الحرب العقائدية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمتنا في هذه الليلة لا تدخل في عرض المحاضرات, وإنما قصدنا بها أن تكون كلمة ننبه فيها إلى أمور تعرض دائماً للجيل المؤمن, ذلك هو التنبيه على ما يفعله أعداء الحركة الإسلامية الإيمانية من دسائس ومن وقائع أو إيقاع بينهم.
وفي الحقيقة فإن الحرب العقائدية دائما تعتمد على الإعلام والإشاعة, والإعلام والإشاعة في غالبه يعتمد على البهت وعلى التشويه؛ أي أن وسائل الحرب الإعلامية في دنيا العقائد المختلفة, والتيارات الفكرية المتضاربة هي دائما محاولة التشويه والإيقاع وإيجاد الاختلاف بين أصحاب التيار الواحد, وهذا الأسلوب ليس من مبتكرات هذا العصر الحاضر, وإنما مر بمراحل متقدمة ومتطورة في هذا التاريخ, بل ربما يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام.
وهذا الأسلوب من الحرب اتخذ صوراً وأشكالاً مختلفة, ومن هذه الأشكال أو من هذه الأساليب إيجاد تيارات فرعية ضمن التيار الديني العام حتى تقوم هذه التيارات الفرعية المختلفة في صراع داخلي فيما بينها, وفتح معارك جانبية تلهي المجتمع المؤمن، وتلهي المؤمنين عن التوجه إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى, وتجعلهم مشغولين بأنفسهم, وفتح هذه الجبهات الداخلية المختلفة أو التيارات الفرعية المختلفة في الغالب يعتمد تخطيطاً خبيثا وهو أن تظهر الفئة التي تريد إيقاع الاختلاف بين المؤمنين بالتمسك بشخصية أو مجموعة شخصيات من المؤمنين, ومحاولة نبذ بقية الشخصيات وذمهم والتشويه عليهم, ويكون التستر على هذه الحالة بالتعصب إلى فئة من هذه الشخصيات.
وهذا الأسلوب أول ما عثرنا عليه في رسائل [بولس]، وبولس هو الذي حرف الديانة المسيحية وأوجد هذه الكنيسة الموجودة في أيامنا, بولس هو أحد الذين ابتكروا هذا الأسلوب الذي سوف أتكلم عنه, ولابد أن أعطي نبذة عنه, بولس كان يهوديا متشدداً ضد تلامذة السيد المسيح, صلوات الله وسلامه عليه وعليهم, وقد استأذن الوالي الروماني في القدس والتي هي أورشليم بقتل آلاف ممن اعتنق الديانة المسيحية في ذلك الوقت, ثم بلغه أن جماعة كبيرة قد اتبعت السيد المسيح في دمشق, فأخذ رسالة من والي أورشليم إلى والي دمشق, ليسلمه الجماعة التي آمنت بالسيد المسيح في دمشق, وفعلاً أصدر له والي بيت المقدس ووالي الناصرة, أصدر له أمراً أو رسالة يحملها إلى والي دمشق, يطلب منه فيها أن يسلم بولس كل الذين آمنوا بالسيد المسيح في دمشق.
هذا الرجل فكّر وهو ذاهب إلى دمشق أن هذا الأسلوب أسلوب القتل وأسلوب التعذيب لن يقضي على الإيمان بالسيد المسيح, ولن يقضي على السيد المسيح, ولن يقضي على المؤمنين الذين آمنوا برسالة السيد المسيح, فكّر في أسلوب آخر, وهو أنه لابد أن يعمل من داخل الذين آمنوا بالسيد المسيح لا من خارج الذين آمنوا بالسيد المسيح,. وفي الطريق وهو يسافر مع القافلة من القدس إلى دمشق, ادعى بأن مَلَكاً قد مر عليه ولطمه على عينه فعمي, وأنه لا يبصر الطريق, وأخذ الناس يقودونه في القافلة إلى حاجته وإلى كل شيء لأنه لا يرى شيئاً؛ لا يبصر شيئاً, إلى أن وصل إلى دمشق, وشاعت هذه المعجزة الكبرى, بأن عدو المسيح وعدو المؤمنين قد جاءه الملاك جبرائيل فلطمه على عينه فأصبح أعمى, فلما وصل إلى دمشق قال لقد جاءه الروح القدس, ومسح على وجهه, فعاد بصيراً وأمره أن يدعو إلى السيد المسيح وأن يؤمن به, فأعلن إيمانه بالسيد المسيح, وتحمس للدعوة أكثر من تلامذة السيد المسيح, الذين هم الروحانيون منهم, يعني الباقي أحد عشر تلميذاً للسيد المسيح, وأصبح متحمساً جدّاً, وأخذ لا يهاب السلطات الرومانية, ولا يخاف الكاهن اليهودي الأعظم, ولا يهاب السلطات الدينية القائمة في ذلك الوقت, متحمساً في الدعوة, فالتفّ حوله جماعة كبيرة من المؤمنين بالسيد المسيح, ورجع إلى بيت المقدس بهذا الحماس وبهذا الإيمان, وادّعى بأن الملاك ينزل عليه وأنه يعمّد إلى السيد المسيح, ونهى عن الختان, ولما اجتمع معه تلامذة السيد المسيح, صارحهم بكل جرأة, إذا كنتم أنبياء الختان فأنا نبي الغرلة, ثم أطلق كلمته المشهورة, كل شيء طيب للطيبين, قالوا له كيف يكون ذلك؟ أين تكون المحرمات الذي ذكرها الله في الناموس، يعني التوراة, وفي كتب الأنبياء وفي غيرها؟ وأحل ذبيحة المشرك وأحل غيرها بعنوان أن كل شيء طيب للطيبين, وطبعاً هذا فيه تسهيل على الناس, وأخذ يدعو الناس إلى ذلك, وكذلك أعلن سقوط العبادات البدنية, من الركوع والسجود وغير ذلك, وأعلن عن سقوط التضحية بالحيوان, وأخذ يحرف في الديانة من الداخل بدل أن يحاربها من الخارج.
هذا الرجل من بعض ما أراد أن يهدم به الديانة المسيحية الحقيقية أنه نهى عن ذكر النبي موسى عليه السلام في الدعوة إلى الله, وقال: لا تدعوا إلى أحد, ادعوا إلى الإيمان بالسيد المسيح فقط, وأخذ يشدد التعصب للسيد المسيح ضد الإيمان بالنبي موسى عليه السلام وبأنبياء بني إسرائيل الآخرين, وكانت حجته هي أن لموسى في كل قرية وفي كل مدينة منبر يدعو إليه, ونحن نريد إنشاء منبر للمسيح, وكأن السيد المسيح وموسى ابن عمران ندّان, وكأنهما ليسا نبيين في ديانة واحدة وهي ديانة الإسلام, ونشأ التشتت ونشأ التفرق بين من يؤمن بالسيد المسيح والنبي موسى وبين من يؤمن بالنبي موسى فقط وبين من يؤمن بالسيد المسيح فقط.
هذه التيارات الثلاثة وجدت في نفس الديانة, وأخذت هذه التيارات تتصارع, ومن أجل التشويه على موسى بن عمران عليه السلام وعلى أنبياء الله الكرام, لا بدّ ن يتشبث بولس بأن يمدح السيد المسيح وغير ذلك.
طبعاً هذا أسلوب خبيث, أمدح هذا النبي لأشتم هذا النبي, ولذلك فإن القرآن احتاط لهذه القضية, قال سبحانه وتعالى: ]آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ[[1]، فالتفريق بين الرسل بأن يدّعي الإيمان برسول دون الإيمان برسول آخر, أو أن يمدح ويثني على رسول ليتكلم أو يشجب رسولاً آخر مخرج عن الإيمان, ومن يفرق بين أنبياء الله ليس مؤمناً.
وهذا الأسلوب أيضاً حتى في داخل الإسلام وحتى في الحركة الشيعية الواحدة, وجد على أشدِّه في الأيام الأولى, مثلا, عندما صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية فإن قسماً من الناس كان يسوؤهم ذلك, لأنهم لا يعرفون الحكمة من وراء هذا, فلما قتل الحسين عليه السلام شهيداً, أبرز أهل النفاق رؤوسهم مثلا بأن يثنوا على الحسين عليه السلام شاجبين موقف الحسن, وقسم منهم يثني على موقف الحسن عليه السلام شاجباً موقف الحسين, بحيث يوجد تياران مختلفان في جسم العقيدة, يتصارعان ويتعصب لكل إمام فريق من الناس, والحال أنهما إمامان, إن قاما وإن قعدا, وأن الإيمان بواحد منهما دون الإيمان بالآخر لا يشكل قاعدة وركيزة إيمانية صحيحة مقبولة, فهذا التيار بقي يعيش حتى زماننا, يقول علي شريعتي مؤسس حركة مجاهدي خلق الإيرانية: إذا كنّا شيعة فنحن حسينيون ولسنا حسنيين.
إذا كان شيعياً لابد أن يكون حسنياً حسينيا وإلا فهو ليس بشيعي, الشيعي لا يكون حسنياً فقط، ولا حسينياً فقط, فإذاً هذا الأسلوب الذي ينتهج خاصة من المنحرفين ممن يتظاهر بالديانة أو بالتدين أو بالدعوة إلى الدين والإسلام هو في حقيقته هدم للدين وهدم للإسلام، والثناء على إمام مع شجب إمام آخر لا يشكل ركيزة إيمانية قويمة، وإنما يشكل انحرافاً عن الشريعة.
مثل هذا الأمر بقي جارياً على مدِّ التأريخ, فالزيدية مثلاً لعبت دوراً كبيراً في استغلال هذه الطريقة عند الناس، فنجد أن الزيدية يثنون على الحسين عليه السلام ليشجبوا الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام, ويثنون على زيد ليشجبوا الباقر ويشجبوا الصادق عليهما السلام، والحال أن زيداً ليس من الأئمة المعصومين, يعني لم يكن داخلاً في ركائز الإيمان, الإيمان بزيد ليس داخلاً في ركائز الإيمان, وإنما الذي يدخل في ركائز الإيمان هو الإيمان بالباقر والصادق عليهما السلام، ومع ذلك نجد أن الزيدية في ذلك الوقت بسبب الإشاعات التي أطلقتها كادت أن تزعزع كثيراً من الشيعة عن مستقر إيمانهم بالأئمة عليهم الصلاة والسلام؛ من أن الصادق قد أرخى عليه ستره وأنه هادن الظلمة وأنه وأنه إلى آخر ما هناك, حتى أن بعض المخلصين من الشيعة مثل زرارة بن أعين – رحمه الله- جاء يسأل الإمام الصادق عليه السلام: ما تقول في قبول الولاية من هذه الدولة الظالمة؟ وكان يريد أن يأخذ منه تصريحاً بأنه يقول أن ذلك حرام كأنما يريد أن يدافع ضد الإشاعات التي يطلقها الزيدية ضد الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه؛ لكن الصادق سكت عنه ولم يجبه بكلمةٍ واحدة، ولما دخل محمد بن مسلم وغيره من ثقات الشيعة قال: ماذا يريد زرارة مني؟ هل كان الشيعة يسألون هذا السؤال؟! إنما كانوا يقولون يُدخل في عملهم ويؤكل طعامهم وتُقبل هداياهم وما كانوا يسألون في هذا السؤال، والإمام عليه السلام لا يمكنه أن يتنازل إلى أن يدفع الإشاعة التي توجه ضده بشيءٍ يمس جوهر الدين ويمس مصلحة التشيع والشيعة في نفس الوقت، زرارة رضوان الله عليه حرصاً منه على شخصية الإمام كان يريده أن يجيب بهذا الجواب حتى يدفع عنه هذه الإشاعة، وهذا الأسلوب استخدمه الواقفية أيضاً ضد الشيعة القطعية، الواقفية هم الذين وقفوا على موسى بن جعفر صلوات الله وسلامه عليه، والقطعية هم الذين قطعوا بموته، وطبعاً حاول الواقفية بشتى الطرق تشويه سمعة الإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه بأنه قد دخل في سلطة العباسيين، وأنه أصبح ولي عهدهم، وأنه وأنه إلى آخر ما هناك.
ومن يقرأ تاريخ الرجال وما تنقل منهم من كلمات خاصةً علي بن أبي حمزة البطائني عليه ما عليه وأصحابه، هؤلاء قاموا بحملةٍ تشويهيةٍ كبيرة ضد الإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه في هذا المجال.
وبالطبع فإن هذا المجال لم يقتصر في التشويه على الأئمة فقط، وإنما أيضاً شمل العلماء الذين يسيرون بطريقتهم وشمل العلماء الذين يقولون بمقالتهم، فيثنى على هذا العالم ليُشتم ذلك العالم، يثنى على محمد بن مسلم ليشتم زرارة، ويثنى على زرارة ليشتم محمد بن مسلم، وكأن زرارة ومحمد بن مسلم يمثلان تيارين مختلفين في الدين؛ لا أنهما تلاميذ إمامٍ واحد وكل منهما قد ائتمن على سر الإمامة، ولا بد أن أشرح للأخوة الشباب معنى الائتمان على سر الإمامة، تمر فترات على الشيعة تكون فترات عصيبة جداً لا يتمكن فيها الإمام أن يخبر بالإمام الذي سيكون بعده وعندئذ يجعل هذا سراً عند الثقات الثقات جداً من الشيعة، فإذا زالت هذه الظروف يقوم هؤلاء بإبراز السر، ويسمى هذا السر سر الإمامة، وفي أيام الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه كان الإمام الصادق عليه السلام لا يتمكن أن يخبر الناس بمن يكون الإمام من بعده، ولو علم أبو جعفر المنصور بمن يكون الإمام بعد جعفر الصادق لأمر بقتله فور موت الصادق، فالإمام الصادق عليه السلام ائتمن هذا السر عند أفرادٍ معينين منهم محمد بن مسلم الثقفي، ومنهم زرارة بن أعين، ومنهم المفضل بن عمر الجعفي، ائتمنهم على سر الإمامة، وكتب في وصيته أنه عليه الصلاة والسلام يعهد بالأمر إلى عدة أشخاص منهم أبو جعفر المنصور، وقاضي المدينة ابن أبي ليلى، ووالي المدينة، وابنه عبد الله وابنه موسى بن جعفر، وزوجته أم عبد الله، وتوفي الإمام الصادق عليه السلام وأبرد والي المدينة إلى أبي جعفر بأن جعفر بن محمد قد توفي فرجع البريد فوراً: انظر وصيه واضرب عنقه وأرح الناس، فجاء والي المدينة وطلب وصية الإمام الصادق عليه السلام فدفعت إليه في ظرفٍ مختوم، ففضها وقرأها، فتحير من يقتل ومن يدع، فكتب إلى أبي جعفر مسرعاً لقد تعدد أوصياء جعفر بن محمد، ومنهم أنت وأنا وفلان وفلان وفلانة فانظر ماذا تأمر يا أمير المؤمنين، فكتب: ليس إلى قتل كل هؤلاء سبيل، طبعاً بسبب أن الإمام الحقيقي لم يعلن عنه برز كل من في نفسه حب الزعامة والرئاسة، فادعى عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق عليه السلام الإمامة، وفتح مجلسه، وأيده أيضاً بعض الناس وبعض تلامذة الصادق ممن لا عقل لهم كافٍ وغيرهم، والتفّ به الناس يبايعونه بالإمامة ويقتدون به، لأن الناس تذهب إلى العلماء، والعلماء ساكتون، ذهب أهل العراق إلى زرارة وقالوا له: يا زرارة من هو الإمام بعد الصادق عليه السلام، قال: دعونا نشكل وفداً نرسله إلى الحجاز لينظر ماذا يكون، وشكل وفداً برئاسة ابنه وأرسل هذا الوفد إلى الحجاز ولم يفصح عن سر الإمامة، مرض زرارة ووصل إلى حد الموت، وقال الشيعة هذه فرصة نذهب إليه ونسأله على إمامة من تموت يا زرارة، فذهبوا إليه وهو مريضٌ جداً، فقالوا له: يا زرارة إنك مشرفٌ على الموت فأخبرنا على إمامة من تموت، فقال: آتوني بالمصحف، فجاءوا له بالمصحف، فقال: ضعوه على صدري، فوضعوه على صدره، فقال: أموت على إمامة من يشهد هذا المصحف بإمامته، بطبيعة الحال هذا الرجل الذي يؤتمن على سر الإمامة لو فتح أحدكم كتب الرجال ونظر ما قال فيه بعض الناس وما اتهموه به حتى أوصلوه والعياذ بالله حتى إلى شرب الخمر والفاحشة وغيره لتعجب.
طبعاً الذي فعل هؤلاء ليسوا هم ثقات الشيعة وليسوا هم خيار الشيعة؛ وإنما المنحرفون المندسون في الشيعة من زيديةٍ أو غيرهم، فمثلاً يمدحون محمد بن مسلم ليشتموا زرارة بن أعين، وقسمٌ آخر منهم يمدح زرارة بن أعين ليشتم محمد بن مسلم، والمفضل بن عمر الجعفي هذا من خيار الناس، وكان وكيلاً للإمام الصادق عليه السلام في الكوفة، بل في العراق كله، ومن المؤتمنين على سر الإمامة أيضاً، ولو نظرت ماذا قال عنه المندسون في حركة التشيع وفي حركة الإيمان لوجدت شيئاً فظيعا.
فهذا الأسلوب من الحرب ومحاولة التفرقة بين المؤمنين ليس أسلوباً مستحدثاً، وإنما هو وسيلةٌ يستغلها أعداء الدين منذ أقدم الأزمان، وكذلك في زماننا تجد أن الناس قد حولوا العلماء كأصنام، وحولوهم كأحزاب يتعصبون لهم، فهذا يتعصب لهذا الفقيه ويشتم بقية الفقهاء، وهذا يدعو إلى هذا الفقيه ولا يرى تقليد سائر الفقهاء، هذا في الحقيقة تفرقة بين المسلمين، وتضييع للوقت بين الفئة المؤمنة، بل حتى في البلد الواحد تجد أن كثيراً من المؤمنين إما عن غفلة أو لأن هناك من يندس بين المؤمنين ويغريهم، يتشددون ويتعصبون لفرد من علماء تلك البلد مثلاً ويتسترون به في شتم بقية العلماء، أو التهوين من أمرهم أو غير ذلك, وعندئذ يتشاجر أنصار هذا العالم وأنصار هذا العالم، ويصبح الصف المؤمن صفوفاً متعددة, وتنفتح بينهم معارك جانبية, ويتحولون من شيعة واحدة إلى شيع مختلفة.
إذن هذا الأسلوب ينبغي التنبه له لأنه لا يمكن مثلاً القبول بإسقاط سائر العلماء بالدعوة إلى عالم واحد, فإذا كنت تريد أن تمدح زيداً امدحه, ولكن مدح زيدٍ لا يتوقف على التهوين من أمر عمرو, الثناء على المسيح عليه السلام لا يستدعي التهوين من أمر موسى عليه السلام, ومدح الحسين عليه الصلاة والسلام لا يستدعي التهوين من أمر الحسن عليه السلام, ومدح الحسن عليه السلام لا يستدعي التهوين من أمر الحسين عليه السلام وتخطئته, وكذلك سائر الفقهاء، والعلماء سواء كانوا فقهاء أو غير فقهاء إنما هم جميعاً يحملون رسالةً واحدة، وكلهم يعملون من أجل هدفٍ واحد، وهو نشر الدين وسيادته, والتهويل عليهم أو التشويه على أحدٍ منهم هو في الحقيقة زعزعة في الصف المؤمن, ومحاولة لإيجاد تياراتٍ مختلفةٍ في التيار الديني الواحد, وهذا ينبغي على الشباب أن يكافحوه ولا يرضوه.
ومن هذه الأساليب الخبيثة أيضاً، وهي قديمةً ولا أريد أن أرجع إلى تاريخ الأسلوب الثاني كما ابتدأت بتاريخ الأسلوب الأول, هو أسلوب الإيقاع بين المؤمنين, كيف يكون أسلوب الإيقاع؟
طبعاً هذه سياسة تستعملها حتى الدول, أسلوب الإيقاع أو أسلوب [فرق تسد], سياسة تستعمل منذ القدم، لا في خصوص التيارات الدينية بل حتى في التيارات العلمانية وأمثالها, وهو التفرقة بين أهل البلد الواحد أو الصف الواحد أو الفكر الواحد أو المذهب الواحد، وجعلهم فرقاً متشتتة, إما باختلاق الأكاذيب بأن يكذب على أحدهم بأنه قال كذا فيثور عليه الطرف الآخر كيف قال كذا, وإما باستغلال بعض الأشياء التي تقع ولا تكون مقصودة وتستغل استغلالاً سيئاً ويفرق بها بين المؤمنين, أضرب مثلاً: بعد الثورة الإيرانية يقال إن عائلة الشاه قد زارت النجف الأشرف، وأن زوجة الشاه التقت بالسيد الخوئي أيده الله, يقال ذلك, بل إنه حتى لو حصل هذا, ماذا يقدح في السيد الخوئي أن زوجة الشاه جاءت ودخلت عليه؟ واستغل هذا الأمر غير المقصود، إن كان قد وقع و هو غير مؤكد، وأضرمت نار الفتنة بين من يتبع السيد الخوئي أيده الله وبين من يتبع الإمام الخميني رحمه الله وقدس سره مثلاً, والحال أنه لو عرض الأمر على الإمام الخميني قدس سره لقال إن هذا الأمر لا يوجب شيئا, ولكن استغل في صفوف الناس استغلالاً سيئاً، وامتدت بعض الألسن التي لا تعقل أي طرفيها أطول ونالت من السيد الخوئي أيده الله، وطبعاً لابد أن يكون أيضاً في جماعة السيد الخوئي جهلة لا يعرفون كيف يعالجون الموقف، فيمدون ألسنتهم في الطرف الآخر، وهكذا يتفرق الصف الواحد.
طبعاً الحادثة الواقعة لو فرضنا أنها وقعت, أولاً أنها لا تؤثر ولا تقدح في العدالة, ولو فرضنا أنها تؤثر وتقدح في العدالة لكان ينبغي أن يؤخذ لها مأخذٌ أو ألف محمل أنها غير مقصودة, وأنها وقعت عفواً, أو أنه فوجئ بدخولها وإلى غير ذلك من الوجوه، ويقول النبي صلى الله عليه وآله: "احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير ثم تأول له", يعني لو أن السبعين محمل من الخير انتهت ولم تجد محملاً فأنت من نفسك تأول له, نحن لا نفعل ذلك، وإنما نشدد على ما يقع اتفاقاً أو غفلةً أو خطأ ونجعله وكأنه كبيرةٌ من الكبائر التي لا تغتفر.
هذا الأسلوب أيضاً يستعمل على مدى التاريخ, وأنا ضربت به مثلاً واحداً لأن الوقت لا يتسع, وأريد أن أنبه على شيء وقع هنا في البحرين.
طبعاً عندما ابتلينا بأن بعض من كان يعز علينا جداً أن جاءهم شخص لا أدري كيف تمكن من إقناعهم بفكرة باطلة هم أعلم الناس ببطلانها دينياً وقبلوها, وبعد الصبر عليهم أربع سنوات أو أكثر من النصح والتوجيه سواءً يوم كانوا داخل السجن بتوجيههم أو بعد أن خرجوا بالجلوس معهم وغير ذلك واضطررنا إلى الكلام عنهم, بلغنا أن بعض الناس ذهب إلى البلاد الشامية يدعو إلى الفكرة, فكان لابد من تنبيه العلماء الذين هم في البلاد الشامية عن وجود هذه الفكرة وما جرى أو تطورات الموقف الذي حصل في البحرين بين العلماء هنا وبين أفراد هذه الفئة, فكتبت موجزاً بطبيعة الحال في بداية الاجتماع الذي حصل بين العلماء وبين عبد الوهاب مع اثنين من مرافقيه, ويبدو أن هناك كلمة قالها أحد العلماء أيده الله في مقام الجدل معهم, أو هم قالوا له فأقرها جدلاً, وفي أثناء التقرير أنا أوردت هذه الكلمة, وبعد ذهاب التقرير, نفى الشيخ أن يكون قد قال هذه الكلمة في السابق, وقال إنما قلتها ذلك اليوم عندما قالوا هم إنك قلت لنا أمر المولى مطاع, فقال قلت لكم أمر المولى مطاع لا يعني أنني أؤيدكم أو أنني رضيت بذلك, وإنما أنا في البداية أخذت الأمر على أنه عبث أطفال لا يلبث أن ينتهي, وقال إنني قلتها جدلاً يعني عند المجادلة معهم ولم أكن قد قلتها سابقاً.
طبعاً هذه الكلمة قد كتبت في التقرير الموجز الذي أرسل للبلاد الشامية, ولم يمكن تلافيها يعني وإزالتها من التقرير لعدم وجود الاتصالات الدائمة أو وجود الشخص الذي طلب الموجز لينقله إلى هناك لنحمله تصحيح الموضوع في البلاد الشامية.
وقبل أربعة أشهر من الآن أي بعد ثلاث سنوات من كتابة الموجز اتصل بي شخصٌ عن طريق الهاتف سمى نفسه [محمد علي عبد الله الديري], لا أعرفه ولا أدري هل أن هذا الاسم حقيقي أو وهمي, قال إنه جاء من سوريا وأنه وجد هناك موجزاً قد وقعته يتداول بين العلماء في سوريا وأنه جاء بنسخة منه وأن فيه هذه اللفظة وأن الشيخ فلان يذكرها, قلت له نعم, هذا صحيح ولكن سوف يعدل الموقف, فقال هل أنشر هذا الموجز في البحرين؟ قلت له لا, لا تنشره لأنه لم يكتب لأهل البحرين، وأن الأمور الموجودة عند أهل البحرين فيها تفصيلات أكثر مما هو مكتوب في هذا الموجز.
بعد ثلاثة أشهر عاد هذا الشخص واتصل بي وقال إنني ذهبت إلى الشيخ فلان وأريته الموجز فقال إنني لم أقل ذلك أبداً في أي مقام من المقامات, وأنا مستعد لأن أباهل من يدعيه, فقلت له يا أخي أنت ماذا يعنيك من هذا الأمر؟ وما هو غايتك منه؟ وقلت لك إنني سوف أحل الموضوع مع الشيخ المذكور, وعندما اتصلت بالشيخ قال إنه كذاب لم يأتني ولم يطلعني على الموجز, وإنما اتصل بي بالهاتف وقال لي إن في الموجز كذا وكذا, وقد أخبرته بأن فلاناً لا يعقل أن يكذب علي ولكن يحتمل أن أكون قلت هذه الكلمة في مقام المجادلة وهو أخذها على نحو الجد وكتبها.
على أي حال, هذا الرجل على الرغم من أنني أخبرته بأن يترك الموضوع وأنه لا دخل له فيه, اتصل بي قبل أسبوع شخص أيضاً لا أعرفه يقول إنه من القدم، وقال إنه وجد هذا الموجز موزعاً, في أحد المساجد في قرية الدراز, وبطبيعة الحال قد لا يكون ذاك الشخص حقيقياً, وقد لا يكون من يدعي أنه من القدم من القدم, على أي حال قلت له إذا وجدته في أي مسجد فاسحبه ومزقه لأنه ليس معداً للتوزيع أو غير ذلك.
من أجل ذلك وجب أن أنبه الجميع على هذا الموضوع وهذا إنما هو في الحقيقة جارٍ في مسار التفرقة بين الصف المؤمن, طبعاً الشيخ لم يتأثر علي، وأنا لا أتأثر عليه، وكل منا يعرف الثاني تماماً, ولكن أحببت أن أنبهكم لأن عادةً الناس من غير العلماء هم الذين يتأثرون ويتجادلون، وينشق بذلك الصف المؤمن, في الحقيقة أن الشيخ لم يقل إنه لم يقل لهم مطلقاً إن أمر المولى مطاع, وهو ينكر ذلك إنكاراً تاماً, ويقول إنما جاريتهم في ذلك اليوم من باب الجدل بأنني حتى لو قلتها فهل يعني ذلك تأييداً أو إغراءً أو غير ذلك؟ وإنني لم أقلها مطلقاً, فلذلك وجب أن أنبهكم على ذلك‘ وأن تعرفوا المغرر به فتنبهوه أو الذي يدس نفسه في صفوف الفئة المؤمنة للتفرقة بينها أو التشويه على أفرادها فتوقفوه عند حده.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
* محاضرة للشيخ سليمان المدني في 1 شهر رمضان 1411هـ
[1] البقرة: من الآية285
