الأهمية البالغة والمكانة المقدسة التي نقدسها ونعتبر أن العالِم في مثابة المحرك لفكرنا ولعقيدتنا، والمدافع عن بيضة الإسلام وعن المذهب.
وهاهنا وفي هذه الليلة نحن وإياكم على موعد مع علمٍ من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ومع فذ من أفذاذ علمائنا الأعلام ألا وهو الحجة العلامة الشيخ سليمان المدني البحراني [حفظه الله] سماحة الشيخ موقعه في قلوب الشباب والمكانة التي احتلها في قلوب المؤمنين وخصوصا في قلوب الشباب المثقف في البحرين مكانة لها أهميتها، ولها دورها في مجتمع البحرين, فهو رائد الكلمة، وهو المربي لهذا الجيل المثقف، وهو أيضا المدافع عن المدرسة التي استمرت وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا, المدرسة التي أسسها أعلامنا ووضعوا لها القواعد المتينة وهي مدرسة صاحب الحدائق والشيخ حسين وغيرهم من العلماء الأعلام.
نعيش و إياكم مع هذا العالم ولا بد لنا أن نعرفكم عن الحياة الدراسية لشيخنا المدني, الولادة في البحرين في مدينة جدحفص سنة 1359هـ, بدأ الدراسة في البحرين على يد الشيخ عبد الحسن والشيخ إبراهيم المبارك, ثم انتقل إلى النجف الأشرف عام 1379 هـ, وهناك التحق بكلية الفقه من جهة وشارك في الحوزة من ناحية أخرى، ومارس الدرس والتدريس، التحق في الحلقات العلمية البارزة آنذاك كدرس المرحوم المرجع الديني السيد محسن الحكيم حضر على يده في الفقه وحضر دورة كاملة في البحث على يد المرحوم المرجع الديني فقيه الطائفة السيد الخوئي عطر الله مرقده الشريف في الأصول, كما درس أيضا عند أعلام النجف آنذاك السيد محمد تقي بحر العلوم, والملا صدرا, والشيخ إبراهيم الكرباسي.
ومن أقرانه في الدراسة وفي الدرس سماحة الدكتور الفضلي وسماحة السيد علي ناصر, وهذان علمان من أعلام المنطقة, وأيضاً من أقرانه في الدرس سيد عز الدين بحر العلوم وهو من المدرسين المشهورين في الآونة الأخيرة في النجف الأشرف, والسيد محمد حسين بحر العلوم والشيخ محمد جعفر شمس الدين, والشيخ الآصفي وغيرهم من الأعلام الموجودين.
فنحيي هذه الليلة وبقلوب واعية وبعقول متفتحة لنستمع إلى توجيهات هذا الأب الروحاني لشباب هذا اليوم وللطليعة المؤمنة الذين جاءوا ليستمعوا إلى رائد الكلمة وإلى رائد الحركة الإسلامية في البحرين ألا وهو سماحة العلامة الحجة سليمان المدني فليتفضل مشكوراً ....
كلمة العلامة المدني
بسم الله الرحمن الرحيم, والصلاة والسلام على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين, والحمد لله أحمده سبحانه الذي وفقني للاجتماع بهذه الوجوه النيرة المؤمنة، وأشكره تعالى على هذه النعمة العظيمة, كما أشكر الأخ الشيخ علي المعلم الذي مهَّد وأصر على هذا الاجتماع وإن كان فيما قاله من مدح كثير من الغلو أو كثير مما لا أستحق, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في الحقيقة لست أدري كيف أبدأ, ففضيلة الشيخ علي المعلم لم يحدد موضوعاً أتكلم فيه بل ترك الأمر عائماً, الرسالة التي نقلت لي على يد بعض الشباب هو الكلام عن الشيخ حسين آل عصفور المشتهر بالعلامة رحمه الله, والكلام عن هذا الرجل بدون تحديد موضوع في حدّ ذاته صعب, الشيخ حسين ليس رجلا عادياً، ولا فقيهاً عادياً يمكن الكلام عليه من جنبة واحدة، فهو ليس مجرد فقيه يرجع إليه الناس في الأحكام, بل له صفات ومميزات تجعله وحيداً بين أقرانه، أو حتى بعد أزمانه, فالرجل بالإضافة إلى كونه علماً من أعلام الشيعة، وبالإضافة إلى كونه رجلاً من رجالات العلم الخالدين، ويكفي أنه في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان يلقب بالعلامة، ولفظ العلامة في ذلك الوقت لم يكن هيناً كوقتنا الحاضر حيث يطلق على معظم الناس كما يطلق عليه [رحمه الله]، لم يكن يطلق في ذلك الوقت لفظ العلامة إلا على الجهبذ الوحيد في عصورٍ متمادية, أطلق لفظ العلامة على الحسن بن المطهر الحلي رحمه الله, وأطلق لفظ العلامة على الشيخ حسين العصفور رحمه الله, هذا الإطلاق ليس من أجل المحاباة أو المجاملة، لم تكن في ذلك الوقت الألفاظ تطلق إلا على من يستحقها.
الرجل بالإضافة إلى أنه فقيه، وإلى أنه زين المحدثين - كما يعبر عنه في الإجازات وفي كتب الرجال- فقد كان قائداً سياسياً بارعاً في زمنه، حضر الساحة المضطربة في ذلك الوقت, ويدلكم على هذا الحضور طريقة وفاته رحمه الله، فأنتم تقرؤون في المعاجم وكتب الرجال أنه مات بسبب ضربة حربة من يد أحد الخوارج, في ذلك الزمان لم يكن يسكن البحرين غير الشيعة, فمن أين جاء الخوارج وضربوا الشيخ حسين؟ المؤسف له أن كتب الرجال عندنا عندما تتكلم عن الشخص لا تتحدث عن الظروف الاجتماعية التي كان يعيشها، ولا تتكلم عن الأنشطة الاجتماعية التي كان يزاولها, وحتى نعرف كيف استشهد هذا الرجل لا بد أن نعرف دوره في الساحة السياسة المضطربة في ذك الوقت، أي بداية القرن الثالث عشر الهجري.
في ذلك الوقت كانت البحرين نسبياً تتبع إيران, فمنذ أن احتلت من قبل الإيرانيين في العهد الصفوي بقيت جزيرة البحرين أو جزيرة أوال وما معها من الجزر تابعةً في بداية الأمر تبعية تامة للدولة الصفوية في إيران, ومن بعد ذلك تبعية اسمية، ففي أواخر عهد الصفوين وضَعْف شأنهم تأسس في البحرين مجلس كان يعرف في ذلك الوقت باسم ديوان السلطنة, وكان العضو الذي يكون في ذلك المجلس يحمل لقب وزير الدولة, بطبيعة الحال طريقة الدخول إلى هذا المجلس هو عن طريق الانتخاب, وكان هناك حزبان رئيسيان يتصارعان على حكم البحرين وعلى تحصيل الأغلبية في ذلك المجلس وهما حزب البلاديين وحزب الجدحفصيين, وبقي هذا الحال حتى بعد سقوط الدولة الصفوية وقيام الدولة القاجارية, بقيت التبعية اسمية، وكانت البحرين تدار إدارة ذاتية من الداخل عن طريق هذا المجلس، وعن طريق الأعضاء المتواجدين فيه.
وفي بداية القرن الثالث عشر اضطربت الأحوال في المنطقة وأخذت الهجومات تترى على البحرين من الخارج، سواء من القبائل المغيرة التي كانت تغيرعلى البحرين بقصد السلب والنهب أو من الدول المجاورة التي تريد احتلال البحرين وضمها إليها, ومن هذه الدول الدولة العمانية، وفي أيام سلطانها سعيد بن سلطان وقع الهجوم على البحرين عام 1216هـ, فاجتمع ديوان السلطنة برئاسة السيد ماجد بن السيد حسن الجدحفصي وكان رئيس حزب الجدحفصيين في ذلك الوقت، وبحضور المندوب الإيراني الشيخ جباره الهولي و أيضاً بحضور مرجع البلاد الشيخ حسين رحمه الله في قلعة الديوان, وكانت البلاد محاصَرَة محاصرةً تامة, كان رأي السياسين والسيد ماجد وسائر أعضاء المجلس أن يطاولوا العمانيين في الحصار إلى أن يمكن تحصيل نجدة من الدولة الإيرانية أو الدولة العثمانية لفك الحصار, طبعاً لو بقي الأمر على ذلك لمات الناس وخاصة الفقراء منهم جوعاً, فالموقف السياسي قد لا يتفق أحياناً مع الموقف الشرعي, ولذلك أصر الشيخ حسين رحمه الله على أن يقوم بأحد أمرين, إن كانت لديه القوات الكافية في المقاومة وفي المدافعة فعليه أن يقوم بالمقاومة والمدافعة ودفع العدو، وإن كان يعجز عن ذلك فعليه بالتسليم حتى لا يموت الفقراء في بيوتهم جوعاً, وعندئذ اضطر الحكام أن يخرجوا لمحاربة الغازين العمانيين, وكان فيمن خرج أيضاً وممن قاد تلك المعركة هو نفسه، الشيخ حسين رحمه الله، حيث جرح في المعركة في قلعة الديوان أي عند قلعة الديوان, وقلعة الديوان هي قلعة المنامة، وهي مركز وزارة الداخلية في الوقت الحاضر حيث ضربه أحد العمانيين بحربة مسمومة على رجله فوقع جريحاً، ثم نقل جريحاً إلى بيته في الشاخورة وتوفي بها.
فالشيخ رحمه الله بالإضافة إلى كونه فقيهاً ومرجعاً كان من القادة السياسيين المشاركين في صياغة وفي تسيير دفة الحكم في ذلك الوقت في البلاد, والحاضرين دائماً في الساحة بكل ما فيها من مآس،ٍ وكل ما فيها من صعوبات، ولم يكن فرداً عادياً كسائر الناس, هذا من جهة حياته الاجتماعية.
ومن جهة قدراته العلمية فأيضاً الشيخ حسين رحمه الله له قدرات مختلفة، وطرق علوم كثيرة متباينة, وإذا كان قد أطلق عليه لقب مجدد المذهب على رأس القرن الثالث عشر فهذا اللقب لم يطلق عليه من قبل مؤيديه ومن قبل مقلديه, وإنما أطلق عليه من قبل علماء الرجال، ومن قبل الفقهاء والمجتهدين؛ سواء منهم من يوافقه أو من يخالفه, فليس عبثاً أن يطلق عليه رحمه الله لقب مجدد المذهب على رأس القرن الثالث عشر, ولذلك لا يمكنني التحدث عن الشيخ حسين رحمه الله من جميع الجوانب ومن جميع المجالات العلمية التي تطرق إليها رحمه الله، سواء بالكتابة والتأليف أو بالشرح أو بالتدريس والإفادة, وإنما سأكتفي بالحديث عن فكر الشيخ حسين رحمه الله من خلال المدرسة الفكرية والفقهية التي كان يتبناها ويحملها ويدافع عنها.
بطبيعة الحال أنه بعد سنة المئة والألف من الهجرة النبوية انشق الشيعة مع الأسف إلى فريقين كبيرين ومدرستين عظيمتين, هما مدرسة المجتهدين ومدرسة المحدثين, مدرسة المجتهدين قالت إن أصول العلم الشرعي تعود إلى أربعة مصادر وهي الكتاب والسنة والعقل والإجماع, ومدرسة المحدثين قالت إن العلم الشرعي الديني يعود إلى مصدرين اثنين, هما الكتاب والسنة, وأنكرت أن يكون للعقل دخل وحكم في القضايا الشرعية وفي الأحكام الجزئية والفرعية.
هذه المدرسة في بداية أمرها أو حتى إلى أواخر أمرها ما كانت تنكر تدخل العقل في أصول الدين وإنما تنكر تدخل العقل في فروع الدين, ولكن حصلت تحويرات كثيرة تلوفي فيها ما يمكن أن يتلافى من الاعتماد على الاستدلال العقلي البحت حتى في أصول الدين, أضرب مثلاً: من المعروف أنه في قديم الزمان وقع الجدل الشديد بين الأشاعرة وبين المعتزلة في أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى أو معرفة الله سبحانه وتعالى هل يجب أن تكون عن دليل وعن اجتهاد؟ أو يجوز أن تكون عن تقليد واتباع؟ فذهب الأشاعرة إلى أن معرفة الله والإيمان بالله يصح أن تكون عن تقليد واتباع، وذهب المعتزلة إلى أن الإيمان بالله ومعرفة الله يجب أن تكون عن دليل وعن اجتهاد، وأن الإنسان لو آمن بالله ولكنه لم يؤمن به عن دليل وعن اجتهاد وإنما آمن به عن تقليد واتباع للآباء والأجداد فإيمانه باطل ولا يستحق أن يسمى مؤمناً.
والشيعة أيضاً انقسموا في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بما قالت الأشاعرة وهو أنه يصح أن يكون الإيمان بالله عن اتباع وعن تقليد، ولكن الغالبية والمشهور قالوا إنه لا يصح أن يكون الإيمان بالله إلا عن اجتهاد وعن دليل يقيمه المكلف على وجود الله سبحانه وتعالى الذي يؤمن به, وكان بطبيعة الحال لكل فريق من هذين الفريقين حججه وأدلته, فالذين لا يصححون الإيمان الذي يأتي عن طريق الاتباع وعن طريق التقليد يقولون إن الله سبحانه وتعالى ذم المشركين الذين قالوا: ]إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[[2], ولو كان الاتباع للآباء وللأجداد أو للعلماء أو غير ذلك مما يجوز في مقام الإيمان بالله لما كان يصح أن الله سبحانه وتعالى يستنكر عليهم هذا العمل مادام هو يصح, بالإضافة إلى أن التقليد وإلى أن الاتباع غاية ما يثمر إنما هو الظن, والمطلوب في مقام الإيمان وفي مقام العقيدة هو الجزم, وأيضاً يرد القائلون بجواز الاتّباع فيقولون أنكم لم تأتوا بالآية كاملة لأن الله سبحانه وتعالى ما نهى عن الاتّباع وعن التقليد مطلقاً وإنما نهى عن الاتباع والتقليد في حالة أن يكون المتّبَع والمقلَّد جاهلاً لا يفقه شيئاً, ]أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ[[3], فإذن مقام الاستنكار ليس على قولهم: ]إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[[4], وإنما مقام الاستنكار من الباري سبحانه أنهم إنما اتبعوا آباءً لا يفقهون شيئاً ولا يعلمون، أما لو كان آباؤهم عالمين بالله عارفين به مسلمين بالنبوة، فعندئذ لا يكون اتباعهم مزرياً عليه ولا مستنكراً من قبله تعالى.
على أي حال هذا الجدال لم ينته بين الطرفين، وأخذ كل طرف يشنع على الطرف الآخر, مدرسة أهل الحديث رأت في أن هذا الجدل حيث إنه إنما اعتمد على التحليلات العقلية الصرفة لم يأت بشيء، وهو إنما جعل الشيعة في كلا الفريقين يتبعان غير الشيعة، فالذين قالوا بالجواز أو بتصحيح التقليد وبتصحيح الاتباع إنما هم يقولون بمقالة الأشاعرة، والذين منعوا من التقليد والاتباع وأوجبوا الدليل والاجتهاد إنما قالوا بمقالة المعتزلة, وأن المسألة في حقيقتها ليست محطاً للتقليد وليست محطاً للاجتهاد, ذلك أن قضية الإيمان بالله أمر فطري، والمعرفة أمر بسيط فطري خلقه الله في الكائنات, ]أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[[5], ]وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ[[6].
فإذاً الإيمان فطري، والعبد ليس له دخل في صنع المعرفة حتى يقال إنه قلد أو أنه اجتهد, ولو قلنا بالاجتهاد لكان ينبغي أن يحكم على عامة المسلمين بالهلاك, لماذا؟, لأن غالبية الناس حتى العلماء في معظمهم لا يتمكنون من الإتيان بالدليل الحقيقي على وجود الله سبحانه وتعالى, ومجرد أن يذهب المكلف إلى العالم ليعطيه الدليل على وجود الله لا يجعله قد آمن بالله عن دليل, لأن التقليد في الدليل هو تماماً كالتقليد في نتيجة الدليل, فإذا كنتم تقولون بعدم صحة التقليد والاتباع في نفس الإيمان فينبغي أيضاً أن تقولوا بعدم صحة التقليد والاتباع في نفس الدليل, لأن الإنسان الذي يقلد العالم في دليله هو كالذي قلده في نتيجة دليله, ما هو الفرق؟
فإذن لو قلنا بوجوب الاجتهاد وبوجوب الدليل في الإيمان لكان ينبغي أن نحكم بخروج غالبية هؤلاء المؤمنين من ربقة الإيمان؛ لأنهم لا يتمكنون أن يأتوا بالدليل الذي يسد جميع الشبه وجميع ما يثارحول الإيمان بالله, والقضية بالإضافة إلى ذلك لا تحتاج إلى اجتهاد ولا تحتاج إلى تقليد وإنما تحتاج إلى تنبيه باعتبار أنها أمر فطري مركوز في أصل الخلقة.
فإذن في هذه الحالة أو في هذه النظرية التي جاءت بها مدرسة الحديث وفّقت بين الطرفين وأزالت الخصام والتشاجر من بين الفريقين المتشاجرين وهو أن اتباع الأب مجرد تنبيه للفطرة، واتباع العلم في الدليل مجرد تنبيه للفطرة، والنظر والاستدلال من القادر عليه أيضاً مجرد تنبيه للفطرة, لأن العلم كما هو مقسم عند العلماء إلى قسمين, علم حصولي, وعلم حضوري, والعلم الحصولي هو الذي لا يكون موجوداً عند الإنسان, أي العلم الكسبي وهو الذي لا يكون موجودا عند الإنسان, وإنما يسعى إليه ويكسبه عن طريق الأدلة، وعن طريق البحث العلمي، وعن طريق إجراء التجارب في مقام ما يحتاج إلى تجارب، وعن مقام إجراء الاستقراء في مقام ما يحتاج إلى الاستقراء فيصل إلى نتيجة لم تكن موجودة عنده, هذا يسمى علما كسبيا, وعلم آخر هو موجود, مثال ذلك, علم النفس بأحوالها, علمي بنفسي بأنني جائع, فأنا لا أحتاج إلى كسب ونظر حتى أعرف أنني جائع, وأيضاً علمي بنفسي أنني أعرف القراءة والكتابة, أو أنني أستطيع النظر وأستطيع الإبصار، ولا أحتاج فى هذه الأمور إلى كسب ونظر, لأنها موجودة عندي, أحياناً أذهل عن حالة نفسي، فقد أكون في أشد حالات الجوع ولكنني لا ألتفت إلى نفسي بأنني جائع لأن هناك ما شغلني عن الإحساس بالجوع, ومجرد حدوث منبه بسيط يجعلني أشعر بالجوع وألتفت إلى الجوع, وكذلك القضايا التي يدركها الإنسان ويعرفها قد تغيب عن ذهنه إما للغفلة وإما للشبهة أو غير ذلك، وبمجرد أن يحصل التنبيه يعود إلى تذكر ما غاب عن ذهنه, فإذن الشيء الموجود لا يحتاج إلى كسب لأنه يكون من تحصيل الحاصل، وما دامت المعرفة بالله سبحانه وتعالى قد خلقها الله في نفس الإنسان فهو لا يحتاج إلى كسبه، ومن أجل ذلك سئل الصادق صلوات الله وسلامه عليه "أللعبد دخل في المعرفة, هل يجب على العباد أن يعرفوا الله ؟, قال : لا, لا يجب على العباد أن يعرفوا الله ولكن يجب على الله أن يعرفهم نفسه, فإذا عرفهم نفسه وجبت عليهم طاعته".
فالمعرفة إذن هي من صنع الله وليست صنع الإنسان بكسبه عن طريق التقليد والاتباع أو عن طريق النظر والاجتهاد, المعرفة بالله أو معرفة الله أمر بسيط، خلق وفطر عليه الإنسان، ولأننا لو فتحنا باب وجوب الاجتهاد لكان ينبغي أن نقول أن كل من اجتهد وبذل ما في وسعه ونظر واستدل فهذا يكون عند الله معذوراً حتى لو أوصله اجتهاده إلى الإلحاد والعياذ بالله, وبطبيعة الحال لا يلتزم بهذه النتيجة أحد, نعم الجاحظ التزم بذلك وقال – طبعاً الجاحظ من المعتزلة وهم أصل القول بذلك– التزم بذلك وقال إن المكلف متى ما نظر واستدل واجتهد فقد أدى ما عليه من قبل الله, وليس عليه أن يكون مصيباً؛ لأن الإصابة والخطأ ليسا من الأمور الإرادية, يعني أن الإنسان لا يصيب بإرادته، ولا يخطئ بإرادته، وإلا فما من إنسان يريد أن يخطيء, وإنما يكون الإصابة بتوفيق من الله و الخطأ بعدم تحصيله على التوفيق, فعندئذ يكون مأجوراً من الله سواء أصاب أو أخطأ. طبعاً لا يمكن لأي شيعي أن يلتزم بهذه النتيجة ويقول إن الإنسان إذا نظر واجتهد وألقاه اجتهاده إلى عدم وجود الله يكون يوم القيامة معذوراً، ومن أهل الجنة.
فإذن ما ذهب إليه أهل الحديث من أن هذه القضية لا تحتاج إلى الاستدلال العقلي وذلك لأنها من الأمور الفطرية حلّت مشاكل كثيرة سواء بين الفريقين المتنازعين من المتكلمين من الشيعة أو بالنسبة إلى سائر الناس، فكل من شهد ألا إله إلا الله اعتبر موحداً, فإذا شهد بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله اعتبر مسلماً، وبذلك يحل هذه الإشكال، ولم يعد هناك مبرر لأن يقال إنه يجب النظر، أو أن يقع الخلاف في أول ما يجب على المكلف هل هو النظر أو مقدمات النظر أو غير ذلك, فهذه كلها مسائل كانت تثير الجدل وكانت تثير النقاش قد أريح واستراح منها الباحث العلمي بسبب هذه النظرية.
أيضاً هذه المدرسة كما قلنا تذهب إلى أن العقل له دخل في أصول العقائد كالاستدلال مثلاً على صفات الله سبحانه وتعالى, لابد أن يكون للعقل دخل فيها وغيرها كذلك، كالنظر في معاجز الأنبياء؛ فهنا أيضاً لابد من دخول للعقل فيها، ولكن بالنسبة إلى فروع الدين كالاستدلال على الأحكام الشرعية الفرعية قالوا إن العقل لا مسرح له فيها, ولكن ما هو هذا العقل؟
من الغريب أنني لقيت أشخاصا يعتقدون بأن المحدثين يقولون إن الفقيه يجب أن يكون بلا عقل حتى يصح أن يكون فقيها, ليس ذلك كذلك, على أي حال المحدثون يقولون إن العقل لا مسرح له في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية, وعمدة دليل العقل تقوم على شيئين أو أن العقل بحد ذاته يقسمه الفلاسفة إلى قسمين, عقل نظري, وعقل عملي, والعقل النظري مثل إدراكنا أن الاثنين أكثر من الواحد أو أن الواحد نصف الاثنين، وأن الأربعة زوج تنقسم على اثنين، وأن الكل أكبر من الجزء، و أن النقيضين لا يجتمعان وأن الضدين لا يجتمعان إلى غير ذلك من هذه الحدود، فهذه تسمى بالعقل النظري. والعقل العملي ينحصر في القضايا الخلقية, هذه القواعد تسمى التهذيبات والصلاحية, وطبعا إذا أردنا أن نستدل عليها فيما لو قيل ما هو دليلكم على ذلك, نقول إنها حسنة وهذا هو معنى الحسن.
طبعاً عمدة الدليل العقلي في الحقيقة خاصة عند الشيعة إنما يعتمد على الحسن والقبح العقليين, وإلا فباب الاستدلال في الدليل النظري للعقل النظري على الأحكام نادر وقليل جداً ولا يِلتفت إليه, وإنما النزاع الذي وقع وأثير بين مدرسة المحدثين وبين مدرسة المجتهدين هو الاعتماد على الدليل العقلي العملي؛ أي باب الحسن والقبح العقليين, ولا إشكال في أن الأشياء في حد ذاتها تكون فيها حسن وقبح, ولا إشكال أن العقل قد يدرك بعض وجوه الحسن وبعض وجوه القبح في بعض الأشياء، فكل إنسان مسلماً كان أو كافراً, صغيراً أو كبيراً, متعلماً أو جاهلاً, لو سألته ما رأيك في العدل لقال حسن, ولو سألته ما رأيك في الظلم لقال قبيح, لا يشكك أحد من بني البشر في حسن العدل ولا يشكك أحد من البشر في قبح الظلم، بالإضافة إلى أمور أخرى قد يدرك العقل حسنها ويدرك قبحها, هذا الإدراك لو فرضنا أن العقل أدرك الحسن أو أدرك القبح في موضوع من الموضوعات, وفرضنا أن هذا الموضوع لم يرد فيه نص من قرآن ولا من سنة, فهل يصح العمل بهذا الإدراك العقلي واعتباره حجة؟ وأنه حكم الله في الواقعة؟ فالخلاف في التلازم بين إدراك العقل وبين حكم الشرع, فالمجتهدون ذهبوا إلى وجود التلازم بين إدراك العقل وحكم الشرع, والمحدثون ذهبوا إلى عدم التلازم بين إدراك العقل وحكم الشرع.
طبعاً المجتهدون يقولون إن الله هو سيد العقلاء، فإذا حكم العقلاء بحسن شيء فلابد أن يحكم سيدهم بما حكموا به, لأنه سيد العقلاء, والمحدثون يقولون إنه لا يلزم أن تكون المصلحة الواقعية على طبق إدراك العقل حتى يلزم أن يحكم به الله سبحانه وتعالى وإن كان هو سيد العقلاء, وإن كان هو واهب العقل, بالإضافة إلى ذلك فإن العقل لا يدرك الموضوع الخارجي, ولا يدرك إلا المفهوم الكلي, فلا يوجد مفهوم أوضح في الحسن من مفهوم العدل, ولا يوجد مفهوم أوضح في القبح لدى العقل من مفهوم الظلم, ولكن لو وزعت على الحاضرين أوراقاً وطلبتَ من كل شخصٍ أن يعرف الظلم وأن يعرف العدل لوجدت تعريفات بعدد الحاضرين, ولو وزعت أوراقاً بعدد سكان الكرة الأرضية من رجال ونساء وصغار وكبار و جمعتها لوجدت تعريفات قلّ ما تشترك مع بعضها البعض, وهذا يكشف عن أن العقل إنما يدرك الحسن والقبح في بعض المفهومات وليس في كل المفهومات, وأنه يدرك هذا الحسن والقبح في المفهوم لا في الموضوع, فالموضوع الخارجي لا يدرك فيه, أضرب مثلاً, لو كان في هذه القرية خباز واحد فقط, لكان جميع أهل القرية من أين يشترون الخبز؟, من ذلك الخباز, وعندئذ يكون له ربح وفير جداً, فلو جاء شخص وفتح مخبزاً ثانياً بجواره – طبعاً هذا ليس فيه تقصير لهذا الإنسان بجزء مما كان يدخل عليه – فيأتي الخباز الأول ويعطيه مفهوم الإضرار بالمؤمن, وعندئذ يكون قبيحاً, ولكن صاحب المخبز الثاني يعطيه مفهوماً آخر, يقول عكس القول الأول, هذا من باب التسهيل على المؤمنين, فلابد أن يكون حسناً, ما سبب الاختلاف هنا, لأن العقل يدرك الحسن والقبح, لكن يدركه في المفهومات الكلية العامة, لا يدركه في الجزئيات الخارجية.
ولذلك يجب أن نقول إذا أردنا أن نعمل بهذا النوع من الدليل أن القبح في المفهوم يسري إلى المصداق, طبعاً لا يمكن ذلك؛ لأن المفهوم ليس دائماً من طبيعة المصداق, الكلي ليس دائماً من طبيعة الجزئي, أحياناً يكون من طبيعته مثل انطباق لفظ الماء على الجزء منه، ولكن أحياناً لا يكون من طبيعته، ولذلك مفهوم حرف الجر لا يجر, تجر الباء, وتجر [عن], وتجر [على], أما عنوان حرف الجر فلا يجر، لماذا؟ لأنه ليس من طبيعته, أي مجرد صورة ينتزعها العقل من مقام الواقع؛ لأن العقل لا يستطيع أن يدرك الخارج, ولا يستطيع أن ينظر الموضوعات الخارجية؛ فلكي يعرف ماذا في الخارج ينتزع مفهوماً ويجعله مرآة، ومن خلال هذه المرآة ينظر إلى الخارج, طبعاً المرآة ليست من طبيعة ما في الخارج, فالفقيه عندما يزاول عمله لا يحكم على المفهومات, بل على الأحكام الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية, فالفقيه عندما يزاول عملية الاستنباط فهو إنما يحكم على أمور جزئية، وهذه الجزئية لا يتمكن العقل من اكتسابها إلا عن طريق مرآة ينظرإليها منها, فمن أجل ذلك قالوا بأنه لا يمكن التعويل على دليل العقل في الأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية.
هناك أيضاً مسائل كثيرة لا أدري إن كان يمكن أن أطرق بعضها أو أن الوقت قد أزف وقد أطلت . فنترك الموضوع للأسئلة.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
سؤال: سماحة العلامة, لماذا رفض المحدثون العقل والإجماع كدليل مقابل الكتاب والسنة؟
جواب: أعتقد أن الكلام الذي تقدم كله مصداق للإجابة على هذا السؤال, وبالإضافة إلى ذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه يقول: ]وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[[7]. وقال عز وجل: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ[[8], وقال سبحانه: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم[[9].
هذه الآيات المباركة هي الدليل الملزم على حجية أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وأفعاله وتقريراته، أي الأخذ بسنته وطاعته في ما أمر ونهى، واتباعه فيما فعل, وقال النبي صلى الله عليه وآله: "إني مخلف فيكم الثقلين, كتاب الله وعترتي أهل بيتي, وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا تتقدموهما فتمرقوا ولا تتأخروا عنهم فتزهقوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم وأنهم لن يخرجوكم من باب هدىً ولن يدخلوكم في باب ضلالة". وقال صلى الله عليه وآله: "أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق", إلى غيرها من الروايات الكثيرة المتواترة الشائعة.
وهذه الروايات التي أمر النبي صلى الله عليه وآله فيها باتباع الأئمة من أهل بيته هي دليل حجية أقوالهم وأفعالهم, فمن أين نأتي بالإجازة من الله سبحانه وتعالى للعمل بدليل العقل, بالإضافة إلى ما بينت من دليل العقل العملي.
ولكن على الرغم من كل ذلك لو سألنا من أين لنا إجازة مِنْ قِبَل الله أو من النبي (ص) بأن نعمل في دينه بأقوالنا؟ خاصة إذا نظرنا في كلمات أمير المؤمنين (ع) في ذم القضاة الذين نصبهم الخلفاء الذين من قبله حيث قال: "ترد القضية على أحدهم فيحكم فيها ثم ترد على غيره فيحكم فيها بغير ما حكم به صاحبه ثم يجتمعان إلى إمامهما الذي استقضاهما فيصوب آراءهم" إلى أن قال عليه السلام: "أوأنزل الله ديناً ناقصاً فاحتاج إلى عقولهم ليكملوه, أم هم شركاؤه فلهم أن يأمروه وعليه أن يرضى".
فإذاً لا يوجد هناك دليل من الشرع على حجية دليل العقل, وقد بينا حاله من أنه لا يتعلق ولا ينظر إلا عن طريق المرآة المنتزعة من عنده, إلا أن نقول بالجزم والقطع، وهذا باب آخر قد يطول الكلام فيه في الوقت الحاضر، ولكننا نقول إن الجزم بحد ذاته لا يشكل ديناً ولا يشكل علما, وربما جزم الإنسان بأمر ولكنه خلاف الدين، وخلاف العلم، كأهل الجاهلية الذين جزموا بصحة عبادة الأصنام، وضحوا بالغالي والنفيس والأرواح في صيانة هذا الاعتقاد، وهم لا إشكال جازمون بصحة ما هم عليه، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى سماهم ظانين وسماهم يخرصون, قال سبحانه وتعالى: ]وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ[[10], مع أنهم في الواقع جازمون وقاطعون، ومجرد الجزم والقطع لا يجعل المجزوم به والمقطوع به علماً حتى يكتسب الحجية، بل إن الله سبحانه تعالى خلق للعلم طرائق عند الإنسان, فهو خلق له العينين والشفتين واللسان وخلق له اليدين والأذنين.
فإذاً مصادر العلم هي الحواس الخمس, الشم والسمع والنظر وغير ذلك، ومنها تأتي المعلومات، وكذلك تأتي أيضاً المعلومات من الفطرة, وأما ما خرج عن الفطرة وعن الحواس الخمس فلا يستحق أن يسمى علماً إلا أن يكون قد جاء عن طريق البرهان التي تكون مقدماته قد جاءت من الطرق العلمية، ولكن عندئذ تكون حجيته ذاتية أي لا تنطبق إلا على من قام عنده البرهان, هكذا نص على ذلك ابن سينا في كتابه [الشفاء] وغيره من الفلاسفة الكبار من أن حجية البرهان ذاتية؛ بمعنى أن العلم البرهاني لا يكون حجة على غير من قام عنده البرهان، والفقيه إنما يريد حجة عامة إذا قامت تقوم عليه وعلى غيره حتى يصح تقليده فيما توصل إليه، وعندئذ لا يكون العلم البرهاني النظري حجة بالنسبة لغير من قام عنده البرهان, هذا عند الفلاسفة, وأما عند المتشرعة فإنهم يحتاجون إلى دليل شرعي يثبت حجية هذا البرهان أيضاً.
سؤال: شيخنا قد ذكرتم أنه إذا كانت هذه المباني على عدم حجية العقل والإجماع كدليل أو كمدرك, فعلى ماذا اعتمدت مدرسة المجتهدين في حجيتهما؟
طبعاً الذي ينظر فى الجزء الثاني من كتاب [أصول المظفر] - وهو أستاذنا رحمه الله وقد درست على يديه - يرى أنه يحتج على دليل العقل بالقطع، ويرى أن القطع هو حجة الحجج، ثم يستدل على حجية هذا القطع بأن حجية العلم ذاتية, وقد قلنا بأن القطع بمعنى الجزم ليس هو دائماً العلم, قد يكون القطع علماً وقد يكون القطع وهماً, سلوا بعض العجائز في هذه القرية إن كانت تؤمن بوجود [أم حمار] أو لا تؤمن, وحاولوا أن تقنعوها بأن الله لم يخلق خلقاً اسمه [أم حمار]. هذه قاطعة جازمة ولكن القطع هنا بأمر وهمي, فمجرد الجزم ومجرد القطع ليس دائماً علما. العلم هو حصول صورة الشيء عند العقل, فالصورة الحاصلة عند الشيء في الذهن تسمى علماً وأما حصول صورة شيء آخر بدعوى أنها صورة ذلك الشيء لا تجعله ذلك الشيء, فالذي لم ير الجمل في حياته أولم ير الزرافة في حياته وأراد أن يرى الزرافة وقالوا له إن الزرافة تعيش في بلاد العرب, وخرج إلى بلاد العرب فرأى جملاً فاعتقد أن هذا الحيوان هو الزرافة, لماذا؟ لأن رقبتها طويلة، وأرجلها أيضاً طويلة, وذيلها قصير، وآذانها صغيرة, فهذه صفات الزرافة قد توافرت فيها, ورجع إلى بلاده وذهب حديقة الحيوان فرأى شيئا فقالوا له إن هذه هي الزرافة, طبعاً لا يقبل ذلك, فلو فرضنا أنه أصر على أنه قد رأى الزرافة الحقيقية في بلاد العرب وأنها ليست هذه, في هذه الحالة فإن الصورة التي حملها للزرافة هل هي فعلاً صورة الزرافة؟! وهل هذا الإنسان يقال عنه أنه علم بالزرافة؟! لا يعلم بالزرافة, وهو جازم لكن جزمه ليس علماً.
فليس كل جزم هو علم حتى يصح استدلال أستاذنا بأن حجية العلم ذاتية, صحيح أن حجية العلم ذاتية، لكن حجية القطع ليست بذاتية, يقول الصادق عليه السلام كما في رواية المحاسن: "ما من قومٍ إلا وهم يجزمون بما هم عليه, إلا أنكم قد أخذتم بشيء له أصل", فإذاً يجب أن يكون القطع معتمداً على أصل شرعي, فإذا كان كذلك يكون حجة, لا لكونه حجة في حد ذاته، ولكن لأن الأصل الشرعي الذي اعتمد عليه هو حجة.
سؤال: ألا ترون أن النظرية الوسط التي تفضلتم بطرحها - الفطرة - هي من شؤون العقل حيث إن من ليس له عقل لا يدركها, وهذا ما يراه المجتهدون؟
جواب: هذا مثل ما قلت لكم, أنه لقيني شخص في الطريق وقال بأن المحدثين يشترطون أن الفقيه لا عقل له حتى يقلد. ليس العقل بمعنى الإدراك هو موضع الخلاف, وإلا فبأي شيء يدركون كتاب الله, وبأي شئ يفهمون كلام رسول الله, وبأي شيء يحللون حتى تقول أن من ليس له عقل لا يدركه؟!, طبعاً المجنون ليس بمكلف حتى يشترط الجنون بالفقيه. نحن نقول دليل العقل ولا نقول الإدراك أو العقل العادي الذي يتعامل به الناس في حياتهم وبه يفهمون وبه يتكلمون.
سؤال: إذن شيخنا هناك فرق بين الإدراك وبين العقل كدليل؟
جواب: قلنا إن الخلاف عندهم ينحصر في الأدلة العقلية التي تنتج من العقل النظري كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والرأي ومما ينتج من الدليل من العقل العملي الذي هو الحسن والقبح, وطبعاً كل هذا يدخل في الدليل الاجتهادي.
سؤال: إذن بهذا الإطار نحن نؤطر الدليل العقلي؟
جواب: المجتهدون من الشيعة لا يقولون بحجية كل معطيات الدليل العقلي, لا، حاشهم ذلك, وإنما يقولون بنوع واحد من الدليل العقلي وهو الاعتماد على نتائج العقل العملي الذي هو نتائج التحسين والتقبيح العقليين.
سؤال: سماحة العلامة, لماذا لا توجد في الآونة الأخيرة مدرسة مهيمنة تمثل الحركة الفكرية لمدرسة المحدثين كما حصل في زمن صاحب الحدائق [قده]؟
جواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ]وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس[[11]. وأعتقد بأن هذا كافٍ ولا تحتاج إلى توسعة. لابد للإنسان إذا أخذ بأسباب القوة وبأسباب الحياة أن يقوى وينتشر, وإذا أهمل أسباب القوة وأسباب الحياة يضعف ويموت. أضرب مثلاً ببلاد القطيف وسيهات من صفوى إلى سيهات فإن طلبة العلم الذين فيها من المحدثين قليلون, لماذا لا يوجد عدد كافٍ من الطلبة؟ لأن الناس لا تبذل لهم, طيب، إذا كان الناس لا يريدون أن يبذلوا لهم من جيوبهم, لماذا لا يدفعون لهم من الحق الشرعي؟! أليس الحق الشرعي موضوع في الأولوية لطلبة العلم؟! فإذا صار قطر كبير مثل هذا القطر بهذه المثابة, فالعلم ينقرض بموت حامليه، ولا ينتشر، وإنما عماد الأمر وعماد حياة الأمم على المال والعلم.
بالمال والعلم يبني الناس أمرهم ماقام أمرٌ على جهلٍ وإقلالِ
وبطبيعة الحال كما ذكرت, بالإضافة إلى تلك الآية وأن هناك سنة كونية وتداول الأمر بين الناس كذلك الأخذ بأسباب الحياة غير الأخذ بأسباب الموت.
سؤال: شيخنا الحجة, مسألة تقليد الميت من المسائل التي أخذت جانباً مهماً في الساحة العلمية, هل أن المحدثين هم الذين تفردوا بجواز تقليد الميت؟
جواب: أولاً ما هو التقليد؟, التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم, وهذا بناء عقلائي لم يخترعه الإسلام بل كان الناس من أقدم الأزمان, الجاهل منهم بالشيء يرجع إلى العالم به, ولكن هذا البناء العقلائي لا يميز بين عالم وعالم في أي صفة من الصفات, فمثلاً الناس لا يهمهم أن يكون المهندس ممن يضرب بالطنبور أو ممن يصلي في المحراب, المهم أن يأتي ويعمل لهم الخارطة التي يريدون, وكذلك سائر المهن الأخرى. الشرع المقدس بالنسبة للعلماء الذين ينبغي الرجوع إليهم لأخذ أحكامه اشترط فيهم شروطاً وصفات معينة، ولم يجز الرجوع إلى كل عالم, وهذه الشروط طبعاً معروفة؛ وهي الذكورة والإيمان والبلوغ والعقل والفقه. وفي مرسلة الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليه حين قال: "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، ولا يكون ذلك إلا لبعض فقهاء الخاصة وأما من ارتكب مراكب العامة فلا ولا كرامة", فهذا الحديث الشريف بيّن الشروط التي تجب في الفقيه الذي يُرجع إليه في أخذ الأحكام الشرعية, وأن من يرتكب مراكب العامة فلا يجوز الرجوع إليه.
فلو عرفنا مثلاً أن فقيهاً من الفقهاء قامت عنده حجية القياس أو الاستحسان أو غيرها من هذه المراكب التي يرتكبها العامة, فعندئذ لا يصح الرجوع إليه, فهذا الحديث الشريف الذي حدد الشروط التي يجب أن تكون في المرجع أو في الفقيه كالإيمان والعدالة و لم يذكر من ضمنها الحياة مطلقاً. ولذلك فإن بعض الفقهاء وليس فقط المحدثين وإنما هناك أيضاً من الأصوليين من ذهب إلى جواز تقليد الميت، ومنهم من ذهب إلى وجوب تقليد الحي, ولكن المحدثين بقضهم وقضيضهم إلا من شذ وندر منهم كلهم على القول بجواز تقليد الميت ابتدائاً واستدامة.
ولهم على ذلك أدلة, ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله: "يموت المرء إلا من ثلاث, صدقة جارية له في حياته فهي تجري له بعد وفاته, وولد بار يستغفر له, وكتاب علم ينتفع به" - وفي رواية أخرى, وكتاب علم يعمل به -.
وأيضاً قوله صلى الله عليه وآله: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة, ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة", فإذا كان تقليد الميت لا يجوز فكيف له أن يتحمل الوزر, فلو فرضنا أن أحداً قلده بعد موته بمئتي سنة وأراد الله أن يعطيه ثواب ما عمل فلا بأس, ولكن لو أن أحداً قد قلده في البدعة التي ابتدعها بعد مئتي سنة أو بعد ألف سنة هل يحمله وزر عمل من قلده, كيف يكون كذلك؟, وبذلك يستطيع هذا أن يحتج في يوم القيامة ويقول لله بأنك نفسك قد منعت تقليد الميت وهذا قلدني بعد أن مت, فكيف لي أن أتحمل نتيجة اتباعه ونتيجة عمله؟!!
وأيضاً قول الصادق صلوات الله وسلامه عليه: "يقال للفقيه يوم القيامة قم حتى تشفع فيمن أخذ منك وتعلم منك, فيقوم ويشفع في فئام وفئام وفئام - أوصلهم الإمام عليه السلام إلى عشرة, ثم قال - وهم الذين أخذوا منه, والذين أخذوا ممن أخذ منه".
وأيضاً عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه: "من علم شيئاً كان له أجر من عمل به إلى يوم القيامة قال السائل: وإن مات؟ قال عليه السلام: وإن مات جرى له مثل ذلك".
نعم. المحدثون عندما ذهبوا إلى القول بذلك لأنهم أيضاً يقولون إن الفقيه إذا كان يعمل بكتاب الله سبحانه وبسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وبأقوال الأئمة عليهم السلام, تكون الفتوى التي يفتي بها عبارة عن رواية بالمعنى, ولا يوجد عالم يقول إن الرواية تموت بموت راويها, وإلا لو كانت الرواية تموت بموت راويها لكانت كتب الروايات كلها قد بطلت.
ولذلك يقول أستاذنا السيد محمد تقي الحكيم [فرج الله عنه وأنجاه] في كتابه [الفقه المقارن] عند بحث أصول الفقه المقارن عند باب وجوب تقليد الحي, قال: إن هذا النزاع ينحصر بين الأصوليين من الشيعة وأتباع المذاهب الأربعة من السنة، ولا يصح أن يشمل المحدثين من الشيعة لأن المحدثين من الشيعة إنما يعملون بالكتاب والسنة فتكون الفتوى رواية بالمعنى، ولا يقول أحد إن الرواية تموت وتسقط بموت راويها, فهناك فرق كبير بين الفتوى المعتمدة على الرواية وبين الفتوى التي تكون رأياً؛ ولذلك لا يجوّز المحدث مثلاً أن تقول هذا رأي الشيخ حسين, فلو سمعك الشيخ حسين تقول ذلك لم يقبل منك ذلك, لأن الشيخ حسين ليس له رأي، وهذا بخلاف الفقيه المجتهد الذي يقول هذا رأيي؛ لأنه نتيجة جهد عقلي وجهد بشري. فالمحدث يقول إن هذا مجرد ما فهمته من الكتاب والسنة وليس لي رأي في الموضوع, وهذا هو الفرق بين الرواية وبين الرأي.
سؤال: شيخنا الحجة, كيف يمكننا التوفيق بين الرجوع إلى الفقيه الميت وبين متطلبات الحياة المعاصرة, بمعنى أنه كيف لنا أن نتعامل مع المسائل المستحدثة؟
جواب: معظم ما يسمى بالمسائل المستحدثة ليست مستحدثة, نعم موضوعاتها مستجدة لكنها ليست مستحدثة. فعندما يريد الفقيه أن يتكلم عن الصلاة في المحطة الفضائية مثلاً أو الطائرة فهو إنما يطبق عليها قواعد الصلاة في السفينة، وهي فعلاً سفينة لكن موضوعها قد تغير. كانت السفينة بشراع وتمشي في البحر وصارت السفينة ببنزين وتمشي في الجو, وطبعاً فإن حكم الصلاة في السفينة موجود. بعض العلماء يقولون - وأنا لم أراه - أن شخصاً ألف كتاباً ومن ضمن ما كتبه فيه أنه يجوز الاستنجاء بأباريق النايلون, والإبريق هو إبريق سواء أكان نايلون أو صفر أو ألمنيوم, ولا أعلم صحة هذه الحادثة - فمعظم المسائل التي تسمى بالمسائل المستحدثة ليست مسائل مستحدثة, حتى المسائل المالية والاقتصادية مثل التعامل مع المصارف والبنوك أو تشييد المصارف وتشييد البنوك.
أضرب لكم مثلاً ببنك البحرين الإسلامي, فقد حاولنا أن نجد نظريةً فقهيةً تفتح لنا باباً لنشيد بنكاً على الطريقة الإسلامية، ويستطيع هذا البنك أن يقوم بجميع الأعمال المصرفية العصرية، ولم نجده عند الأخوان من المذاهب الأربعة؛ ولذلك فإن البنوك السعودية فيها جهات ناقصة ولا تقوم بجميع الأعمال المصرفية كبنك الرياض الذي لا يوجد عنده قسم الصرافة أو الكمبيالة وغير ذلك من الأقسام الأخرى التي تقوم بها البنوك, كل ما هناك هو بنك تجاري. وفي موضوع الحوالة حاولنا عند فتح المشروع أن نجد مخرجاً عند فقهاء الشيعة لكي نقيم عليها نظام هذا البنك وأن نطبق عليها مثل القواعد, فلم نتمكن, وأين وجدنا هذه القواعد؟ عند الميتين.
ارجعوا إلى الرسائل العملية في باب المضاربة تجدون أن المضاربة والمزارعة والمساقاة يجب أن تكون بين اثنين، ولا يجوز أن تكون بين أكثر من شخصين, ويوجد هنا طلاب للعلم وهم يعرفون ذلك, وبطبيعة الحال فإن نظام البنوك يقوم على المضاربة، فإذا كانت المضاربة تقوم بين اثنين فكيف نستطيع أن نفتح بنكاً؟! الناس ستأتي بأموالها فعنئذ يجب على البنك ان يفتح نوافذ بعدد المشروعات، هذه نافذة المشروع الفلاني وهذه للمشروع الفلاني وهكذا وكل شخص يأتي ويتوجه ليضع أمواله في نافذة المشروع الذي يعتقد بنجاحه وبربحه ويترك نافذة المشروع الذي لن يربح بحسب نظره. أولاً نجد أن بعض المشروعات لن تحصل على أي فلس فيفشل فيها البنك, وبعض المشروعات تزيد فيها الأموال التي لا يحتاج إليها كلها ويتورط البنك في كيفية العمل في هذا المشروع، وبعد ذلك وإذا بالمشروع الذي وضع جميع الناس أموالهم فيه يخسر, فمن أين للبنك أن يعطي أرباحاً للمودعين الذين شاركوا في هذا المشروع؟! ولو فرضنا أن أموال الناس قد وزعت على عدة نوافذ وعلى عدة مشاريع وهذا المشروع قد ربح وذاك الآخر قد خسر، وأتى البنك وأخرج نشرته السنوية ذاكراً أن فلاناً له كذا في المئة من أمواله ربحاً وفلاناً آخر عليه أن يدفع كذا خسارة, فهل يمكن أن يستقيم مشروع بهذه الطريقة؟ لا يمكن. حسناً, هل يعمل بنك ويسمى بنكاً إسلامياً بدون أي سند شرعي؟ لا يمكن.
وجدنا في آخر الأمر أن صاحب الحدائق رضوان الله عليه يقول: "يجوز أن تكون المساقاة ويجوز أن تكون المزارعة ويجوز أن تكون المضاربة بين أكثر من شخصين", فهذه لما وجدناها قدرنا أن نبني فقه قانون البنك البحريني الإسلامي على أساسها, ولما عمل القانون وكانت بعض الدول مشاركة فيه كالسعودية والكويت ودول سنية أخرى، وهم بالتأكيد يريدون أن يجدوا مخرجا لدخولهم في هذا البنك, فأرسلوا بخبير كان يدرس الاقتصاد في جامعة محمد بن سعود أو في جدة اسمه [محمد عبده] وكان مسيحياً وقد أسلم, وجاء هذا الرجل إلى البحرين ولكنه لم يفهم الفقه الذي بني عليه هذا القانون, فقال: كيف تكون هذه الطريقة, فقلنا له: لايمكن فتح بنك إلا بهذه الطريقة, فقال: إننا فتحنا بنكاً في السعودية! قلت له: إنكم لا تستطيعون أن تقوموا بجميع الأعمال البنكية, وهناك أعمال بنكية كثيرة لا تزاولونها لحد الآن لعدم وجود سند عندكم تعتمدون عليه, على أي حال بعد ذلك رضخوا ولم يسحبوا أموالهم لأننا قلنا لهم بأنهم إذا كانوا لا يرغبون بالاشتراك فبإمكانهم أن يسحبوا الأسهم التي اشتروها, ولكنهم بعد ذلك قالوا إنه إذا كان هناك مذهب إسلامي يجوّز ذلك فلا بأس.
المهم هو أن الحل إنما وجدناه في كتب الأموات, فإذاً ليس كل ما يسمى بالمسائل المستحدثة هي مسائل مستحدثة، ولكن لو وجدنا أو فرضنا أنه وجدت مسألة لم يذكرها المتقدمون فهذا لا يقتضي أن الإنسان عندها يبطل تقليد المتقدمين, يعني لو فرضنا بأن الفقيه حي ولم يفتِ في هذه المسألة - وتوقف - ألا يقلدون غيره في هذه المسألة؟ أم يعدلون عنه تماماً؟! طبعاً لا أحد يقول بذلك لأن هذا الفقيه قد توقف في هذه المسألة أو قال إن الأحوط وجوباً في هذه المسألة فأنا لا أعدل عنه في هذه المسألة أو أقلد غيره وأعدل عنه تماماً, لا أحد يقول بذلك. فإذا كان لا يقال للحي الذي توقف في المسألة أو لم يذكر المسألة أصلاً في كتابه أنه يجوز العدول عنه في جميع المسائل لماذا يقال بالنسبة للميت الذي لم يذكر المسألة في كتابه أنه يجوز العدول عنه بالكلية!, لا, كما أنه في حالة أن الفقيه الحي الذي لم يذكر المسألة في كتابه يُقْلد غيره من الفقهاء الذين ذكروا المسألة في كتبهم كذلك الميت لو لم يذكر المسألة في كتابه يجوز تقليد غيره ممن ذكر المسألة في كتابه سواء أكان ذلك الذي ذكر المسألة حياً أو ميتاً, وعندئذ فالمسائل المستحدثة لا تتنافى مع تقليد الميت.
وأنا لدي سؤال إلى الدعاة الذين يروجون للمسائل المستحدثة, أقول: إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتاباً وبعث رسولاً, وقال سبحانه وتعالى في كتابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ[[12]. وهذه الآية بينت أو دلت على أن هناك قسماً من الأمور أو المسائل أو الموضوعات لم يبّينها الله لعباده وهو لا يريد أن يبينها لهم حتى لا يتكلفوها، والنبي صلى الله عليه وآله أيضاً يقول: "إن الله أمر بأشياء فاتبعوها ونهى عن أشياء فذروها وسكت عن أشياء فلا تتكلفوها".
أقول للذين ينادون ويصرخون بالمسائل المستحدثة, هل هذه المسائل موجودة في الكتاب والسنة أو غير موجودة؟ فإن كانت موجودةً في الكتاب والسنة فلابد أن الفقهاء من أيام...........[13]
سؤال: سماحة الشيخ, الرجاء ذكر أسماء المجتهدين من الأصولين الذين أجازوا تقليد الميت. وادعى البعض من أن هناك فتوى للشيخ حسين تنص على عدم جواز تقليد الميت, فما هو قولكم؟
جواب: طبعاً الأصوليون الذين أجازوا تقليد الميت كثيرون, منهم صاحب القوانين رحمه الله, ومن الموجودين الشيخ محمد علي الأراكي والسيد علي الخامنئي وغيرهم كثير أيضاً من الموجودين الذين يقولون بجواز تقليد الميت. وأما الشيخ حسين فما وجدنا له في كتبه ما يمنع من تقليد الميت بالطريقة التي نقلها عنه المرحوم الشيخ فرج بن العمران في أحد كتبه والشيخ حسين القديحي في منظومته, ولكن في شرح كتاب السداد لحفيد الشيخ حسين رحمه الله وهو الشيخ عبد علي بن الشيخ خلف بن الشيخ حسين وجدت عبارة استوقفتني, وفي هذه العبارة يقول: "ونحن نحمد الله الذي لم يمت شيخنا إلا وهو على القول بجواز تقليد الميت".
وطبعاً من هذه العبارة يفهم أن الشيخ حسين رحمه الله كانت له فتوى سابقة بعدم جواز تقليد الميت ثم عدل عنها, يعني يفهم من هذه العبارة، وإلا فتوى صريحة في عدم جواز تقليد الميت كما نقل عنه, لم أجد, وكذلك في شرح المفاتيح هناك عبارة وربما تكون هذه العبارة هي التي اعتمدها الشيخان المرحومان [الشيخ حسين بن الشيخ علي القديحي رحمه الله والشيخ فرج رحمه الله] وهذه العبارة في شرح المفاتيح تقول: "وقد عادت الشيعة في زمن الغيبة بعد علمائها بالخيبة إذ لم يبق لهم إلا الأموات من إحدى الفئتين الذين لا يجوز تقليدهم مع وجود الفقيه الجامع في البيت"، ففهم منها الشيخ فرج بأنه لم يبق من العلماء إلا أما أصولي حي أو إخباري ميت، وهذان مع وجود الفقيه الأخباري الحي لا يجوز تقليدهم, هكذا هو فهم.
على أي حال فإني حسب تتبعي القاصر وجهدي القليل لم أقف على عبارة صريحة في عدم جواز تقليد الميت للشيخ حسين في نفس كتبه, وربما إذا كان هناك من الأعلام أو بعض العلماء قد وقف فعليه أن يتفضل علينا ويخبرنا عن أي كتاب هي فيه حتى نرجع إليها ولا نبقى على جهل بكل أقوال هذا الشيخ الكبير.
سؤال: شيخنا الحجة, تعرضت بعض الأقلام في الآونة الأخيرة إلى مدرسة المحدثين, فما هو موقف العلماء منها؟
جواب: طبعاً هذه الأقلام التي تعرضت لم تنتقد المحدّثين انتقاداً علمياً حتى يكون للعلماء رأي منها, لأن العالم إنما يهتم وإنما يبحث عن النقد العلمي وينظر فيه إن كان صحيحاً فيتبناه أو كان خطأً فيرد عليه. هذه الأقلام التي تعرضت للمحدّثين في الآونة الأخيرة هي مجرد شتم وسباب كتعرض الوهابيين للشيعة, وبطبيعة الحال فإنه ليست من شيمة العلماء متابعة الشتامين ومجاراتهم في الشتم واللعن, ويقول الشاعر:
لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخـر مثقالاً بدينـار
وحسب هؤلاء أن التاريخ سيسجل عليهم أنهم لا يفقهون شيئاً ولا يعلمون.
سؤال: سائل يسأل بأن هناك فتاوى لبعض المراجع على عدم جواز تقليد الميت, فهل هذه الفتوى تخص من يقلد من يقول بجواز تقليد الميت ابتداءً؟
جواب: هذا رأيه هو, وحتى الذين يقلدونه لو مات يكونون أحراراً ولهم أن يقلدوا من يشاؤون غيره حياً أو ميتا.
سؤال: لماذا لا يوجد كتاب فتاوى لمقلدي الشيخ حسين بديلاً عن السداد لصعوبة عبارته؟
جواب: هذا يرجع للعلماء الذين يقلدون الشيخ حسين رحمه الله, فعليهم هم أن يلخصوا فتاواه ويخرجوها في قالب مبسط تكون سهلة على الناس.
سؤال: شيخنا بالنسبة للتبعيض, الإخوة يريدون أن يتعرفوا على هذه المسألة الفقهية, بمعنى أنه لو لم يكن هناك حكم عند الفقيه فهل يجوز الرجوع لغيره؟
جواب: قلنا في ذلك نعم, إنه في حالة أن الفقيه لم يفتِ في المسألة يجوز أخذ تلك الفتوى من غيره بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون مساويا له أو هو أعلم منه.
الشرط الثاني: أن يكون على نفس طريقته ومشربه.
سؤال: إذا كان المسلك الأخباري هو المسلك الصحيح, فلماذا نرى الأمة الشيعية بأكملها من علماء وعوام لم يتبعوا هذه المدرسة؟
جواب: لو سألك السني وقال لك إذا كان مذهب الشيعة هو المذهب الصحيح, فلماذا نجد الأمة ومنذ 1400 سنة بغالبيتها لم تأخذ به وفيهم المراجع والفلاسفة والمتكلمين, ما تجيب به السني هو جوابنا.
سؤال: هل هناك مرجعية معاصرة لمدرسة المحدثين؟
جواب: موجودة نعم, فهناك الشيخ محمد أمين زين الدين أيده الله يرجع إليه الكثير في البحرين وغيرها, بل في الآونة الأخيرة غالب العراق رجعت إليه ومن مختلف الشعب.
سؤال: شيخنا الحجة, هناك مقولة للسيد الصدر في كتاب (الفتاوى الواضحة) يقول: (أنا أعتمد الكتاب والسنة كدليل، وكذلك أعتمد العقل والإجماع كدليل وإلى الآن لم أجد مسألة أحتاج فيها إلى غير الكتاب والسنة أو مسألة لم يتعرض لها أهل البيت في فقههم). هل يكون ذلك رأيه النظري وهو غير رأيه العملي؟
جواب: الحمد لله, أولاً أن هذا الاعتراف اعتراف طيب في أن الشيعي لا يحتاج إلى غير الكتاب والسنة من أدلة, وثانياً نقول إذا كان الكتاب والسنة كافيان وافيان فما الداعي للأخذ بالعقل النظري, هل هو من باب الزائدة الدودية في أصول الفقه؟! والشيء الثالث هو إذا كان السيد رحمه الله قد اعتمد في كل المسائل على الكتاب والسنة ولم يأخذ بدليل العقل فكيف يرد على الروايات التي ذكرناها في جواز تقليد الميت مع أنه يقول بعدم جواز تقليد الميت؟!!
سؤال: شيخنا, لكم أطروحة في النجف الأشرف منذ عشرين عاما تقريباً هو كتاب الاجتهاد والتقليد, فما أهمية هذا الكتاب وعلى ماذا يحتوي؟
جواب: هذا الكتاب في الحقيقة كتبته في بداية التحصيل العلمي ولم يكن في ذلك الوقت عمري يزيد على 22 سنة, وكتبته بصورة سريعة مستعجلة، وفي مدة لا تزيد على الخمسة عشر يوماً, وكان ربما يكون رد فعل أكثر منه بحثاً علمياً، بل صرحت في مقدمته بأنني لا أخوض هذه المسألة من أجل البحث فيها وإنما أنا سبقاً وسلفاً ملتزم بأمر ما، وكل هدفي منه هو أن أدافع عما التزم به وأهدم ما يلتزم به غيري. وطبعاً كان يدور هذا الكتاب حول كلمتي الاجتهاد والتقليد.
الشيخ علي المعلم: عوداً على بدء, طلب بعض الأخوة تعريفا لسماحة الشيخ.
قلنا إن الشيخ من طليعة ومن أبرز تلامذة المرجعين الراحلين الكبيرين السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي, وكذلك من أقرانه في الدراسة في هذه المنطقة هم الشيخ الفضلي وسماحة السيد علي الناصر, ومن أقرانه في الدراسة من الخارج هم السيد عز الدين بحر العلوم وكذلك السيد حسين بحر العلوم وكذلك الشيخ الآصفي وغيرهم من الأعلام والمفكرين.
هناك أسئلة كثيرة ولكن ضاق المجال عن ذكرها, ونشكر سماحة الشيخ على تفضله وعلى حضوره وعلى تحمله أعباء السفر والمجيء إلى هنا لخدمة المؤمنين، وللإجابة عن هذه الأسئلة المحيرة التي لا يزال البعض في حيرة من أمرهم, وكما أوضحنا لكم فإن شيخنا هو رائد الطليعة المؤمنة في البحرين ومن أبرز العلماء والمفكرين الذين يتبعون فكر صاحب الحدائق والشيخ حسين, ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بوجوده مع طيلة عمره.
والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
سماحة الشيخ: نشكر الجميع كثيراً على ما صبروا عليه من استماع, وأشكر فضيلة الشيخ علي المعلم على ما قام به من لم الشمل والاجتماع بكم, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً للعمل على رضاه والفوز بقربه، والحشر جميعاً مع زمرة محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
* محاضرة في 3 ذو القعدة 1414هـ المصادف 13 / 4 / 1994م بالقطيف
[1] التوبة:122
[2] الزخرف:23
[3] البقرة:170
[4] الزخرف: من الآية23
[5] ابراهيم: من الآية10
[6] العنكبوت:61
[7] الحشر: من الآية7
[8] النساء: من الآية64
[9] الأحزاب: من الآية36
[10] الجاثـية:24
[11] آل عمران: من الآية140
[12] المائدة: من الآية101
[13] فراغ في الشريط والسياق يقتضي أن التكملة على النحو التالي: فلا بد أن الفقهاء من أيام الأئمة ناقشوها وتعرضوا لها وإذا لم تكن موجودة في الكتاب والسنة فإنها مما سكت الله عنه وأمرنا بالسكوت عنه.
