طباعة هذه الصفحة

أمام الشيخ سليمان تصغر كل الكلمات

بقلم: محمد تقي نايم

لا أعرف كيف يسمح لي قلمي هذا بالكتابة أم كيف تطاوعهُ نفسي في الخوض في سيرة أعظم الرجالات التي عايشتها منذ أن بصرت الحياة. . نعم لا أبالغ حين أصف مولانا الجليل سماحة العلامة الشيخ سليمان المدني بأنه أعظم الرجال ولا يوجد أي مبرر عاطفي يجعلني أن استخدم هذا التعبير الا الانصياع لنواميس الحقيقة والضمير. أن كل من عرف راحلنا الكبير وأصغى إليه بعقله قبل قلبه سيجد أنه إمام عملاُق تهتز الأرضُ من أجله وتنحني الهامات لشرفه الرفيع، ونضاله وجهاده المعهود من أجل تثبيت مبدأ لا إله إلا الله محمد رسول الله، كل الأحداث التي شهدتها مع صاحب الفضيلة وتفاصيلها تحتاج إلى كتب ومجلدات كي تحتويها وتضمها، لعل هذا هو ما يلمسه ويشعره القريب من راحلنا الكبير ولا أجد صعوبة في توصيل هذا الفهم إلى من هم يحيطون به مع معرفتي أن الشيخ سليمان أكبر من ذلك الوصف بكثير. فأهل البحرين وأهل جدحفص على الخصوص هم أعلم بهذا الإنسان العظيم كنهاَ وأعلم منا جميعاً بقدره بما يحمله هذا المفكر الجليل من معاني جعلتهم في الليالي السوداء التي عاشتها البلاد يلبسون الأكفان ويهجرون المضاجع ويتركوا أهاليهم وعيالهم وأسرهم كي يضعوا أرواحهم فداءا للشيخ سليمان. لا غرو في ذلك ولا أستغراب عندما أراد الجهلة والظالمون النيل من هذا الإمام المجاهد لثنيه عن موفقه الشرعي السليم بشهادة عظماء الأمة. بات أهالي جدحفص الشرفاء جنوداً يرخصون النفس فداءَ وتضحية لشيخنا المفدى وهم يقولون إن هذا قليل في شأن هذا الإنسان الأغلى بجانب ما قدمه لهم من أمجاد وخدمات لم تقم بها أي شخصية أخرى في البلاد. لا أجد صعوبة في كتابة موضوع أذكر فيه مكارم الراحل الجليل ولا أحتاج إلى ذلك وإنما تكمن الصعوبة في بلورة فهم مواز  لدى الأبعدين عن منهج وخط الشيخ قدس سره الشريف والأبعدون كيف سيعرفون إن هذا الشيخ لا يقدم شئ على كلام الله وهمه الوحيد إرساء قواعد المبدأ الذي آمن به الرسل والأنبياء والأئمة الطاهرون، كيف لي ذلك بينما يبيت المناوؤون يرشقون طهارته كل يوم وينسبون إليه كل الافتراءات ويصفونه بأوصافهم بالطبع كل ذلك بدون دليل ولا حقيقة فيما يتشدقون. ايام عديدة مضت ليس للملفسين هم سوى استهداف شخصه النبيل كذلك يجري ويحتدم وفقيدنا يزداد قوة ويقيننا من موقفه وكلما رموه بالاكاذيب والإشاعات كلما لمع نجمه وعلا مقامه  كيف سيعرفون وهم غرقى في بحور الظلام يجرهم فلان إلى مستنقع ملوث ويجرهم فلان أخر إلىمتاهات الجهل والاضمحلال ويسمحون لسنابك الخيل العلمانيين أن تدوس على صدور دينهم وهم في غفلتهم يبتسمون لهم ويصفقون بدون وعي ولا تمحيص. ويجرهم فلان أخر بشعارات الشيوعية العمياء إلى غياهب التفاهة والبساطة. فكيف يصل صوتي المخنوق إلى مجتمع نكر الفضيلة وادعى بما ليس فيه، يجاهد الأتقياء من أمته ويحاربهم بالإشاعات. آه كيف أصل إلى الضفة الأخرى لأقول إن الشيخ سليمان مات مظلوماً أسفاً عليه... ... وهنا يتنصر الشيخ وقد راى اخيرا ان القوم قد حذو حذوه وينطقون بلسانه دون الاعتراف بفضله ودوره الكبير وخصوصا بعد ان شارك في صنع المشروع الاصلاحي الوطني بشهادة ملك البلاد المفدى رجل البحرين الاول وقائدالمسيرة المظفرة. وكان رحمه الله حريص على المجتمع وعلى رقيه وتطوره ويقابل الاساءة بالاحسان وهذه الابيات تطابق ما كان يحمله تجاه القوم:

أراهم إلى نصري بطاء وإن هم
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
ولا أحمل الحقد القديم عليهم

دعوني إلى نصرأتيتهم شدا
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

نعم لم يحمل حقدا على أحد، ويأمر من حوله بالتواصل ورعاية الحقوق واداء الواجبات والاهتمام بالوطن والعمل على رقيه فنراه يهتم بالكوادر الجامعية ويحاول توجيهها الوجهة السليمة خدمة للوطن والمواطنين ويفرحه جدا اي مشروع تنموي او اي فكرة فيها تميز، ويقف الى جانب كل من يأتيه في حاجة ولايتخلى عنه ابدا فتجده متواضعا مع كل المستويات حليما رؤوفا عطوفا تؤلمه الآم المحتاجين وتقلق منامه جراحات الأمة ان كانت في  فلسطين او في لبنان او في العراق او اي منطقة إسلامية واقعة تحت الضيم في العالم.

كيف أكتب عنك يا مولاي وأنت أرفع من كل الحروف التي نسجت فيك وكل الكلمات تصغر وكل المقالات تذعن بأنك أكبر عالم وافقه فقيه تربع على كرسي الفقاهة لثلاثين عاماً في البلاد من دون أن تشير إلى ذلك تواضعاً منك ودون أن يعرفك الآخرون جهلاً منهم وخوفاً وتمرداً على الحقيقة الساطعة.

تفاصيل كثيرة في حياة هذا العالم العظيم لا أكاد الإمساك بها إن العلم الذي لدى الشيخ يندر أن تجده عند عالم آخر بل كل هذا التجسيد الواضح للمبادئ والقيم لا تجده عند الآخرين فالصدق والشجاعة والإقدام ومصلحة الأمة تحت مظلة العقيدة أهم من أي "خفق نعال" يطارده النظراء ويسعون إليه. . رجل لا تأخذه في الله لوم لائم. رجل المواقف شديد الصلابة لايهتز أمام عواصف يصطنعها الخصوم ويثيرها الاطفال.

كم تضايق من معانات المجتمع بشبانه وعاش معهم يفكر في الحلول والمخارج ليخرجهم من خلف أسوار المعتقلات والزنازين المظلمة ليعيد بسمة الأمهات بلقاء أبنائهن من جديد ويحفظ كرامة الأمة من الضياع.

القريبون من هذا الإنسان يعلمون كيف يعيش الأحداث ويعلم كل العلم بعلمه بها قبل وقوعها وبعد وقوعها (من دون غلو) ناهيك إنه يعلم ميعاد رحيله بكل تأكيد وذلك بوضوح يعلنه للآخرين عندما يلجأون إليه في الأمور العليا ولي شخصياً معه موقف  لمسته قبل سفره الأخير ذلك عندما يحيل الأمور ويرجعها إلى سماحة العلامة الدكتور (أبو طالب) حفظه الله ورعاه وقد استغربت من ذلك كأنه يريد القول أن هذا هو قائدكم بعدي. هاهي قد اتضحت الامور فنعم القائد السلف ونعم القائد الخلف.

وكانت تجمعني لقاءات كثيرة مع الراحل العزيز كلها كانت مفعمة بالعظمة والوقار والهيبة واللقاء الأخير مع راحلنا الجليل في مكتبته الخاصة لا أنساه ما بقيت كان يحمل كل المشاعر الأبوية الحنونة الرحيمة لي وللشباب الواعي الذين يعشقونه بسبب عشقه للخير حد الثمالة في كل لقاء كاشفاً مدى توسمه الكبير فينا شعوراً أعتقد إنني أعجز عن تقديمة إلى القارىء العزيز.. ولا أعتقد أن هذه السطور القليلة ستكشف ملامح شخصية الشيخ سليمان رحمه الله وإنما كل ذلك قطرة من محيط فهناك إضاءات كثيرة له لا يسعنا المقام لتغطيتها على الصعيد الاجتماعي والسياسي والعلمي والاقتصادي والفقهي.

ونترك المجال لمشاهد الحزن العميق والوجوم والذهول الذي تركه رحيل سماحته فقد فجعنا بهذا المصاب الكبير لم يبقى قاص ولا دان لم يتأثر حزنا على مولانا الجليل؛ الجميع يشعربالخسارة الكبيرة للإسلام في البحرين بعد رحيل العلامة الشيخ منصور الستري وا بنه العلامة الشيخ محمد. فما نراه من مشاهد الحزن العام خير دليل على مكانة الشيخ على حب الناس المؤمنين لهذا القائد الفذ الكبير، أدعو الله العلي أن يلهمنا وأهله الصبر والسلوان على هذا المصاب العظيم لك كل الورود والمحبة والهيام موصولاً بحب الرسول وأهل بيته وحب أهل الحق ونصرتهم.

لك كل الورود العطرة على جثمانك الطاهر ولك الرياحين على قبرك المنير فعش خالداً بيننا فأنت الخالد ما خلد في ضميرنا صوت نبراتك وأنت تكافح المتمردين علىالقيم والخير والشريعة.

ولكم يا شباب ورجال التضحيات الكبيرة من أهل جدحفص المجيدة كل العزاء بمصابكم الجلل ولا تحزنوا فإن كل واحد منكم الآن هو الشيخ سليمان المدني العظيم المظلوم. فلن يموت هذا العملاق فينا مادام الجميع متمسك بحبل الدين المتين والعروة الوثقى وبالمبادىء التي غرسها الراحل الكبير وسيبقى المدرسة الكبيرة ليتخرج منها الشباب المتميز لخدمة الدين والوطن إنشاء الله تعالى جيلا بعد جيل وإنا لله وإنا إليه راجعون فيا شيخنا الجليل وداعاً وداعاً.

 

 

[1] جريدة الأيام – العدد 5136 – 25 محرم 1424هـ - 28 مارس 2003م

قراءة 753 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021