Alalama header

توظيف الدين في الصراعات السياسية

بقلم - أحمد حمادة:

لم يمر مؤتمر العلامة المدني الثاني دون أن يسجّل مواقف مبدئية وجريئة تتناسب مع الاسم الذي يحمله هذا الحدث من حيث تنظيمه وموضوعه والمشاركون فيه. فالمؤتمر جاء بتنظيم من مكتبة العلامة المدني للمعلومات، وبرعاية رسمية من صاحب السمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، في رسالة تلقاها الجميع عن استمرار منهج الشيخ سليمان المدني وإصراره على تعزيز العمل المشترك: الأهلي والرسمي، رغم التحديات.

وفي هذا السياق، تأتي مشاركة معالي الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بكلمة في افتتاح المؤتمر. كما أن مشاركة علماء من الطائفتين الكريمتين لهو دليلٌ مهمٌّ على تشارك المسلمين في الهم والمصير، ويكفي أن نرجع إلى تغطيات المؤتمر ونرى حجم المشاركة والحضور من قبل المسؤولين في البلاد والعلماء من الطائفتين الكريمتين، إلى جانب الحضور اللافت جدًّا في عدده وفي شرائحه.

ولا شك أنَّ اختيار الموضوع كان أمرًا مهمًّا في تحقيق هذا النجاح، فموضوع توظيف الدين في الصراعات السياسية هو مشكلة العصر حقًّا، بسبب سيطرة الحركات والجماعات الإسلامية على المشهد على جميع التراب الإسلامي، وهي ترتدي ثوب الدين وتقاتل باسمه، وتفعل كل الشنيعات والفظيعات تحت رايته، وتقذف بأبناء المسلمين في أتون أزمات شيطانية ممهورة بالختم المقدس لتضليل الناس!

ويكفي الاطلاع على البيان الختامي للمؤتمر للوقوف على مدى الجرأة والجدية في بحث الموضوع، فقد أكد البيان حقيقة مهمة، وهي أن "أصحاب الأغراض الساعين إلى تحقيقها يذللون الصعاب التي تعترضهم بما في ذلك تحريف القيم والعبث بالعقائد والشرائع والأخلاق وإخفاء الحقائق والكذب والابتداع".

وأشار إلى أن "الانحرافات التي يمكن أن تقع في الخطاب يمكن رصدها من خلال القراءة الواعية لمضمونه وتطبيق المعايير الدقيقة لفحصه"، مؤكدًا أن "الأساس الذي يجب أن تنطلق منه محاكمة الخطاب هو مدى انسجامه وتوافقه وتمثله بالقيم العليا للدين وعدم الخروج عليها أو التناقض معها"، مبينًا أنَّ "أهم المناهج المعاصرة لدراسة الخطاب هو المنهج الأبستمولوجي القائم على دراسة الأصول الفكرية والمعرفية للخطاب، والذي يكشف عن حقيقة الأصول المعرفية والأيديولوجية التي ينطلق منها الخطاب من جهة، كما يكشف عن مدى الانسجام بين هذا الخطاب وبين ما يدعي أنه ينطلق منه من المبادئ والقيم والأصول". ووضع البيان ثلاثة معايير لتقييم الخطاب الديني؛ وهي:

  • توافق الأولويات التي يشتمل عليها الخطاب الموجه مع الأولويات التي وضعها الدين، وعدم السعي إلى تغيير رتب تلك الأولويات أو تقديم بعضها على بعض.
  • عدم الترخيص في عزائم الله أو التوهين من المعاصي أو التسامح فيها، وفي الوقت نفسه عدم فرض أمور لم يفرضها الله سبحانه وجعلها دينًا يدان.
  • النظر في التوصيفات التي يطلقها الخطاب في تقسيم العالم وتصنيف الناس وتوصيف القيم، وما تصطفيه كل حركة أو ثورة أو حزب من القيم.

ونبه البيان إلى أهمية النظر في اللغة والمصطلحات، فلكل ثورة وحركة وحزب لغته الخاصة التي يلحن بها، ولكل حدث ثلاثة أسماء في اللغة؛ الأول إيجابي، والثاني محايد، والثالث سلبي، كأن نقول عن شخص إنه مات أو هلك أو استشهد.

ليعود البيان لافتًا الأنظار إلى أن "اللغة تحمل موقفًا من الأشياء والأشخاص والأحداث، وهذا ما يمكن أن نقيس به اللغة الفئوية، وما يطلق عليه بعضهم (نَفَس الكاتب)".

ثم لخص البيان الحال والمقال، ووضع يده على الجرح بالقول: "تبدأ الانحرافات بأحلام وردية وأمور صغيرة قد لا يستوحش منها المتدين، أو إذا استوحش منها فإن الخطاب السياسي تكون مهمته إزالة تلك الوحشة ليدخل الانحراف بالتدريج، ثم يجد نفسه غارقًا في فتنة لا يمكنه الخلاص منها".

يقول الفيلسوف الأمريكي إريك هوفر في كتابه الملهم (المؤمن الصادق.. أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية): "عندما تصطرع الآمال والأحلام الصاخبة في الشوارع، فعلى المواطنين المسالمين أن يدخلوا بيوتهم ويغلقوا أبوابهم ونوافذهم حتى تنتهي الفورة. هناك فرق شاسع بين الآمال التي تبدو رقيقة نبيلة، وبين الأفعال الفظيعة التي تتبعها. تخطر الآمال كفتيات رائعات الجمال يرقصن ويغنين إلا أنه سرعان ما يتبعهن جيش رهيب يحمل الموت والخراب".

نعم.. "هكذا يبدأ الأمر ناعمًا، ولكن نتائجه تكون وخيمة".

1 مارس / آذار 2017م

قراءة 760 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.