Alalama header

المدني نبراسًا ونموذجًا

بقلم- علي العمران:

أرجو المعذرة مسبقًا، فإنني حقًّا أجد من الصعب الكتابة أو التحدث عن شخصية عملاقة مثل شخصية سماحة العلامة المرحوم الشيخ سليمان المدني رحمة الله تعالى عليه. لا أعرف من أي المحطات في حياته أبدأ، وبأيها أنتهي، فمهما كتبت الأقلام وحارت العقول فلن توفيَه حقه، وربما أكون مقصرًا في تغطية الجوانب والمحطات الأخرى من حياته التي لم أتمكن من تغطيتها في هذا الموضوع.

ولعله من المستحيل أن يُذكر اسم المدني في أي محفل من محافل العلم والمعرفة والسياسة من دون أن يشار إليه بالبنان بين أقرانه على اختلاف مللهم ونحلهم، فهو فقيه من أعلام الطائفة الشيعية يمثل شخصية مستقلة في إبداء الرأي وإصدار الأحكام لا يتأثر بآراء الغير مهما كان الأمر. يتمتع بالجرأة، وعدم التردد في موقف الحق لا خوفًا ولا مجاملةً ولا هوى، وقد حباه الله بتقوى وورع وعلم واجتهاد وحنكة وبصيرة غير عادية انفرد بها في التعاطي مع القضايا والأمور التي تخص الأمة، لاسيما في التصدي للبدع والفتن ومحاولات التحريف والمساس بالعقيدة والدين في وقت مبكر من حياته، ساعيًا إلى بيان شرع الله وأحكامه في القضايا المعاصرة والشبهات والمعتقدات الخاطئة التي تعصف بالأمة بين الفينة والأخرى، مستندًا إلى الأدلة والقرائن الشرعية، لا تأخذه في الحق لومة لائم أو مكابر.

الشيخ المدني لم يكن رمزًا دينيًّا فقط، بل جمع في دراسته وتحصيله العلمي بين النهج الأكاديمي المعاصر والحوزوي الشرعي التقليدي في النجف الأشرف أصالة التراث. مزج علم الفقه وعلم الإدارة، مما أكسبه تكوينًا فكريًّا من جوانب الفكر الإداري المعاصر في التنظيم والإدارة كرَّسها في إسهاماته وتعاطيه في المشاريع التي تبناها لخدمة الناس في حياته، فهو لم يؤطر نفسه في حزب بخلاف ما يفهمه بعض من لم يجالسه، فهو يرى أن رجل الدين لعامة الناس وفق منهج أهل البيت عليهم السلام، وليس مقيدًا بأجندة حزبية معينة تُملي عليه وتقيد من حركته ونشاطه.

ومن إدراكاته السياسية مبكرًا، وانطلاقًا من قيمه الدينية، نادى بحرية الرأي والتعبير وفقًا لحدود الشرع، وبإعلام يوصل الفكر والرأي، ويفتح قناة لقول الحق ودفع الظلم، فكان لذلك أثر عملي بالشروع في عمل صحافي مهني ممنهج مع أخيه الشهيد الشيخ عبدالله المدني لإصدار مجلة المواقف، واعتبرها من متطلبات أطر التنظيم المؤسسي الأساسي لحرية التعبير عن الرأي لدعم فكر الكتلة الدينية ومشاريعها وبرامجها في قبال الأطروحات المعادية من قبل التيارات والكتل الأخرى النشطة في البرلمان عام 1973.

ولما يتمتع به الشيخ المدني من عقلية فذة في شتى المجالات، طُلبت منه المشاركة في صياغة عقد التأسيس لأول مصرف إسلامي بحريني عام 1979م متخصص في إيجاد صيغة للتعامل المصرفي بعيدًا عن شبهة الربا لطرح منتجات إسلامية استثمارية وتمويلية مبتكرة حسب الشريعة الإسلامية، ومن دون استخدام سعر الفائدة أخذًا أو إعطاءً من خلال تبنيه لتطبيق مفهوم الوساطة المالية القائمة على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة في إطار مفهوم الوكالة.

عمل الشيخ المدني مع الثلة المخلصة المؤمنة من رفقاء دربه وسماحة العلامة المرحوم الشيخ منصور الستري (قده) وسماحة العلامة الشيخ أحمد العصفور وسماحة العلامة المرحوم الشيخ محمد الستري (قده) وسماحة العلامة الشيخ الدكتور محمد علي الستري وآخرين، جنبًا إلى جنب على تنظيم ورعاية شؤون الناس، وإبراز النموذج الراقي لفكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وصون المنهج الشيعي المعتدل، وحماية المجتمع الشيعي من العواصف العقائدية والفكرية والسلوكية، والحفاظ على المكتسبات رغم صعوبة التعاطي مع الواقع المفروض. واستطاعوا عبر التواصل مع الدولة أن يؤسسوا لنمط حكيم من العلاقة والرعاية بما يحفظ للشيعة حقوقهم في ممارسة شعائرهم الدينية.

 وكان للشيخ المدني ورفقائه إسهامات بارزة ولامعة في رعاية مصالح الشيعة وتحسين أوضاعهم ودمجهم ضمن النسيج الوطني وتكريس مفهوم المشاركة على الرغم من الإشكاليات الجدلية عند بعض الفرقاء. فمن باب جلب المصلحة ودرء المفسدة يرى المدني أن العمل من الداخل وفق البعد الإيماني والأخلاقي في التقارب والاندماج في مؤسسات ومكونات الدولة والمجتمع يؤدي إلى تحقيق المزيد من المكاسب للوطن والناس ويحقق التماسك الاجتماعي ووحدة المجتمع، مما يرسخ الثقة والطمأنينة في النفوس والعلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد، وهو الطريق الأسلم والأنجح للوصول إلى الغايات والأهداف بعيدًا عن منطق القوة والعنف والمنازعات والمشاحنات بين مكونات الوطن لنيل الحقوق والمكتسبات.

واهتم الشيخ المدني بحفظ خصوصية المذاهب ضمن إطار الوطن الواحد، وكان من تلك الاهتمامات مساعيه في حفظ خصوصية المذهب الجعفري، فسعى إلى تأسيس المعهد الديني الجعفري، وكان له ذلك سنة 2002م، ليكون المعهد الجعفري أول معهد ديني جعفري رسمي في الخليج العربي يعتمد في مناهجه تدريس أصول الصلاة والوضوء وأركان الإسلام حسب الفقه الجعفري، والتحق بالمعهد في بدايته 153 طالبًا، وأخذ العدد في الازدياد حتى وصل عدد منتسبيه حاليًا إلى نحو 1224 طالبًا من جميع مناطق البحرين لما حظي به المعهد من سمعة طيبة وشهرة واسعة، وتصرف لكل طالب مكافأة شهرية تبلغ 50 دينارًا، وبتكلفة سنوية تقدر بـ 612 ألف دينار.

ومن جملة مساعي الشيخ المدني في هذا الصدد، اهتمامه بالحوزات الدينية في البحرين وبسبل رعايتها وصونها لتكون رافدًا من روافد العلم والمعرفة لضمان عدم تحزيبها والخروج بها عن سياقها، ولضمان استمراريتها على ما هي عليه لتتمكن من تأدية رسالتها وأهدافها النبيلة باستقلالية تامة في شؤونها الإدارية، وأنشطتها العملية، وبرامجها ومقرراتها الدراسية.

وبعد انحسار التمويل المادي والدعم للحوزات في البحرين، بات من غير الممكن أن تستمر هذه الحوزات في القيام بدورها من غير التمويل اللازم، فبادر الشيخ المدني رحمه الله في العام 1997م إلى الجهات المعنية وطالب باعتماد مخصصات شهرية ثابتة مستمرة لدعم الحوزات الدينية في البحرين، وكان له ذلك، وتم تخصيص 360 ألف دينار سنويًّا لهذا الغرض منذ ذلك العام، وحتى يومنا هذا.

كما أولى العلامة المدني اهتمامًا كبيرًا بالقائمين على المساجد من أئمة وقيمين ومؤذنين لتحسين أوضاعهم المادية، وتحسين حياتهم المعيشية بغض النظر عن توجهاتهم وانتمائهم الديني أو السياسي، فأقنع الجهات المعنية بمشروع تُصرف فيه مكافآت شهرية للأئمة والمؤذنين يحسِّن أوضاعهم ويحفظ لهم استقلاليتهم في الوقت نفسه، ورأى مشروعه النور بعد وفاته بعامين تقريبًا، وأُعلن كادر الأئمة والمؤذنين في العام 2005م، وفُتح الباب لمن يرغب في الانضمام إليه من الأئمة والقيمين والمؤذنين من دون النظر إلى مذاهبهم أو مشاربهم، وبلغ عدد المسجلين في الكادر نحو 100 إمام و557 قيمًا ومؤذنًا بتكلفة سنوية تقدر بنحو مليونيْ دينار.

وانطلاقًا من حرص الشيخ المدني رحمه الله على إعمار بيوت الله تعالى أسهم بشكل كبير ومؤثر، وبذل جهودًا ومساعي حثيثة مع الجهات المعنية لإعداد مشروع لتطوير وإعادة بناء الجوامع في مختلف مناطق البحرين، وكان له رحمه الله ذلك، فمنذ انطلاق المشروع الذي ما زال قائمًا تم هدم وإعادة بناء عدد من الجوامع السنية والشيعية، وكانت من الشيعية منها مسجد مؤمن بالمنامة بتكلفة 600 ألف دينار، وجامع جدحفص بتكلفة 720 ألف دينار، وجامع مدينة عيسى بتكلفة 660 ألف دينار، وجامع سترة الخارجية بتكلفة مليون و700 ألف دينار، وجامع رأس الرمان بتكلفة مليون و400 ألف دينار.

جدول تكلفة المشاريع حتى الآن:

اسم المشروع

التكلفة بالدينار البحريني

المساجد والجوامع

5,080,000

الحوزات

5,400,000

المعهد الديني الجعفري

2,700,000

الأئمة والمؤذنين

16,000,000

المجموع:

29,180,000

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هكذا كان المدني رحمة الله تعالى عليه.. كانت له الزعامة الدينية في البلد.. مثَّل الطائفة الشيعية في شخصه من خلال دوره وعطائه وأثره وإنجازاته، وما تميز به من أطروحات وأفكار متأصلة في جذور الفقه والعقيدة من صلب مدرسته الرصينة المتحصنة بالثقلين، متمسكًا بشرع الله وأحكامه التي لم يحد عنها أبدًا رغم المعطيات والضغوطات في زمن العولمة والاتصالات والتكنولوجيا والبرمجيات وما شهده العالم من تطور وانفتاح بوتيرة متسارعة في شتى المجالات. إنه رحل، ولكن ذكره الطيب ما زال باقيًا في ذكرى الجميع، وسوف يظل طرحه وسيرته ومنهجه وإنجازاته وعطاؤه نبراسًا دائم للجميع، وشاهدًا على نموذج مهم سيخلِّده التاريخ.

قراءة 796 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.