Alalama header

الشيخ سليمان المدني..منهاج حياة

بقلم: محمد حسن الستري

لا زال حاضرا معنا رغم مرور عشر سنوات على رحيله من دار الدنيا الى الرفيق الأعلى. ذلك هو العلامة الشيخ سليمان المدني (قدس الله نفسه الزكية). لم يفارقنا يوما وهو الذي بشخصيته الفريدة الفذة قد رسم لنا طريقا ومنهاجا في الحياة لا نحيد عنه أبدا. وهو طريق مستلهم من القرآن الكريم وسنة النبي وآله الأطهار. لم يقل قولا ولم يخط خطوة إلا مستندا في ذلك الى النصوص الدينية المقدسة.

كانت حياته كلها جهادا. فوقف في وجه محاولات حرف الأمة عن مبدئها السماوي السمح صلبا مستميتا. ولقد خاض معارك لصد الغزو الفكري والآراء المنحرفة عن النصوص الدينية منذ أن كان شابا في مطلع التحاقه بحلقات الدروس الدينية بكل ما أوتي من قوة وعزيمة. وأذكر أنني عندما أنهيت المرحلة الثانوية وتهيأ لي العيش ضمن بيئة مختلطة من التيارات والاتجاهات الفكرية لجأت الى مكتبة والدي رحمة الله عليه وعثرت فيها على كتاب للشيخ سليمان المدني بعنوان "الاجتهاد والتقليد" حيث تبين لي من خلاله أمران مهمان. الأول أن صاحب الكتاب يمتلك فكرا متوقدا وموقفا صلبا إزاء ما تواجهه الأمة من تحديات. أما الثاني فهو أن هذه التحديات قد شملت رقعة واسعة من البلدان الاسلامية.

كان رحمه الله يتميز بصفات شخصية قل اجتماعها في رجل واحد. فقد عرف بغزارة العلم وسعة المعرفة وحدة الذكاء وقوة الحجة وجرأة شديدة في مواجهة أصعب المواقف وأعقدها. لذلك لم يكن غريبا أن تتجلى صفات القيادة والزعامة في شخصه طوال العقود التي عايشها والتي شهدت العديد من الأحداث والتحديات سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو الاقليمي. ولقد أثبت من خلال نشاطه ومواقفه المشهودة خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي بأنه يجيد السباحة ضد التيار بحرفية واقتدار. لم يستسلم للتيارات الجارفة التي تعرضت لها الأمة وكادت أن تجرفها إلى الضفة الأخرى، بل وقف في وجهها بكل صلابة وبرؤية ثاقبة وبإدراك تام لأخطار مجاراتها والسير في اتجاهها. غير انني لن أتطرق في هذا المقال الى أحداث الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حيث لم أكن في سن يسمح لي بأن أشهد وأقيم ما كان يدور في تلك الفترة. هذا على الرغم من أن الشيخ سليمان المدني قد دخل معترك مناقشة التوجهات الفقهية من أوسع أبوابه كما يدل على ذلك كتابه المشار إليه أعلاه.

وعندما التحق بالقضاء في محاكم البحرين الشرعية وقف رحمة الله عليه بثبات وعزيمة في مواجهة التيار العلماني الذي شن حملة شعواء ضد تطبيق الشريعة الاسلامية في قضايا الأحوال الشخصية من خلال تقديم قانون وضعي  ينظم شئون الأسرة ليحل محل الأحكام الشرعية. وعلى الرغم من طغيان التوجه العلماني في أوساط متخذي القرار في تلك الفترة، إلا أن الشيخ سليمان المدني برز بمهارة واقتدار كمعترض على هذا القانون وكمدافع عن استقلال القضاء الشرعي. ولم يستطع أصحاب القانون فرضه على المحاكم الشرعية، على الرغم مما يتمتعون به من نفوذ، إذ بقي حبيس الأدراج إلى يومنا هذا.

أما دوره في الانتخابات التي جرت في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي للمجلسين التأسيسي والوطني والتأثير على القرارات التي اتخذت فيهما، فيشهد ذلك له بالبراعة والحنكة الفائقة. ولقد تمكن من تكوين كتلة دينية للترشح للانتخابات وإدارة حملاتها الانتخابية وعملها في المجلسين دون أن يرشح نفسه لأي منهما. ويرجع له الفضل في تثبيت الشريعة الاسلامية كمصدر رئيسي للتشريع ضمن بنود الدستور. وفي سبيل ذلك خاض رحمة الله عليه معركة مع العلمانيين الذين كانوا يشكلون قوة لا يستهان بها في المجلسين. هذا ناهيك عن نجاحه في إسقاط مشاريع القوانين المتعارضة مع الشريعة الاسلامية.

وبعد حل المجلس الوطني عام 1975 تعرضت الأمة لفتن منها ما له صلة بقضايا سياسية وأخرى ذات صبغة عقائدية. وقد امتنع الشيخ سليمان المدني عن الانخراط في نشاطات سياسية مؤداها إراقة دماء الأمة أو إهدار مكتسباتها أو إلهاء شبابها في أمور غير منتجة. خصوصا وأن النشطاء السياسيين لم يطرحوا أهدافا تستحق التضحية، حيث كان الهدف من تحركهم هو تطبيق أنظمة مستوردة تتناقض في جوهرها مع العقيدة الاسلامية. ولقد قاوم كل الضغوط التي مورست عليه وعلى أتباعه وأظهر درجة عالية من الصبر ولم يقابل الأذى بالأذى، لأنه كان يتحرك انطلاقا من دوره كعالم مرشد وموجه للأمة كلها وليس لجماعة معينة من جماعات الأمة. من هنا نرى أنه لا يجيز للعالم أن يتحزب. ولا بد هنا من التأكيد على دحض الدعوى التي أثارها البعض بعد وفاته من أنه كان حزبيا. فقد عرف عنه طيلة حياته ذمه الشديد للحزبية، كما أن سلوكه وأسلوب حياته ومواقفه ومنهجه الفكري والعملي تعتبر شواهد حية على بعده عن التحزب بعد السماء عن الأرض. هو منهج يعتمد خطابا عاما لكل مكونات الأمة ويتخذ من الحكمة والموعظة الحسنة الجليلة أسلوبا للتبليغ والتغيير، وهذا ما يختلف كليا عن الأساليب والأفكار الضيقة التي تلتزمها الأحزاب وأتباعها.

وقد تعرضت الأمة لفتنة على المستوى العقائدي في عقد الثمانينيات وهي تلك التي لها صلة بادعاء رؤية الإمام المهدي عجل الله فرجه. ولقد تصدى لها الشيخ سليمان المدني بأساليب مختلفة أهمها الحوار والمناقشة وإلقاء المحاضرات التثقيفية ثم بإصدار الفتوى بحق من أصر على التمسك بها والبقاء عليها.

لم يغادر الشيخ سليمان المدني الحياة الدنيا إلا بعد أن رسم منهاجا واضحا ينير درب الأمة لسنوات مقبلة. فهذه محطات حياته مليئة بالدروس والعبر لكل طالب استقامة وهداية. وتلك آثاره العلمية من كتب ومحاضرات وأبحاث تزخر بالعلوم والأفكار والرؤى لكل طالب علم ودراية.

قراءة 1259 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.