Alalama header

العلامة المدني.. الرجل المقدام

بقلم- فاضل الخياط:

مضى الرجلُ المقدامُ في كل محنة * وفارسها الفحلُ الذي ليس يرتدُّ

ومن لا تطيش المعضلات فؤاده * إذا طاش رعديدٌ فأخطأهُ القصدُ

البيتان هما اقتطاع من قصيدة الدكتور ناصر المبارك في رثاء العلامة المدني (قده) في حفل التأبين الذي أُقيم في جدحفص في اليوم السابع من شهر مايو من العام 2003. اقتطعنا من القصيدة هذين البيتين لنوضح بعض جوانب هذه الشخصية العلمية التي خفيت على كثير من الناس، فالناس أعداء ما جهلوا.

في هذه العجالة نريد أن نُسلط الضوء على بعض ما تمتعت به شخصية العلامة المدني، ولا نريد بهذا الطرح أن نختزل شخصيته في زاوية ضيقة أو تنظير معين على أنها (أي شخصيته) ذات أبعاد مختلفة ومتشعبة وبها يطول المقام ويطول البحث، وبالنتيجة نستطيع أن نقول إن هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن الهيكل العام للشخصية، وإنما هي جزء من تركيب، ولبنة من بناء، ولعلنا نُوفق فنورد لها بحثًا منفصلاً في متقادم الأيام.

الإقدام في المحن وخوض غمارها بحيث لا تطيشه هذه الأزمات ولا تُذهله أو تبعده عن سلوك الطريق الصحيح هي من صفات السياسي ذي الرؤية، وعندما نقول رؤية فإنها تشمل جميع الأمور التي تُحيط بالأزمة من أولها إلى آخرها، والذي يعلم مسبقًا من يركب صعابها أنها سوف تعصف به بين الفينة والأخرى، وتُنزله من على صهوتها كارهًا لا طائعًا، ولكن من يملك وجهة محددة ويعلم إلى أن يريد أن يسير بل وكيف يُسير هذه الأزمة ويديرها ويُمسك بزمام لجامها ويُسيرها حيث يشاء فهو على معرفة بمجريات الأمور، وكيف تبدأ وإلى أين ينتهي بها المقام.

السياسي المحنك من وجهة نظر العلامة المدني ليس من يُخاتل أو يُخادع ليصل إلى مبتغاه أو أن يملك سلطة ما فيؤثر بها على من يحيطون به، أو الميكافيللي ذا القوة المستمدة من الغلبة والقهر أو بالأسلوب الميكافيللي "الغاية تبرر الوسيلة".. السياسي المحنك عنده هو من يعرف أولاً على أي شيء يضع قدمه، من يعرف أن ما يقف عليه ذو أساس صلب ومتين لا يتهاوى ولا ينهار بأقل العواصف، وثانيًا من يعرف كيف يتحرك من موضعه، وأين يضع قدمه من دون جلبة أو صخب مما يعزز من قدرته على التحرك في جميع الاتجهات، وعلى جميع المستويات بحيث يمكِّنه هذا التحرك من معرفة مكامن القوى وقنوات التأثير، أما الذي يقدم على الأمور وهو لا يعلم إلى أين سوف تأخذه فإن الطريق التي سوف يسلكها لن تكون ذات فائدة، فهو لا يعلم أين موضع قدمه ولا يعلم الخطة القادمة إلى أين تأخذه، وكأنه يعيش في ظلام دامس يظل يدور معه في حلقة مفرغة.

ثالثًا، عندما يفكر السياسي الناجح في التحرك فإن أول ما يُفكر به هو الوجهة، فهو يعلم مسبقًا إلى أين يريد السير، بل ويعرف كيف يسلك أقصر الطرق وأيسرها وأقلها ضررًا ليصل إلى ما يريده وبأقل الخسائر، وبل من دون خسائر إن صح أن نصفه بها.

أن تكون مقدامًا ليس أمرًا صعبًا أو بعيد المنال، فالفرق بين الشجاعة والتهور فرقٌ دقيق لا يكاد يُلحظ، ولكن أن تكون مقدامًا وتُفكر مليًّا قبل خوض غمار أي معركة سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم فكرية أم دينية، وتعرف كيف تنتقل وتتمركز وتتموضع في موضع القوة، فذاك أمر آخر يحتاج إلى الكثير من الجهد العقلي والذهني والتحضير المسبق لكل الحركات والسكنات، وهذا لا يكون إلا بالممارسة الفعلية التي تصبغ الفكر وتصقل العقل بالإضافة إلى القراءة العالية للوضع أيًّا كان.

والقراءة هنا بمعنى فهم الأحداث، ومعرفة مجريات الأمور ومسبباتها، وعملية الربط بين متشابهها ومختلفها، فالسياسي الناجح هو من يعرف كيف يستقرئ الحدث (أي حدث) بشكل نقدي تحليلي، ومن زاوية قلما ينظر إليها الرائي، أو لا يستطيع أن يرى فيها ما بين السطور أو خلف الأحداث.

هذه الخاصية نجدها ونلحظها في شخصية العلامة المدني، وبالخصوص عندما تشتد الأزمات وتعصف بالناس عواصف الفتن، فلا ترى إلا الحائر أو التائه لهول الصدمة وعظم والمصيبة، فهو رحمه الله كما عبر الشاعر: (ومن لا تطيش المعضلات فؤاده)، فالطيش هنا لا محل له في قلب العلامة المدني، لأنه كما سبق وشرحنا أن الرجل يعرف ما يجري، ويعرف أين يوجه سفينته، فهو الربان المتمرس في الإبحار حتى في أحلك الليالي وأشد العواصف.

صفة الإقدام من الصفات العالية التي تمتع بها العلامة المدني، وخوض غمار ولهوات الأزمات هي متلازمة معه وفي كينونته ومن ضمن العلامات الفارقة التي تميزه عن أقرانه، وذلك ما شهدت به سنوات عمره التي ما خلت من الأزمات، فلا تكاد أزمة أن تنتهي حتى تأتي أخرى أشد منها، ويخرج المدني من كل أزمة بعزيمة أكبر، وإصرار أشد، ويقين ثابت على أن درب ذات الشوكة صعبٌ ومرير ومرهق، للجسد وللروح معًا، وليس لأحد طاقة عليه إلا من أيقن أن هذا الدرب هو الدرب الصحيح، وأن الوقوف في هذه المواقف التي تتطلب شجاعة في الرأي ومواجهة مع الناس هو من نهج الدين، ومن صميم العقيدة.

ما أحوجنا هذا اليوم ونحن نستذكر هذا العالم الجليل إلى شخص مثله يملك مثل هذه الصفات العالية من التماسك والحنكة وحُسن التصرف وتدبير الأمور، ولا أعني به أن يكون من طرف دون طرف، أو من طائفة دون أخرى، ولكن أعني به شخصًا مؤهلاً ذا شخصية فذة، يقود بها دفة الأمور، ويستلم زمام المبادرة، ويتحلى بالشجاعة الكاملة ليوصل البلاد والعباد إلى بر الأمان.

قراءة 1019 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.