almuhadhrat

التوغل في الدين بالرفق واللين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

من صفات المؤمن التأني في الأمور، والرفق بها حتى يمكنه أن يتوصل إلى الحق، وحتى لا يُحدث فساداً في حين أنه يريد الصلاح. وهذه الصفة ينبغي أن تلازم المؤمن في كل مسألةٍ يعالجها، سواء كانت هذه المسألة مسألة علمية، أو مسألة عقائدية، أو مسألة اجتماعية، فإنه إذا ما أخذ الأمور بالرفق، وأخذ الأمور بالتأني، فلا إشكال أنه من جهة يكون قد أدى ما وجب عليه من قبل الله في السعي ومحاولة الإفادة، ومحاولة الإصلاح، ومن جهةٍ ثانية أنه لم يتسبب في إفساد شيء، أو كسر مؤمن، أو الإضرار بمؤمن.

والنبي صلى الله عليه وآله كثيراً ما كان يوصي أمته بالرفق، "إن هذا الدين صعبٌ مستصعب فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا غايةً وصل". وهذا الحديث الشريف ينبغي أن يكون نبراساً، ومن أجل ذلك نجد أن الذين يغالون كثيراً في ناحيةٍ من النواحي نجدهم بعد سنين قد انقلبوا إلى  عكس ما كانوا عليه، فالذي يلازم الصلاةَ بكثرةٍ [يعني الصلاة المستحبة] بكثرةٍ تزيد عن ما جرت عليه العادة وهو يريد أن يشغل وقته في آناء الليل وأطراف النهار بالصلاة من دون أن يراعي قدرته النفسية -لا أقول الجسدية- ولكن قدرته النفسية وإقباله القلبي على ممارسة هذه العبادة، فإنه بعد سنين قد يؤدي به الحال إلى ترك النوافل الراتبة، هذا إذا كان حظه حسناً، وإلا فقد ينقلب إلى عكس ما كان عليه بحيث يستهزئ بالمصلين ولا يقيم الصلاة ....

وحتى في تبني الأفكار نجد أن من يتشدد ويتعصب تعصباً أعمى لفكرةٍ معينة أو لجهةٍ معينة، نجده بسبب الإيغال وعدم أخذ الأمور بالرفق، قد ينقلب إلى عكس ما كان عليه من تلك الفكرة، وأذكر مثلاً شهدته في النجف الأشرف، فقد كان معنا في النجف الأشرف شاب أهوازي أحياناً يحضر للدراسة, وإلا فلا يمكن أن يقال عنه إنه طالب علم، ولكن أحياناً يحضر للدراسة، هذا الرجل يلبس الغترة والعقال والثوب والعباءة، ولم يرب له لحية في يوم ما، كان حليق اللحية، وكان أحد طلاب العلم من السادة كلما مر عليه بصق في وجه لأنه حليق اللحية، فقيل له: يا سيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون بهذه الدرجة، فيصيح قائلاً: [هذا الخبيث هذا الكلب هذا اللعين، يحسب على طلبة العلم وهو حالق لحيته] ويتشدد عليه تشدداً كثيرا. ومضت الليالي والأيام فوجدنا في السوق دكاناً جديداً يعمل له ديكور، وقد كتب عليه اسم السيد المحترم وأنه بوتيك للنساء، ولم نصدق و‍‍‍‍‍‍قلنا ربما يجلس فيه أحد غيره؟ ولا يعقل أن هذا السيد سوف يجلس ليبيع الثياب الداخلية للنساء، لكن فعلاً وجدنا السيد يبيع الثياب الداخلية للنساء، قلنا لصاحبه: إن صاحبك الذي يعيبك لحلق اللحية هو الآن يبيع في البوتيك للنساء، قال: لا لن أذهب إليه الآن، سأنتظر فإنه سيصل إلى حد أكبر، بعد أيام حلق السيد لحيته، لكن بقيت العمامة والجبة، ومضت بعض الأشهر، فوجدنا السيد قد لبس اللباس الإفرنجي، عندها اكتفى صاحبنا بأن مر عليه، وقال له : باللهجة الإنجليزية [هلو], ولم يكلمه بأكثر من ذلك.

بطبيعة الحال الإنسان يتقلب بين الالتزام والفسق وبين الفسق والالتزام، وما لم يصل الذنب الذي يرتكبه الإنسان إلى الكفر بالله والارتداد عن الدين، أو الشرك فباب التوبة مفتوح، لكن ذلك الرجل بقي إلى أن أذن الله بالتفرق من النجف وهو على ما هو عليه, لم يزد في سلوكه ولم ينقص، يقوم بالصلاة والصوم وغير ذلك إلا أنه لا يربي اللحية، وهذا السيد الذي كان متشدداً لهذه الدرجة، وجدناه فجأةً ينقلب إلى درجةً ليتها كانت مجرد حلق اللحية، لكانت المسألة تهون كثيرا عما وصل إليه، والسبب في ذلك أنه في الحقيقة غالب الدين، يقول النبي صل الله عليه وآله: "ما غالب هذا الدين رجلٌ إلا غلبه"؛ لأن الأوامر والنواهي الإلهية كثيرة جداً، ولا شك أن العمل المخلص، العمل الذي يكون بإخلاص في طاعةً الله، يجر الإنسان إلى طاعةً أخرى، وأما العمل الذي يقوم به الإنسان رياءً وتصنعاً، فإنه قد يقوده إلى رياء آخر أو إلى معصيةً فاضحة.

وأضرب لكم مثلاً عن رجل مشهور في التاريخ كان أحد كبراء بغداد، معروف بين أهل بغداد بأنه مولع بالخمر، والغناء، والجواري، وكان يشتري الجواري المغنيات بأغلى الأثمان، ويدربهن أيضاً على فنون الغناء العربي، ويعقد حفلات الرقص والغناء في بيته، متجاهرا بهذا الأمر، ولم يحصل أن فعل حسنةً طيلة حياته، مر ذات يوم وهو ذاهب إلى السوق، فوجد ورقة صغيرة وقعت من مصحف قديم قد تمزق، فانحنى على تلك القطعة من الورق ورفعها عن الأرض حتى لا تداس، وعندما دخل السوق اتجه إلى سوق العطارين واشترى لها عطراً بدرهم وعطرها به، وأخذ ينتظر حتى مر على جدار رفيع فيه فجوه أو غار، فوضع تلك الورقة في ذلك المكان حتى لا تداس، هذه أول حسنه كان يفعلها في حياته، لكن يبدو أنه فعلها بإخلاص، في هذا اليوم بالذات وهو يفعل ذلك في السوق، مر الإمام الكاظم صلوات الله وسلامه عليه على دار هذا الرجل مجتازاً، وكانت إحدى الخادمات قد خرجت من بيت الرجل وهي تحمل القمامة لتلقيها خارج البيت، فقال: لها الإمام عليه السلام أنت جارية من؟ قالت: أنا جارية فلان، قال: وهل مولاك حر؟، فنظرت إليه غاضبه وقالت: أيشك أحد أن مولاي حر! فقال: نعم هو حر ثم انصرف، رجع إلى البيت ... وكانت هذه الجارية لا تزال  ممتلئة على ذلك الرجل، الذي يشكك في حرية سيدها، وكانت تنتظر أن يرجع سيدها بفارغ الصبر، فلما رجع، قالت له: لقد مر اليوم بدارنا رجل صفته كذا وكذا وسألني جارية من أنت, قلت له: جارية فلان, قال: وهل فلان حر؟ قلت له: أهل يشك أحد في أن مولاي حر! فقال: نعم هو حر قال: أعيدي علي صفات الرجل فأعادت عليه, قال: أواثقةٌ أنت من أن هذه صفات الرجل الذي مر على دارنا, قالت: نعم قال: وا فضيحتاه، الإمام يمر بداري وأنا أفعل هذه الأفعال، ماذا لو مر وسمع أصوات الغناء مرتفعة؟ ثم عمد إلى كل آلات اللهو من العيدان وغيرها وحطمها وكسر آنية الخمر وباع الجواري المغنيات، وتاب إلى الله سبحانه وتعالى من ذلك العمل توبةً نصوحة، والسبب في ذلك هو إخلاصه في هذا العمل الصغير.

هذا الرجل مرض وأتوا له بالطبيب ليفحصه, فحصه الطبيب وقال لهم غداً صباحاً آتوني بشيءٍ من بول هذا الرجل حتى أتأكد من الفحص, وفي اليوم الثاني أخذوا له شيئاً من بول الرجل في زجاجة وأتوا للطبيب, حلله الطبيب وقال ما لكم, أقول لكم آتوني بشيء من بول الرجل تأتوني ببول رجل غيره, قالوا هذا هو بوله, قال لا يعقل, هذا الإنسان الذي يعيش مدمنا للخمر طيلة حياته يكون هذا بوله, هذا بول عابد من العباد وزاهد من الزهاد لا بول هذا الرجل.

فإذن انكشف أن التوبة الحقيقية والتي تربط الإنسان بالله طهرت حتى جسمه من آثار الخمر, هذا رجل.

ونضرب مثلا برجل آخر, فقيه من الفقهاء كان الناس يرجعون إليه, ويعملون برسالته, ويستفتونه في أحوال دينهم, في العراق وفارس وخراسان وغيرها من البلدان التي يوجد فيها الشيعة, وكل الناس تعتقد بأن هذا الرجل مؤهل لأن يختاره ولي الله سفيراً له بعد الحسين بن روح, ولكن الإمام عليه السلام أصدر أمره للحسين بن روح بأنه قد اختار علي بن محمد السمري, ماذا فعل هذا الرجل؟ حصل عنده اجتهاد جديد, وأجرى تعديلاً على الرسالة العملية, كتب فيها حلية اللواط, وحلية نكاح المحارم, وغير ذلك من الأمور, وأخذ أيضاً يتكلم في العقائد, فادعى أن الحسين بن روح ليس هو في حقيقته الحسين بن روح, ولكنه علي بن أبي طالب عليه السلام قد تلبس بهذه الصورة, وادعى بأن زينب بنت الحسين بن روح ليست هي بنت الحسين بن روح, وإنما هي زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام قد تلبست بهذه الصورة, وأخذ يعبث بالفروض, والعبادات, وصدر اللعن من الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه, يأمر الشيعة بلعنه بعد دبر كل صلاة.

لماذا صار هذا الرجل بعد أن كان فقيهاً وبعد أن كان مرجعاً من مراجع الشيعة الكبار, أن يصل إلى هذه الدرجة؟, لأنه في الحقيقة لم يكن مخلصاً في أعماله لله, وإنما كان يعمل لغاية أن يظهر في سلم الترقيات الدنيوية, أن يكون عالماً, وأن يكون مرجعاً, طاوعته نفسه أن يكون سفيها, ويوم أن صار سفيها, خسر كل شيء.

فإذاً ليس المهم أن يكثر الإنسان من العبادة, ولا أقول إن الإنسان  يقلل من العبادة, ولكن أقول أن يقبل على العبادة بمقدار ما يقبل عليها قلبه, فإذا رأى في قلبه ضيقاً عن نافلةٍ فليسترح منها, يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "إن للقلوب إقبالاً وإدبارا, فإذا أقبلت فاحملوا عليها بالنوافل, وإذا أدبرت فاقصروها على الفرائض", لماذا ؟ لأنه إذا أراد أن يقسر نفسه على ما لا تقبل عليه من النوافل يدخلها الرياء, فلا تتشجع وتندفع إلا بأن يدخلها الرياء أمام الناس بأن فلاناً يفعل كذا, فلان متصلب في دين الله, فلان متشدد لا يبالي, هذه الصفة إذا كانت ظاهرة عند الناس ولم تكن عن إخلاص فربما تؤدي إلى مضرة كبيرة به, وبالمؤمنين الذين هم من حوله, لأنه يربيهم على الرياء, وعلى التشدد وعلى عدم الإخلاص, وبالتالي ربما يضر أكثر مما يصلح.

فالرفق بالأمور سواء في مجال العبادة أو في غير مجال العبادة هو الذي ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن, وأما يعيش في مجتمع من المجتمعات, وهذا المجتمع فيه أفراد كثيرون وفئات كثيرة وهناك فئات من المؤمنين أيضاً قد تختلف مع الفئة التي هو مندمج فيها في فكرة بسيطة أو في جهة معينة, وهناك فئات منحرفة عن الدين كلية, وهناك فئات منحلة فماذا ينبغي أن يكون موقفه في معالجة ذلك؟ هل يأخذ الأمور بالشدة والتصلب في جمع الأفراد من الفئات المنحرفة عن الدين وإبعادهم عنها، أو مثلاً في قضية إبعاد المؤمنين عن التأثر بالفئات المنحرفة والفئات المنحلة؟ هل يأخذ الأمور بالتشدد والتصلب أو يأخذها بالرفق؟ لو أخذها بالتشدد والتصلب فسوف يكون ما يفسده أكثر مما يصلحه, فلو جئت إلى أي إنسان ضعيف وصارحته بأنه مخطئ في مشيه مع فلان لجعلته يتصلب للبقاء مع فلان, ولكن لو جئت إليه فنبهته تنبيهاً بعد تنبيه, على ما عند فلان من الخطأ أو من الإفراط لوجدته يبتعد عنه.

طبعاً من المؤمنين من يعتقد أنه أكفأ من سائر الناس, وهو يستطيع إصلاح هذا المنحرف, فتجده يلتصق به, وهو المسكين لا يعلم أنه أعجز الناس عن فعل ذلك الشيء, لكن عنده اغترار في نفسه, فتجده يلتصق به, فلو جئت تحمل على هذا الإنسان المغتر بنفسه في التصاقه بهذا المنحرف, ربما تخسره بالمرة, فإذاً لا توجد طريق في هذه الحالة إلا معالجة الموضوع معه بالرفق، والانتظار به والتأني عليه, ثم سؤاله عن نتيجة ما حقق, وعندئذ يعرف أنه أخطأ, فإذا عرف أنه أخطأ يضطر للابتعاد.

وكذلك لو أن إنسانا له قريب, وهذا القريب منحرف، افترضه ملحدا أو مبدعاً أو غير ذلك، هل تظنون أن كل مؤمن يلتزم الخط الإيماني مائة في المائة فلا يبالي بأخيه أو بابن عمه أو بابن خاله؟ لا, هذا أمر صعب, ولذلك امتحن الله به عباده فقال سبحانه وتعالى: ]لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[[1], فهذه طبعاً قضية امتحانية وابتلائية, ولكي لا يسقط المؤمن في هذا الابتلاء وهذا الامتحان, لا ينبغي أخذه بالعنف, فلو كان له أخ منحرف أو كان له أخ ملحد وأنت تريد منه أن يحارب أخاه أو أن يقاطع أخاه, وتكلمه بصورة صارمة وبصورة شديدة, ربما تجعله لحمة النسب يتشدد ويقف مع أخيه, وعندئذ أنت تخسر هذا الفرد, وأيضا تكون قد كسرت مؤمنا, ولكن لو أخذ هذا الإنسان بالرفق والتفهيم لكان يحتمل أنه يمكن إصلاحه, أو لا,  قد تقع للإنسان المؤمن شبهة بأن فلاناً مظلوم, وأن ما يقول عنه هؤلاء إنما هو لعدم اطلاعهم على حاله, وأنه في حقيقة أمره قد تاب مما هو عليه, فهو لا يقاطعه ولا يعاديه, لأنه يعتقد أنه مظلوم, وفي هذه الحالة لو عومل هذا الإنسان الذي يعتقد بظلامة هذا الإنسان بتشدد فهو بسبب الدافع باعتقاد مظلومية هذا الشخص سوف يعتبر نفسه مظلوما معه, ويتعاطف معه أكثر ويتشدد أكثر, وبالتالي تكون قد خسرت هذا الإنسان, وأيضا يصيبك أنك كسرت مؤمنا, وأن عليك جبره, فلا بد من الملاينة معه والمسايسة, وأخذه بالتي هي أحسن حتى يمكن إبعاده عنه.

فإذاً الرفق في الأمور هو المنهج الإسلامي الصحيح في معالجتها, وأن للعنف وللشدة وللتصلب مواضع محدودة ومعدودة, ولا أعني  بالرفق التهاون في أمور الدين, لا, الرفق لا ينافي الالتزام بالدين, ولكن نقول أن يرفق الإنسان بنفسه باعتباره إنسانا ضعيفا, ويرفق الإنسان بأخيه المؤمن باعتباره أيضا إنسانا ضعيفا, وعندئذ يستطيع أن ينجي نفسه من الوقوع في الرياء أو الانقلاب إلى عكس ما كان عليه.

وأنتم تشاهدون أشياء كثيرة تحصل في دنيا العالم الخارجي, فحينما وقعت حرب الخليج أو قضية صدام والكويت, فإن هناك فئات إسلامية متشددة وقفت مع [صدام], لماذا؟ لأن الأمريكان جاءوا إلى المنطقة, وإذن صار هناك ولاء للكفار, والتغير من حال إلى حال والتبدل من موقف إلى موقف, تدفع إليه أقل الأسباب, وربما شاهدتم أن فئات كانت تحارب [صداما] في الأزمة, وفئات كانت تحارب مثلا الجهات الأخرى في الأزمة أيدتها, لماذا هذا التبدل؟ وقع التبدل في الحقيقة لأن الأسباب الحياتية لها تأثيرات نفسية, ولها تأثيرات فكرية وهي تؤثر بصورة أو بأخرى في الأفكار والسلوك, ولأنها أيضا لم تُبنَ على ناحية حقيقية من الإيمان حتى يستخلص منها موقفا ثابتا لا يتغير ولا يتبدل, وإنما هو تفسير خاطئ لموقف الإيمان لا نأمن الانتقال منه إلى غيره, وأسباب ذلك  كله عدم أخذ الأمور بالرفق.

فإذاً أخذ الأمور بالرفق هو المنهج الإسلامي الذي ينبغي أن يعالج به الإنسان نفسه, وأن يعالج به غيره, وأن يعالج به الأمور التي تجري في مجتمعه, ومتى ما ترك الإنسان الأخذ بالرفق وغالب هذا الدين فلا شك أن الدين يغلبه, وأن المُجد يعني المتشدد في الأمر بصورة فوق الحد الاعتيادي لسائر الناس, وأن المجد لا أمراَ حقق ولا غاية وصل, المجد هو الإنسان الذي يسافر من بلد إلى بلد على ناقة, فهو يريد أن يصل إلى تلك البلد, لا يمنح نفسه الراحة, ولا يمنح ناقته الراحة, ويسير بها آناء الليل وأطراف النهار لكي يصل إلى البلد التي يريد, ما هي النتيجة؟ هلكت الناقة, لكثرة السير والجوع والعطش وعدم النوم هلكت الناقة, فلما هلكت الناقة أين بقى هو؟ في الصحراء, فلا ظهر عنده يركبه ليوصله إلى واحة أو إلى بئر, ولا هو وصل إلى الغاية التي يريدها, ولذلك ضرب به النبي صلى الله عليه وآله مثلا فيمن ترك الرفق في الدين، والرفق بالأمور "إن المجد لا ظهرا أبقى ولا غاية وصل" ونحن أيضا لا نريد أن ينطبق علينا هذا المثل الذي ذكره صلى الله عليه وآله بأن لا نبقي ظهراً ولا نصل إلى الغاية, يعني لا نبقى على إيماننا الحقيقي ولا نصل إلى غايتنا من إصلاح الناس, بل نريد أن نبقى على إيماننا الحقيقي, وأن نتمكن من إصلاح الناس, وهذا يستلزم منا أن نأخذ بالنصيحة التي قدمها النبي صلى الله عليه وآله في صدر الحديث: "إن هذا الدين صعب مستصعب, فأوغل فيه برفق, فإن المجد لا ظهراَ أبقى ولا غاية وصل".

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

*  محاضرة في 12 شهر رمضان 1411هـ

[1]  المجادلة: من الآية22

مؤسسة إسلامية تُعنى بحفظ تراث العلامة الشيخ سليمان المدني (قده) ونشره، وحفظ المبادئ والقيم والثوابت التي ينتمي إليها سماحته، والتي دافع عنها طول حياته.