بين منطقين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
جاءني وهو يقول إن شابا قال له إنه عندما قرأ الكلمة الأولى التي ألقيت هنا قبل أسبوعين، وكان يعيش في ضمن مجموعة أو باصطلاحهم في الوقت الحاضر (شلة)، تأثر نفسيا بالتأويلات التي أعطيت لها، ولكنه عندما قرأ الكلمة التي ألقيت في الأسبوع الماضي وبينت بعض ما حاول بعض المغرضين التشويه به اطمئن إلى ذلك، فحاول نقل اطمئنانه إلى المجموعة التي هو فرد منها، ولما أخذ الكلمة الثانية إلى تلك المجموعة ليقرؤوها أو ليسمعوها، ثار كبير المجموعة صارخا فيه لا نريد أن نسمع، لا نريد أن نقرأ، وأخذ يصرخ في وجهه ويجلب عليه.
طبعا كان صاحبي متعجبا من هذا الموقف، أما أنا فلم أتعجب. لم أتعجب من هذا الموقف مطلقا، لأنه هو الموقف الملائم لنفسية مثل هذه المجموعات، فالقرآن الكريم يعكس لنا منطق المجموعات التي تبني أمورها على الكذب، وعلى التشويه، وعلى عدم اعتماد الحقائق. يقول سبحانه وتعالى عن جهلة قريش -أي زعمائها- إذ يقولون لمن معهم: ]لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[[1].
بطبيعة الحال إن أبا جهل ومن شاكله في قريش، لو سمحوا لفتيان قريش أن يسمعوا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله، لفلج منطقهم، فمنطقهم يقوم على تزوير الحقائق، منطقهم يقوم على إطلاق الشائعات التي ليس لها أصل، أما منطق الصواب، منطق الحق فيقوم على الحقائق المدعومة.
ومن أجل ذلك، لا يستطيع المنطق الذي يقوم على الكذب والافتراء وإطلاق الشائعات التي لا أصل لها أن يواجه المنطق الذي يقوم على الدلائل والوقائع المدعومة، هذا لا إشكال فيه، ومن أجل ذلك، فكل المجموعات التي يعتمد منطقها، ويعتمد أسلوبها على الكذب والتزوير وإطلاق الشائعات، لا تستطيع أن تواجه المنطق المدعوم بالحقائق والوقائع، ومن أجل ذلك هي لا تريد لمن هم لا يزالون معها أن يستمعوا قولا آخر يخالف ما يقولون.
هذه المجموعات تربي من يكون معها وعادة تعمد إلى اليافعين من الشباب الذين لا تزال قلوبهم طرية، فترسل إليهم شخصا مدربا نوعا ما على كسب صداقات هؤلاء الناس، ليعزل جماعة منهم عن بقية الشباب، يعرفون عادة في الوقت الحاضر بأنهم [شلة فلان]. ثم يبقى يخاطب قلوبهم لا عقولهم، يخاطب قلوبهم بالأكاذيب، يخاطب قلوبهم بملئها بالحقد على زيد أو عمرو أو بكر أو خالد ممن لا يعجبهم، ويحاول بكل جهد أن لا يلتقي أحد من هذه المجموعة بأناس يختلفون في الرأي وفي المنطق معه. نعم هو يعمل زيارات لمجموعته إلى مجموعات أخرى في قرى أخرى، في مدن أخرى حتى لا يستوحشوا عن العزلة، لكن لا يسمح لأحد منهم أن يختلط أو يسمع رأيا آخر، عندئذ تتركز هذه الشائعات وهذه الأكاذيب في نفوسهم لكثرة ما تردد عليهم، ويصبحون لا يفهمون إلا هذا المنطق، لا يعون إلا هذا النوع من الكلام. يقول سبحانه وتعالى وهو يقص قضية شعيب مع قومه: ]قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ[[2].
انظروا.. منطق عصري يقصه القرآن عن قوم قبل أكثر من خمسة آلاف سنه، منطق يعيشه الناس هذا اليوم، ]مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ[. صحيح أنهم لا يفقهون كثيرا مما يقول، ذلك لأنه بكثرة ما ركز على ملئهم بأسس مخالفة للواقع، أصبحوا لا يتمكنون من فهم المنطق الآخر، لأن هذا المنطق يخالف قضايا هي في نظرهم مسلمات لا تقبل الجدل، هي في نظرهم حقائق لا تحتمل الشك.
طبعا أنت إذا سمعت منطقا يخالف المسلمات التي عندك، يخالف الحقائق التي قامت في نظرك، لا تفهم ذلك المنطق، ]وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ[. لأن أصحاب هذا المنطق الذي لا يقوم على الواقع ولا يقوم على الحق، لا يستطيع أن يقابل المنطق الآخر، فلا يستطيع أن يأخذ ويعطي معه، لا يستطيع أن يحاوره، فيعمد دائما إلى أسلوب التهديد.
]وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً[. إذن الاعتماد إنما هو على القوة، والاعتماد إنما هو على التهديد، فمادمت تخالفنا نهددك، نفعل كذا، نصنع كذا، نعم إذا كان هناك رادع، وإذا كان له قوم يُخشى أن يدفعوا، يخشى أن ينتقموا يتوقف التهديد.
]وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ[ هذا المنطق ليس جديدا، منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، النبي شعيب من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من نسل مدين، ومدين هو ابن إبراهيم، إبراهيم له أربعة أولاد، أبونا إسماعيل وعمنا إسحاق وعمنا مدين وعمنا مدان، إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، ومدين ومدان من زوجة تسمى قطورة، وشعيب هذا نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، والذين جاء إليهم هم من قومه، هم من أهله، كلهم من مدين، ولكن كان المنطق المنحرف قد أبعدهم عن ملة إبراهيم، جعل لهم مسلمات لا ينظرون الحياة إلا من خلالها.
ولا إشكال أن المسلمات تحدد زاوية النظر، فإذا حددت زاوية النظر لا يمكن أن يرى الإنسان شيئا إلا بلونها وبمقدارها، فلو أخذت لك نظارة زرقاء ووضعتها على عينك لرأيت الدنيا كلها زرقاء، ولو وضعتها حمراء لرأيت الدنيا كلها حمراء، المسلمات هي نظارات على الفكر، وعلى العقل، فإذا لم تكن تلك المسلمات مبرهن عليها، تلون لك الفكر، فلا ترى الدنيا، لا ترى الحق إلا بهذا اللون، وعندما يختلف اللون لا يمكنك أن تراه صحيحا، فتتهم نفسك بأنك مصاب بعمى الألوان، والحال أنك صحيح النظرhأ ، تأمل زجاجة نظاراتك أهي صافية أو فيها لون، فإذا كانت الزجاجة صافية ورأيت الأبيض أزرق أو الأبيض أحمر أو غير ذلك فعليك أن تذهب إلى الطبيب، وأما إذا كانت ملونة فنظرك صحيح، والذي جعلك ترى خصوص هذا اللون وأن ما يخالفه ليس بصحيح هو نظارة وضعتها على عينيك، كذلك المسلمات التي تقبلها من دون دعم ببرهان، ومن دون أن تدعم بالواقع تجعل لك نظارة غير واقعية وغير حقيقية، وتريك الدنيا بهذا اللون.
هذه المسلمات هي نظارات الفكر، فإذن ]مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ[.
وإذا بقي الإنسان يعيش ردحا طويلا في منطق كهذا المنطق، يعتمد على ملء القلوب بالحقد، ويملأ فكره بمسلمات معينة، تحدد زاوية نظره، وتقوم عنده حواجز نفسية غليظة بينه وبين من يدعوه إلى فكر آخر أو يدعوه لمجرد التأمل في مسلماته، ماذا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله؟ ]قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ[[3]. قلوبهم في أكنة، هذا صحيح، فالحقد الذي ملئت به قلوبهم عليه صلى الله عليه وآله جعلتهم يقبلون الدعايات المغرضة ضده، وجعلتهم غير مستعدين أن يسمعوا شيئا من دعوته، ويزنونها بميزان المنطق، بالميزان السليم، فلذلك نشأت بينهم وبينه الحواجز النفسية ]وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ[.
]قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ[, لا نريد أن نسمع شيئا مما تقول، بل لا نتمكن أن نسمع شيئا مما تقول، إذا سمع أحدهم الآية من القرآن، يثور ويزمجر ويشتم، ويلعن ويصخب، لأنه لا يتمكن أن يسمع شيئا مما يقول, ]وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ[، حاجز نفسي غليظ نعيشه، يحجبنا عنك ويفصل بيننا وبينك، ]فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ[، عندئذ يتحجر الفكر، ويتحجر القلب، - ما لم يتدارك الله سبحانه وتعالى الإنسان برحمته - لكثرة ما يعيش منطقا معينا خاصا لا يحاور من يخالفه فيه تتكون عنده رواسب نفسية ضد من يخالفه، وتصبح عنده تلك الأكاذيب حقائق، وتلك الشائعات مسلمات، وماذا يزيل الحاجز النفسي إذا قام بين شخصين أو بين فئتين؟
أنا لم أستغرب من أن يحدث هذا بعد مضي مدة تزيد على العشر سنوات تزرع الكراهية ويبث التشويه، وتطلق الأكاذيب والشائعات ضدي، لكن منطقي يختلف عن هذا المنطق، إنني أتبع منطق القرآن، إنني أقول كما يقول سبحانه: ]فَبَشِّرْ عِبَادِ & الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[[4].
الإنسان لا ينبغي أن يكون إمّعة يصدق كل ما يقال له، عليه أن يبحث عن البرهان، وعليه أن يسأل عن الدليل، وعليه أن يتحرى الواقع، ولا مانع أن يسمع الإنسان من أطراف مختلفة، ويحاور فئات متباينة ثم يبني موقفه ويبني فكره على ما قام عليه البرهان، عندئذ ستتضح له الحقيقة، وسيعرف الصدق من الكذب، هذا هو منطق الإيمان، لا أن تزرع الحواجز النفسية بين إنسان وإنسان.
]فَبَشِّرْ عِبَادِ & الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[، إذن إذا أراد الإنسان أن يبني نفسه بفكر صحيح وبمنطق صحيح، عليه أن لا يقوقع نفسه. هناك منطق غريب استعمله أهل الباطل ويستعمل اليوم، يقولون للمسلمين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله إنكم قوم متعصبون مغرورون بدينكم تصدقون كل ما يقول محمد، ]إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ[[5]، وينسون أنهم ينهون أتباعهم، أن يسمعوا آية واحدة من قرآن محمد، ويتهمون أصحاب محمد بالتعصب، أصحاب محمد يذهبون إليهم ليحاوروهم، ماذا تكون النتيجة؟ الضرب، التهديد، الصخاب، الصراخ، العراك، ومع ذلك يقولون أنتم متقوقعون في تصديقكم محمد.
هذا المنطق نعيشه اليوم، كان شخص من الأشخاص دائما يقول إن أهل جدحفص فاقدوا الوعي متقوقعون، لأنهم كل ما يقول فلان يصدقونه، سمعه شاب يقول هذا الكلام فذهب إليه في مكان عام وسأله، قال له: فلان له جماعة؟ قال نعم، قال هل يقبلون منه كلما يقول؟ قال نعم، قال فلان له جماعة؟ قال نعم، يقبلون منه كلما يقول؟ قال نعم، فلان له جماعة؟ قال نعم، يقبلون منه كلما يقول؟ قال نعم، قال لماذا لم تنعتهم بالمتعصبين ولم تنعتهم بفاقدي الوعي ولم تنعتهم بالمتقوقعين؟ قال لا، أولئك يعطون فكرا نيرا وليس كفلان.
إذن ما هذا المنطق يا أخي؟ هؤلاء جماعة يأتون ليحاوروك، أنت ترفض حوارهم، ومع ذلك تتهمهم بالتعصب، وتنسى نفسك أنك تخيف الناس من محاورة الجماعة الأخرى وتبعدهم عنهم، وعن سماع كلامهم ومنطقهم، تنسى نفسك من التعصب، تماما كمنطق أبي جهل وأبي سفيان في ذلك الوقت الغابر. هذا هو عين المنطق لم يتغير، من أول الزمان إلى آخره ]سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً[[6].
الحق سيقوم على البرهان، والخطأ لن يتولد إلا من الخطأ، عندما تكون مقدمتا القياس صحيحتين لابد أن تكون النتيجة صحيحة، وعندما تكون إحدى مقدمتي القياس باطلة، لا يعقل أن يتوصل إلى نتيجة صحيحة، فالنتيجة تتبع أخس المقدمتين.
نصيحتي للشباب، أن لا يرضوا بقوقعة أنفسهم وقبول إشاعة، وقبول أكذوبة دون البحث عنها وعن حقيقتها من أي إنسان كان، ومن أي فئة كانت، ومن أي جماعة كانت. إذا سمعت خبرا ضد زيد أو عمر، عليك أن تتحرى الصدق فيه، عليك أن تعرف ما يقال وما يدور، وهل هذا صحيح، وهل هو أمر واقع، المغرض أحيانا يأخذ شيئا له أصل ولكنه يحور ذلك الأصل، يضخم الموضوع. حتى إذا كان للموضوع أصل، عليك أن تبحث عن التفاصيل، لا ينبغي قبول إشاعة من دون تتبع. نصيحتي إلى الشباب أن لا يجعلوا لعقولهم ولأفكارهم زوايا حادة ضيقة لا ترى إلا حيزا ضيقا من الوجود، أو يحجبوها عن رؤية الواقع بما يضعون عليها من عصائب حاجبة للرؤية أو نظارات ملونة للحياة، فيصبحوا مسيرين وهم يظنون أنفسهم أحرارا، ويصبحوا جهلة وهم يحسبون أنفسهم مطلعين.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
* محاضرة للشيخ سليمان المدني في ليلة الثلاثاء 3/7/1995م بجامع جدحفص
[1] فصلت: من الآية26
[2] هود: من الآية91
[3] فصلت: من الآية5
[4] الزمر: من الآية17- من الآية18
[5] الأنفال: من الآية49
[6] الفتح:23
