Alalama header

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر .. كلمة حق لرجل الحق

بقلم- د. ناظم الصالح:

لست أنا من يرثيك يا شيخنا الجليل.. يا من تحمَّلت من المصائب والنوائب الكثير الكثير، وتفرَّق عنك القريب قبل البعيد، بل يرثيك الوطن كله، بعلمائه ورجاله الشرفاء، ويرثيك الكبير والصغير، ويذرفون الدموع عليك في هذه الذكرى الأليمة لرحيلك.

في مثل هذا اليوم قبل عقد من الزمن، جاء خبر وفاتك وأنت بعيد عن أرض الوطن في رحلة علاج تريحك مما ألمَّ بك من مرض، فكانت مفاجأة الموت التي حطمت الأمل في أن نراك عائدًا إلينا سليمًا معافى. لم يقدر الأهل ولا الأقرباء ولا الأحباب ولا الأصدقاء ولا من عرف شهامتك ونبل أخلاقك أن يستوعبوا صدمة الخبر وهول الحدث.

في ذلك اليوم توشحت جدحفص وقرى البحرين كافة بثياب السواد، وظللتها غيوم الحزن والأسى في هذا المصاب الجلل، وتقاطرت جموع المعزين من كل حدب وصوب أفواجًا أفواجًا إلى مسكنكم العامر بالتقوى والإيمان وهي في بكاء وعويل ونحيب، للمشاركة في تشييع جثمانك الطاهر النقي إلى مثواك الأخير حتى يوم البعث الأكبر والحساب، فيجمعك المولى العلي القدير بمشيئته مع من توليتهم من الأئمة الأطهار والشهداء والصديقين والأتقياء الأبرار.

لقد كان العلامة المدني رحمه الله وقدس سره من أشد المدافعين عن رسالة الدين ومبادئه الإنسانية السامية، وقيمه العليا، وكان دائمًا صادعًا بالحق في وجه الباطل وأعوانه، لم يخشَ في ذلك لومة لائم. وعلى الرغم من الثمن الكبير الذي دفعه في النفس والمال والجسد إلا أن ذلك لم يثنِه عن قول الحق، ولم يهادن الباطل فيه، وظل ثابتًا على المبدأ، ملتزمًا منهج الرسالة الإسلامية المحمدية الصحيحة، وسيرة أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. وهكذا أفنى العلامة المدني أيام عمره وشهوره وسنينه على هذه الطريق من خلال التبليغ والإرشاد بالكلمة الطيبة، والحكمة البالغة، والموعظة الراشدة، والقدوة الحسنة، والإعراض عمن ناصبه العداء لاختلاف توجهاته عن توجهاتهم، وكان في ذلك رحمه الله يتيمم الآية الكريمة: ((أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغ))"[النساء: 36].

كانت حياة الشيخ سليمان المدني (قده) عبارة عن محطات متعددة ومتنوعة منذ يوم مولده المبارك وحتى لقائه الرفيق الأعلى، فقد نشأ في بيت من بيوت الإيمان والعلم والفضيلة والورع والتقوى؛ إذ كان أبوه العلامة الشيخ محمد علي المدني شيخ الطائفة في البحرين، وكان أهل البحرين يرجعون إليه في شؤون الفتوى والأحكام، وكان رحمه الله يداوم على حضور مجالس الذكر وحلقات العلم الديني على يد طائفة من علماء ذلك العصر، وقد عُرف بالذكاء والفطنة والاجتهاد في استيعاب الأحكام الدينية، ولم يكن مجرد مستقبل لما يُلقى عليه، بل كان يناقش علماءه، ويتداخل معهم ليؤمن بالحكم والفتوى عن رضى وقناعة راسخة.

في هذه البيئة الإيمانية نشأ الشيخ المدني وترعرع، ونهل من معين العلماء، فقويت شوكته، وصلب عوده في مجال العلوم الدينية. وليُشبع نهمه في علوم الدين والشريعة سافر إلى النجف الأشرف لتلقي الدروس الدينية على يد عدد من كبار العلماء والفقهاء، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر آية الله العظمى السيد محسن الحكيم وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي والعلامة الشيخ محمد رضا المظفر، وفي هذه الفترة تصدى الفقيد للتعليم وإعطاء الدروس الحوزوية في النجف الأشرف التي بقي فيها خمسة عشر عامًا قبل عودته إلى أرض الوطن ليمارس إلقاء الدروس والمحاضرات والأبحاث الدينية في العقائد والأصول والأحكام وسيرة الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليهم السلام، كما عكف الفقيد على التأليف وكتابة الأبحاث في مجال العقيدة والأصول، كان آخرها مؤلف الكلمة الطيبة الذي احتوى على خطب الفقيد التي كان يلقيها في صلاة الجمعة والأعياد، وصدر هذا المؤلف في الفترة التي شهدت فيها البحرين أحداث التسعينيات، ويعتبر سجلاً تاريخيًّا لأهم تلك الأحداث الاجتماعية والسياسية المؤثرة في حياة الناس وشؤونهم.

لقد أحزن الفقيدَ وأدمى قلبَه ما شهدته البحرين في هذه الفترة إثر المطالبات بإجراء إصلاحات في مؤسسات الحكم وفسح المجال للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي، وإقامة دولة القانون والنظام، وحلحلة الملفات الساخنة المرتبطة بحياة الناس ومعايشهم، والقضاء على الفساد المالي والإداري، التي مع الأسف الشديد تطورت فيما بعد إلى أعمال عنف أدت إلى خسائر في الأرواح وإتلاف للممتلكات العامة والخاصة وتعطيل المصالح.

وكان للفقيد موقف صلب في إدانة أعمال العنف من أي طرف، وفي التذكير بحرمة دم المسلم، وكان يدعو إلى ضرورة الوصول إلى حل للمشاكل العالقة عن طريق الحوار والتفاهم الأخوي، ونبذ أي صورة من صور التطرف في التعامل مع هذه الأحداث، وكان في ذلك يستلهم قول الله تعالى في كتابه العزيز: ((ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل: 125]، وقوله تعالى: ((ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك))ل عمران: 159]، وكلها آيات تدعو إلى السلم والسلام والتسامح والتحاور الهادئ البعيد عن الشطط والعصبية والتطرف.

وكان يرى أن السياسة فن الممكن.. الممكن الذي يحقق الخير للوطن، ويصون حق الإنسان في حياة حرة كريمة دون أن يشكل ذلك مخالفةً للشرع والأخلاق والقيم السماوية. ولقد حذر الفقيد من استمرار الأزمة دون حل، وزيادة تعقيدها، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج قد لا تحمد عقباها.

وأزعم أن موقفه من الأحداث التي تشهدها البلاد ومنذ عامين هو الموقف نفسه من أحداث التسعينيات من القرن الماضي الذي أشار إليه في إحدى خطب الجمعة المدونة في كتاب الكلمة الطيبة:

"وإنني وانطلاقًا من الواجب الشرعي الذي ألقاه الله على العلماء، أشجب -وبكل قوة- كل أعمال العنف والشغب، وكل اعتداء على الأموال والممتلكات العامة والخاصة من أي جهة صدرت هذه التجاوزات، وأستنكر كل اعتداء على البيوت والمساكن، وكل اقتحام لها، وترويع لساكينيها، أيًّا كان الفاعل ومرتكبه، وأطالب بمعاقبته أشد العقاب، كما أدين كل انتهاك لبيوت العبادة من المساجد والمآتم وغيرها، واقتحامها وإيذاء عمارها والمتعبدين فيها، وتخريبها، من أي جهة صدر هذا الفعل.

إن القيام بمثل هذه الأعمال إنما يكشف عن وحشية فاعلها وانسلاخه عن الحضارة، فإنه لا المطالبة بالحقوق ولا حفظ الأمن يقتضيان ارتكاب مثل هذه الأعمال الوحشية" [الكلمة الطيبة – الجمعة 27 يناير 1995م]. 

وجلب ذلك الموقف على الشيخ المتاعب الكثيرة، ونالته سهام النقد والتجريح، إلا أنه رحمه الله لم يفتَّ ذلك في عضده، أو يزحزحه عن مواقفه التي كان يؤمن بها، ليس عنادًا ولا كبرياءً، وإنما هكذا فهم الدين ورسالة الإسلام الخالدة التي آلى على نفسه الدفاع عنها حتى الرمق الأخير من عمره.

وما الذي تشهده الساحة اليوم من ازدياد أعمال العنف، وكثافة المواجهات، وحالات الاحتقان السياسي، وسقوط الضحايا، وعواقب ذلك على اللحمة الوطنية إلا مصداقٌ لرؤية الفقيد الثاقبة.

لقد كان الفقيد يرى أن التخلي عن العنف وفتح قنوات الحوار هو الطريق الأسلم لحل المشاكل العالقة، وهو الضمانة لاستقرار الحياة السياسية، والحفاظ على أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم، وأشار رحمه الله إلى ذلك في إحدى خطبه:

"إنكم جميعًا تعلمون، وإنني ومنذ بداية الأحداث كنت أنادي بضرورة حل المشكلات العالقة عن طريق التفاوض والتحاور، لا عن طريق العنف والعنف المضاد، وكنت أعتقد ولا أزال أن الشدة لا تولد إلا الشدة، وأن احتواء الأزمات يكون بالطرق السياسية لا بالشدة والعنف، فالتفاهم وأخذ الأمور بالرفق هو السبيل الوحيد الذي جعله الله سبحانه لحل كل خلاف يحدث بين البشر، والمسلمون أولى باتباع إرشاد الباري جل اسمه، والاهتداء بكتابه.

والآن، وقد ابتدأ باب التفاوض ينفتح، وإمكانية التحاور أخذت في الوجود، فالرجاء من الإخوة المواطنين على اختلاف أفكارهم وتباين توجهاتهم أن يعطوا الفرصة لهذه العملية، وأن يدعموا هذه الإمكانية.

المفروض علينا أيها الإخوة أن ندعم خطوة التحاور والتفاوض لا أن نهدمها، أن نشجعها لا أن نوهن منها، أن نؤازر القائمين بها لا أن نشكك فيهم" [الكلمة الطيبة – الجمعة 7 أبريل 1995م]. 

هذه هي مواقف العلامة المدني رحمه الله.. مواقف تنطلق من رؤية ثاقبة للأحداث، مرتكزة على منهج سياسي واجتماعي متميز واضح المعالم ثابت الخطى، لا يتذبذب، ولا يعرف التكتيك على حساب الدين، ولا يضطرب بسبب الأحداث العارضة، ولا الموجات الهائجة، وإنما هي مواقف تغوص جذورها في أعماق العقيدة، يستل منها الحكم الشرعي ليكون حجةً على الناس وعلى الحكام.

ونحن في أتون الأزمة التي يمر بها وطننا الحبيب، ندعو المولى العلي القدير أن يخمد نارها، ويجتث جذورها. وما أحوجنا في هذه الأيام إلى صوت العقل والحكمة والروية وبعد النظر -التي كان الشيخ سليمان يجسد معانيها بأبهى صورها- لنخرج بلدنا من عتمة الظلام إلى فضاء النور والحب، والتسامح والوحدة الوطنية، ونجعل البحرين واحة أمن وأمان، وسلام واستقرار.

وأخيرًا، فإنا في ذكرى وفاتك نقول: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا علمًا من أعلام الهدى والتقوى والإيمان لمحزونون.. ونردد قول الشاعر:

سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهم * وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من خطاياه كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم إن كان محسنًا فزِد في إحسانه، وإن كان دون ذلك فتجاوز عن سيئاته. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار. اللهم أدخله جنة الفردوس الأعلى مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، برحمتك يا أرحم الراحمين. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قراءة 898 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.