Alalama header

العالعلامة المدني.. نظرة على أحوال العالم المعاصر

بقلم- محمود المبارك:

تطرقنا في مقال سابق إلى النظرة الاقتصادية للعلامة المدني وأهم الجوانب التي تستدعي الإصلاح في اقتصادات بلاد المسلمين بحسب رأيه وتصوره رحمه الله. وكان ذلك مدخلًا إلى الحديث عن جوانب أخرى من فكر هذه الشخصية من خلال تراث قليل تركه، إلا أن القيمة الموجودة فيه كشهادة لشخصية علمية، يستدعي المزيد من الدراسة، خصوصًا لمحبيه والمهتمين بفكره الذي هو في النهاية امتداد للمنهل الأهم والأعظم، وهو مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

في هذه العجالة، أحب أن ألقي نظرة على أحوال العالم المعاصر من خلال خطب الشيخ سليمان المدني، نركز فيها على أحوال الأمة الإسلامية في هذا الخضم من المتغيرات والتحديات التي تنذر بمراحل صعبة قادمة على حياة الفرد والمجتمع سنتحسسها في مستقبلنا شيئًا فشيئًا، إلا أنه نبه إليها قبل أكثر من عقد من الزمان.

الغزو الثقافي والاستعمار الحديث:

ركز الشيخ في كلامه في مناسبات مختلفة على ما تتعرض له بلاد المسلمين من غزو ثقافي، ووضح ملامحه من حيث دخول عناصر التغريب ووكلاء الاستعمار في حياة المسلمين الثقافية لتشويه المفاهيم، والقيام بدور المستعمر دون الحاجة إلى وجوده الوجودَ العسكريَّ في صورته الكلاسيكية التي شاهدتها الأجيال السابقة عيانًا، ورأتها الأجيال اللاحقة عبر الأفلام الوثائقية وكتب التاريخ.

وبحسب المدني فإن الاستعمار لم يبارح بلاد المسلمين، بل ما زال رابضًا في الربوع، متصرفًا في مصائر الشعوب، يدفع البلد لحرب البلد الآخر، ويثير الفتن. وليس الأمر قاصرًا على تنفيذ إملاءاته واستراتيجياته، بل عبر نظمه وقوانينه التي يتعامل وفقها، وبتفكير الأمم من خلال فلسفاته ومصطلحاته وأطروحاته، بل وحتى في تصور الناس للعدل عبر نظرياته. وبينما نجد أنظمة الحكم في بلاد المسلمين وضعية علمانية، فكذلك نجد أن من يعارضون هذه الأنظمة يعارضونها عبر نظريات وضعية علمانية. وأكثر من هذا أن الكثير من منتسبي الإسلام والمنادين باسمه يحمِّلون القرآن تأييد أفكارهم المأخوذة من الاستعمار، والزعم بأن أصولها قرآنية، سواء الاشتراكية الشعبية أو الرأسمالية أو الديمقراطية.

وإذا كانت تلك النظريات جميعها تصرح أنها تهدف إلى تحرير الإنسان من سلطة الغيب، فكيف تتفق مع حقيقة دين يقوم على الإيمان بسلطة الغيب؟!

ربما وجدنا مصداق كل ذلك في سنواتنا الأخيرة أوضح وأجلى منه في نهايات القرن المنصرم، وهو أحد التحديات المهمة؛ إذ صار الغزو الثقافي حقيقة ليس مظهرها المسلسلات و الأفلام ونمط الحياة الاجتماعية بقدر ما هو نمط التفكير والمفاهيم والنظريات التي تتحرك وفقها الأمم، ويفكر عبرها الأفراد، وقد ركز إعلامنا في الدول العربية وتحذيرات مفكرينا للأسف على المظاهر الاجتماعية بصورة سطحية دون أن يحذروا من الجوانب الأكثر خطورة في الافتتان بها، ولذا خسرنا الاثنين معًا.

الطائفية:

تكلم الشيخ سليمان عمن فرقوا الأمة شيعًا ومذاهب، لا يغضب أحدها لما يصيب الآخر، يُعتدى على طائفة فتصفق بقية الطوائف، وضرب مثلاً واضحًا بصدَّام وما فعله من ضرب الشيعة تارة و السنة أخرى، فقضى على العراق المسلم كله، فكم من البيوتات العلمية السنية كآل الألوسي وآل البدري وآل الزهاوي وغيرهم قد أباد قبل أن يحاول إبادة الشيعة.

ورغم هذا الدرس الواضح للمسلمين في صدام وما فعله من تفتيت للعراق، إلا أن تصاعد الطائفية اليوم يزداد في كل ديار المسلمين، بدءًا من مصر وانتهاء بسوريا، وما زال المسلمون لم يعوا ذلك الدرس، فهم ينظرون إلى بعضهم البعض نظرة طائفية بغيضة تمزقهم كل ممزق، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، بينما هم واقعًا ينفذون سياسة غربية خبيثة وقديمة بعنوان "فرق تسد".

كما أشار الشيخ في مناسبات أخرى إلى أن تلبيس الشيطان للإنسان بالعصبية، لعنصر أو جماعة أو حزب أو حكم يورد الإنسان الهلاك، ويستغل فيه حب العزة والرفعة ونفوذ الكلمة والسيطرة. وكم رأينا أن الطائفية هي في كثير من الأحيان نوع من أهم أنواع العصبية، لا علاقة للدين بها بقدر ما هي تضخُّم للأنا.

النظام الدولي و الصهيونية:

يؤكد العلامة أن الولايات المتحدة التي تدعي أنها المدافعة عن حقوق الإنسان وهي حامية الديمقراطية قد أظهرت مكنون صدرها بأنها مناصرة للصهيونية ومدافعة عنها، لا تخشى من دول المسلمين بفضل اختلافهم واعتمادهم عليها في حفظ أنظمتها، وترفض أي إدانة لإسرائيل. أكد أيضًا أن هذه المزدوجة الموازين قد دمرت العراق بحجة تدمير أسلحة الدمار الشامل، وتتربص بباكستان وإيران للأسباب نفسها، بينما المشروعان النوويان الهندي والإسرائيلي لا يخضعان إلى التفتيش.

وكما تقف أمريكا وحلفاؤها في وجه أي مشروع تسلح لدول مسلمة، فإنهم كذلك يقفون في وجه دخول من ينادون بالإسلام في العمل السياسي، إلا بشروط مسبقة من الالتزام بثوابت تضمن حماية مصالح إسرائيل، وقد رأينا أمثال هذا في تعاملها مع القوى السياسية المصرية، وكيف التزم القادمون الجدد هناك بالمعاهدات والاتفاقيات نفسها التي وضعت في سبعينيات القرن المنصرم لحماية مصالح إسرائيل.

وقد ذكر المدني في مثل هذه المواضع عن الحقوق السياسية، أنهم (أي الأمريكان) لن يتبنوا الدفاع عن حقوق أحد إلا من رضي أن ينبذ الإسلام ويسير في فلكهم مصداقا للآية ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)).

هذه بعض التحديات والموضوعات التي تكلم عنها المدني، والتي تمس الحياة السياسية للأمة الإسلامية، وأرجو أن تسنح الفرصة لكتابة بحث موسع ومفصل امتدادًا لهذا المقال المختصر.

قراءة 719 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل في الجمعة, 19 مارس 2021

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.