Alalama header

الوعي السياسي عند العلامة المدني

 بقلم – د. ناصر المبارك:

إن الجوانب التي تشتمل عليها شخصية شيخنا العلامة الشيخ سليمان المدني رحمه الله لا يمكن حصرها في مساحة ضيقة؛ غير أني سأتناول بعض جوانب الفكر السياسي له رحمه الله، لأهمية هذا الموضوع، ولما نواجهه كل يوم من القضايا التي نحتاج فيها إلى الاسترشاد بفكره السياسي المتميز في تحديد مواقفنا، ومعرفة واجبنا، وتحديد مسلكنا فيها.

غير أن المقام أيضًا والمساحة لا يسمحان بتناول هذا الموضوع الكبير، وبخاصة أن حياة شيخنا كما عرفه الجميع كانت مليئة بالمواقف، ومفعمة بالنشاطات التي تبين فكره ومسلكه، وتسمح بوضع تصور نظري متكامل للموضوع، بل أقول إن ما تركه من أدبيات يمكن أن تقام عليه دراسة مطولة أرجو أن تنفذ في يوم من الأيام.

فرأيت أن الأجدى أن أعرض لفكرة سياسية واحدة تمثل أهمية كبيرة في فكر الشيخ ومسلكه، وتشرح كثيرًا من مواقفه، وهي في الوقت نفسه درس سياسي واجتماعي مهم وخطير يؤثر في سلوكنا الاجتماعي والسياسي فيما أحسب. وهذه القضية هي مسألة الوعي السياسي الذي يرتكز على عدم الاندفاع في المعارك الوهمية والمصطنعة، وعدم الوقوع في فخ الاستدراج إلى تبني قضايا جانبية أو مفبركة يقصد بها شغل المسلم عن شؤونه المهمة وقضيته التي كلفه الله بها.

ويرتكز هذا الوعي على معرفة الشخص بنفسه وهويته أولاً، وتحديد دوره على هذا الأساس؛ ليعرف بعد ذلك تكليفه السياسي والاجتماعي من الناحية الدينية والأخلاقية.

وحتى لا يكون كلامنا مجرد خطاب إنشائي ودعاوى فارغة، فإننا نرتكز في بيان قصدنا على خطابات مشهورة له.

ولكونه رحمه الله عالمًا من علماء المسلمين عمومًا، ومن علماء الشيعة خصوصًا، فقد انطلق مما يفرضه ذلك من التزام، فأول شيء هو أن يعرف الإنسان أنه مسلم، وأنه من أتباع أهل البيت؛ يلتزم بما يلتزمون، ويجتنب ما يجتنبون، ويمتنع عما لا يرتضون، ولا يؤسس أمرًا لم يؤسسوه، ولا ينظُر لفكرة لا تعتمد على ما أصّلوه؛ فهو تابع لهم، لا يسعه إلا أن يقول إذا قالوا، ويسكت إذا سكتوا.

ثم يعرف واجبه الشرعي من كلامهم، وهنا أذكِّر بكلمته الخطيرة، وأقصد بذلك ما لها من خطر وقيمة وأهمية، التي ألقاها في تأبين سماحة العلامة الشيخ محمد بن الشيخ منصور الستري رحمه الله حينما بيّن دور العلماء وواجبهم في الذود عن حياض الشريعة، والدفاع عن العقيدة، وحماية الفضيلة، هذا الدور الذي رسمه القرآن في قوله تعالى: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم))، واختصرها رحمه الله في مفهوم (النذارة). وكذلك بينتها أحاديث أهل البيت عليهم السلام بنصب العلماء كافلين لأيتام آل محمد؛ الذين هم ضعفاء المؤمنين الذين يحتاجون إلى بيان الأحكام، وحمايتهم من الجهل. فالالتزام بهذا التكليف، وهذا الواجب، ارتكز عليه رحمه الله لينتقد من يتركون هذا الواجب ويتخلون عن هذا الدور ليهتموا بأمور أخرى لم يرد الحث عليها، ولا تمثل جزءًا من فكر آل محمد وتعليماتهم وعقائدهم.

وكذلك بيَّن أن واجب المؤمنين الالتزام بالحدود الدينية، والأوامر الشرعية، وعدم الانجرار إلى تبني قضايا وهمية أو مصالح تعارض الدين. فإن معرفة الإنسان بهذا الدور والتكليف، ومعرفة هوية نفسه تحميه من الانخراط في معارك وفتن لا علاقة له بها، ولا خير له فيها، فالسياسة منذ القدم تقوم مع الأسف على الخداع وصناعة الأزمات واختلاق المعارك الوهمية والجانبية، وتعتمد على توقيت المعارك للناس لينشغلوا بها عن أمورهم المهمة، ويغفلوا عما يراد لهم وبهم، فإذا عرف الإنسان نفسه جيدًا، وعرف هويته؛ عرف صديقه وعدوه، وعرف قضاياه، وعرف معاركه، وعرف المعارك التي يستدرج إلى خوضها.

إنهم يرسمون لك طريقًا زائفًا بديلاً عن الطريق الذي أراده لك الله ورسمه، ليجعلوا منك مطية لأغراضهم، وخشبة يلعبون بها على مسرحهم، ودمية يحركونها بخيوطهم الشفافة الخفية. وإن المعارك التي يستدرج إليها الإنسان كثيرة جدًّا، بل تكاد كل معاركنا أن تكون بهذه المثابة، وذلك أنه يخدع عن دينه أولاً، ثم يخدع عن منهجه وتفاصيل مسلكه ثانيًا، ثم يخدع عن نفسه وقدراته تاليًا، ويصور له أنه قادر على فعل أمور هو في الحقيقة لا يقدر عليها، ولكن انشغاله بها يحقق أغراضًا للاعبين السياسيين الذين يشعلون المعركة، ثم يطلبون منك أن تقوم بأداء دور البطولة فيها، فيندفع من يصدق وينخدع في المعركة بغير روية. ويقفون أمامك ويقولون مثلاً: ماذا فعل العلماء في هذه القضية؟!

والواعي وحده هو الذي يقف واثقًا ـ كما فعل شيخنا رحمه الله. ليسأل: "وماذا تريد من العلماء أن يفعلوا؟ هل شاورتهم؟ هل نسقت معهم؟ أنت وحدك دبرت هذا الأمر بليل ضد هذه الطائفة وهذا الشعب. ثم تأتي وتقول ماذا فعل العلماء؟". فبهذه الكلمات أعلن شيخنا موقفه الصلب والواضح والثابت مما كان يجري، ومما كان يراد له أن يندفع فيه، ويبين طموحه إلى تحييد الطائفة عن الفتن.

ويشير إلى هذا الموقف وهذه الفكرة بوضوح في محاضراته عن حياة الإمام الصادق عليه السلام، مستدلاًّ بالرواية التي تحكي محاورة عبدالله بن الحسن مع الإمام الصادق حينما جاء إليه وأخبره أن أبا مسلم الخراساني قد جاء إليه وعرض عليه البيعة وأخبره أنه قد أخذ البيعة له من أهل خراسان، فقال الإمام الصادق عليه السلام: وهل أرسلته أنت ليأخذ لك البيعة؟ فقال: لا. فحذره الإمام الصادق من مغبة الانخداع والتصديق وقبول بيعة لم يطلبها ولم تعقد له، وأخبره أن نهايتها القتل. هكذا يوضح الإمام عليه السلام الطريق لنا لئلا نسير على طريق رسمه لنا غيرنا لا نعرف أوله ولا آخره، ولكن عبدالله بن الحسن لم يقبل نصيحة الإمام، واتهمه بأنه يحسده ويحسد ولده!

إن هذه الخطة قديمة ومتكررة، ولكن الناس لا يتنبهون إليها، مع أن القرآن ضرب لها الأمثال التي من أوضحها عجل السامري حينما قال لهم: ((هذا إلهكم وإله موسى))، فعكفوا عليه ساجدين!

إن معظم القضايا التي يتداعى لها المسلمون اليوم، ويتحركون فيها، وتستنزف فيها طاقاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبشرية هي في الحقيقة قضايا مصنوعة بطريقة احترافية تجبر المسلمين على أن يتبنوها ويحاربوا في سبيلها، وكل طرف يتخلى عن موقعه ويحارب في موقع آخر كما قال رحمه الله، ومثّل بالرماة في غزوة أحد. وكل قضايانا ابتداءً بأكبر قضية يواجهها المسلمون اليوم ظاهريًّا وهي قضية فلسطين.

فقضية فلسطين وهي مسؤولية من يتولى أمر هذه الأمة ويحكمها أن يقوموا بالدفاع عنها تركت لتفريغ الشحنات الانفعالية عند الشعوب العربية في الاحتفالات والشوارع، مع علم الجميع أن هذه الأمور لا تغير في الواقع شيئًا مهما جعلت لها من أيام تسميها بها؛ يوم فلسطين، ويوم الأرض، ويوم القدس، وغير ذلك.

كما ترك الناس مسؤولياتهم المباشرة من تربية أولادهم عن إصلاح آخرتهم ودنياهم بالانشغال بإصلاح الدول، وانشغل العلماء عن تعليم الدين بترويج الديموقراطيات، بل صار المسلمون يبحثون عن معارك وهمية أخرى ليخوضوا فيها. ومن عجز أن يحكم دولة لم يعجز أن يكوّن ميليشيا يقاتل بها وينفذ الأحكام ويقيم الحدود ويقطع الرؤوس! ومن عجز عن ذلك لم يعجز عن تكوين حزب يسعى إلى السلطة وإلى السيطرة على المجتمع، ومن عجز عن ذلك لم يعجز عن الوقوف على المنصات وفي النوادي السياسية والتجمعات الاجتماعية ليظهر بطولاته الخطابية التي تحرك حماس الناس وتخبرهم أنهم قادرون على تحقيق المستحيلات متمثلاً بقول الشاعر:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة           فلا بد أن يستجيب القدر!

من غير حساب للتبعات ولا النتائج التي تترتب على كذلك.

إن السياسة اليوم وقبل اليوم تقوم على بيع الأوهام، والناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يركضون للشراء من غير تمييز. كل قضايانا مع الأسف وكل معاركنا؛ غيرنا هو الذي يوقِّتها، والأمثلة كثيرة، فهل تذكرون قضية الكاريكاتير الذي يتعرض للنبي (ص) الذي قامت فيه ثائرة المسلمين، وظنوا أنهم كانوا يدافعون عن النبي (ص) وعن كرامته، وهم لم يتأملوا في سبب إثارتها، ولا توقيته، ولا من يقود هذا الدفاع، ولماذا دخلت هذه الجهة في الموضوع ولم تدخل الجهة الأخرى!

انظر إلى جميع الفتن تجد أن لها شرارة صغيرة ربما لا يكون لها علاقة بالموضوع، فعلى سبيل المثال: ما علاقة أن يحرق البوعزيزي نفسه اعتراضًا على إهانة تعرض لها بالأحداث التي لحقت به؟ لماذا تعتصم جماعة في مسجد ثم يتعرض المسجد للإغلاق ويطالب الناس بعد ذلك بالنهوض جميعًا والاستنفار لفتحه؟ أو يطلق الرصاص فيه ثم يتداعى الناس بحجة انتهاك حرمة المسجد مع أن من قام بالحركة الأولى كان يتوقع هذا الاحتمال! وكما حدث في مصر مثلاً وغيرها. ولماذا تدفع امرأة إلى مواجهة الشرطة ثم يدعى المجتمع إلى الاحتشاد لحماية الأعراض؟ كما قال أحد الزعماء العرب: سندرب النساء ويقاتلونكم ثم قاتلوا النساء يا جبناء! ولماذا يقتل رجل من طائفة معينة لتتهم طائفة أخرى، فيثور القتل بين الطوائف؟ ولماذا؟ ولماذا؟!

هل تذكرون حديث شيخنا عن قناة المستقلة وكيف أنها صنعت لتأسيس خلاف طائفي يفرق بين المسلمين ويؤلب بعضهم على بعض بحيث تصل الأمور إلى أن تُضرَب بعض الدول الإسلامية أو تُغزى فلا تحرك الدول الإسلامية الأخرى ساكنًا بسبب الخلاف الطائفي؟!

هل ترون لماذا نتقطب في بلاد الإسلام طائفيًّا؟! بمجرد حدوث حدث فكل قضية تقسم الناس نصفين كما هي أحداث سوريا وقضية الحوثيين وغيرها من القضايا!

إننا أمة أصبحت أمة الدمى الخشبية! لا نملك من وعينا ولا عقلنا شيئًا؛ لأننا لا نعرف من نحن ولا ما نريد. تلعب بنا حيل السياسة، وتفرقنا الأهواء، وتوقت لنا المعارك، وإذا كان الغبي من توقت له المعارك، فإن أغبى منه من يخوض غير معركته، ويسقي غير زرعه، ويرعى في غير إبله!

كمرضعة أبناء أخرى وضيّعت       ​​بني بطنها هذا الضلال عن القصد

ختامًا أتمنى أن نستوعب هذا الدرس المهم في التركيز على قضايانا والوقوف عند حدودنا المرسومة لنا، فإننا كنا ولا نزال مقبلين على فتن لا حد لها. وكل فتنة يقع فيها جماعة ويخدعون بها وكأننا لا نرى العبر ولم نستوعب الدروس منذ أن قال أمير المؤمنين عليه السلام كلمته البليغة في وصف تلك الفتن: "كلمة حق يراد بها باطل". وهذا هو الوصف الدقيق لمعظم الفتن التي نقع فيها ونخدع بها، ونحن وإن سخرنا من الخوارج، إلا أننا ما زلنا كل يوم نصدق من يرفعون المصاحف على الرماح، وننخدع بدعواتهم، ونفسد ديننا ودنيانا بالجهل والسذاجة والتقوى المكذوبة!

قراءة 1026 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.